عرض/ حسين عبد العزيز
يتناول الكتاب تطور مفهوم الجهاد في التاريخ الإسلامي، وكيف تعامل المعبرون عن الفكر الإسلامي مع هذا المفهوم الذي يجد سنده في القرآن والأحاديث النبوية.

يستند الكتاب إلى تمييز هام بين الدين من جهة، والفكر الديني من جهة أخرى، أي التمييز بين المقدس والبشري، بين الثابت والمتحول، كما ينحصر غرض الكتاب في تتبع المواقف التي برزت منذ القرن الثاني للهجرة وحتى اليوم تجاه مسألة الجهاد.

تبلور عقيدة الجهاد

-الكتاب: تطور مفهوم الجهاد في الفكر الإسلامي
المؤلف: ماهر الشريف
-الصفحات: 343
-الناشر: دار المدى, دمشق
-الطبعة: الأولى 2008
ظهرت كتب السير والجهاد الأولى التي حددت أحكام القتال وكيفية سلوك المسلمين خلال الحرب، في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، حيث وضع بعض الفقهاء أسس ما بات يعرف بالفقه الإسلامي إزاء الحرب.

وبالاستناد إلى القرآن والسنة النبوية ولا سيما إلى الغزوات التي خاضها الرسول صلى الله عليه وسلم، سعى الفقهاء إلى تبرير القواعد والمبادئ التي اعتمدت خلال الفتوحات.

فأكد الإمام عبد الرحمن الأوزاعي في الشام أن الجهاد مع النبي كان فرض عين على المستطيع له من أصحابه، ثم أصبح بعد وفاته فرضا على الكفاية إذا لم يتعين، في حين عارض الإمام مالك بن أنس قتال الفجأة أو البيات (مهاجمة العدو ليلا)، لأنه لا بد من دعوة الناس إلى الإسلام قبل الهجوم، ورأى مالك أن الجهاد فرض على من استطاعه.

كما ذهب الإمام الشافعي إلى اعتبار الجهاد فرض كفاية، بمعنى أن يجاهد من المسلمين من في جهاده كفاية حتى يسلم أهل الأوثان أو يعطي أهل الكتاب الجزية. وقد تمايز الشافعي بموقفه من مسألة الجهاد عن غيره من الفقهاء وخاصة من فقهاء الحجاز، عندما اعتبر أن علة الجهاد هي الشرك وليس العدوان على المسلمين، وأن الجهاد يرمي إلى إظهار الإسلام على الأديان.

أما من لعب الدور الهام في بلورة عقيدة الجهاد فهو بلا ريب شيخ الإسلام ابن تيمية الذي كان من أتباع المذهب الحنبلي، والذي كانت لمواقفه أصداء واسعة في القرن العشرين لدى من انتسبوا إلى الإسلام السياسي أو الحركي.

ميز ابن تيمية بين الجهاد المكي الذي يتم بالعلم والبيان والجهاد المدني الذي يتم باليد والحديد، ففي كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" اعتبر أن الجهاد من أهم الفروض في الإسلام وأن فضائله المذكورة في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى، وهو أفضل من الحج والعمرة والصلاة والصوم، وقد أوجب ابن تيمية قتال كل من يقف في مواجهة دعوة الإسلام.

بالمقابل لم تختلف عقيدة الجهاد لدى الطوائف غير السنية اختلافا كبيرا عن عقيدة الجهاد التي تبناها أصحاب المذاهب السنية، فبالنسبة للشيعة الزيديين الذين يقولون بإمامة زيد بن علي بن الحسين، يشكل الجهاد -بعد شرط الانتساب إلى النبي من خلال الحسين- الشرط الثاني الذي ينبغي توافره في الإمام، أما الشيعة الإمامية فقد علقوا غالبا إعلان الجهاد على ظهور الإمام الغائب أو أحالوا أمره على من ينوب عنه في عصر غيبته.

كما كان الجهاد أحد الأسس الرئيسية التي قامت عليها الدول الإسلامية الجديدة وفي مقدمها الدولة الفاطمية، ففي كتابه "دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام" أفرد القاضي أبو حنيفة محمد بن منصور بن أحمد بن حيون التميمي المغربي قسما خاصا بالجهاد.

وقد أكد فيه أن القتال متوجب على كل من أنكر نبوة النبي محمد ودفع رسالته، وأن الجهاد فرض على كل مسلم أراد الجنة لكنه غير مفروض على النساء ولا على العبيد ولا على من لم يبلغ الحلم من الفتيان، ويرى أن القتال لا ينبغي أن يبدأ قبل دعوة المشركين إلى الإسلام.

الجهاد من منظور رواد الإصلاح الديني
لم يعالج المعبرون عن تيار الإصلاح الديني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر موضوع الجهاد بصورة مباشرة، وإنما عالجوه بصورة عرضية وقدموا له تعريفا واسعا لم يقتصر على معنى القتال.

"
الأفغاني أقام تمييزا واضحا بين الحروب التي كانت تجري في عصره وبين الجهاد الذي لجأ إليه المسلمون أول عهدهم، فالنبي دعا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ولم يلجأ إلى قتال المشركين إلا بعد إصرارهم على الضلالة ومحاربتهم الرسول الكريم
"
فقد دعا جمال الدين الأفغاني في مجلته "العروى الوثقى" إلى الوقوف بحزم في وجه السياسات الاستعمارية، فالدفاع عن أرض المسلمين فرض عين على كل فرد، إذ إن صيانة الأمة الإسلامية من الأعداء أهم فرض من فروض الدين.

وبقيت العروى الوثقى تشدد على الطابع الدفاعي لقتال المسلمين دفاعا عن أوطانهم، ولذلك أقام الأفغاني تمييزا واضحا بين الحروب التي كانت تجري في عصره، وبين الجهاد الذي لجأ إليه المسلمون أول عهدهم، فالنبي دعا إلى وحدانية الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يلجأ إلى قتال المشركين إلا بعد إصرارهم على الضلالة ومحاربتهم الرسول الكريم.

ولم تختلف الإشكالية الفكرية لدى محمد عبده عن أستاذه الأفغاني فكلاهما انطلق من تأخر المجتمعات الإسلامية وحاجتها إلى البعث الذاتي، وكأستاذ لم يترك محمد عبده بحثا خاصا عن الجهاد، بل عالج الموضوع بصورة عامة لدى قيامه بتمييز بعض آيات القرآن الكريم.

والأمر كذلك بالنسبة إلى الكواكبي، حيث أشار في كتابه "أم القرى" إشارة سريعة إلى الجهاد في ثلاثة مواضع:

- القتال من أجل الإصلاح.
- الزهد.
- سعي الحكماء إلى إعداد العلماء المصلحين.

انقلاب محمد رشيد رضا الفكري
عالج رشيد رضا مسألة الجهاد بإسهاب في مقالاته العديدة، وبين فيها أن لفظ الجهاد في القرآن ليس مرادفا للحرب والقتال، لكن الفقهاء اصطلحوا على تسمية القتال جهادا، وهو لفظ ألطف وأخف من لفظ القتال ولفظ الحرب، لأن معناه يتحقق ببذل الجهد في مقاومة لا يقتل فيها أحد أحدا، والقتال ليس كذلك إذ لا يتحقق معناه إلا بسفك الدماء، وما الجهاد بمعنى الحرب الدينية إلا ابتداع بثته أوروبا في الشرق بحروبها الصليبية.

وبعدما أوضح رضا معنى الجهاد في الإسلام والفرق بينه وبين القتال، انتقل إلى استعراض أحكام القتال في الإسلام، حيث أشار إلى أن هذه الأحكام استندت إلى العدل والرحمة والحكمة، وكان المراد بها مدافعة الأعداء الذين يحاربون المسلمين لأجل دينهم كما يتبين من الآية التالية "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"، مؤكدا أن القرآن لم ينه عن موالاة ومودة من لا يقاتل المسلمين، بل حصر النهي في أولئك المقاتلين المعتدين.

ظل رضا حتى هذه المرحلة وفيا لتعاليم أستاذه محمد عبده، لكنه لم يستمر طويلا على هذا النهج، وأخذ التحول يطرأ على تفكيره منذ مطلع العقد الثاني من القرن العشرين لاسيما بعد اعتداء إيطاليا عام 1911 على طرابلس الغرب وبروز التوجه العلماني في سياسة الاتحاديين الأتراك.

"
في مواجهة الهجمة الاستعمارية، بدأ رضا يشدد على ضرورة إحياء الجامعة الإسلامية ويدعو المسلمين إلى التعاون على حفظ سيادتهم والدفاع عن أنفسهم، وعلى إحياء منصب الإمامة
"
وفي مواجهة هذه الهجمة الاستعمارية، بدأ رضا يشدد على ضرورة إحياء الجامعة الإسلامية، ويدعو المسلمين إلى التعاون على حفظ سيادتهم والدفاع عن أنفسهم، وعلى إحياء منصب الإمامة.

وفي منتصف العقد الثاني من القرن العشرين أطلق رضا حملة واسعة على من أسماهم المتفرنجين والملاحدة في العالم الإسلامي، وخاصة في مصر وتركيا الذين يشكلون في نظره جيشا داخليا أكثر ضررا من جيوش الخارج. ولمواجهة ذلك دعا رضا أهل الإصلاح إلى مواجهة هؤلاء الملاحدة -الخراجين على الإسلام حسب وصفه- كسلامة موسى ومحمد حسين هيكل وطه حسين...إلخ.

وخلافا لموقف أستاذه محمد عبده الذي رأى في البعد عن التكفير أصلا من أصول الإسلام الصحيح، أصر محمد رشيد رضا على تكفير بعض أساتذة الجامعة المصرية، كما افترق رضا عن أستاذه عبده والأفغاني في جعل الإيمان قائما على الإذعان وليس على العقل الذي يفترض وجود الدليل والبرهان.

المعبرون عن الإسلام الحركي
ساهم الانقلاب الذي طرأ على تفكير محمد رشيد رضا في تهيئة الأرضية الثقافية التي أستند إليها دعاة الإسلام السياسي أو الحركي، كحسن البنا وأبو الأعلى المودودي وسيد قطب، فمع هؤلاء غاب التمييز القديم بين الجهاد الدفاعي والجهاد الهجومي.

فخلافا لرواد الإصلاح الديني الذين رأوا في أحد وجوه الحضارة الغربية منارة للعلم والعقلانية والحرية والعدل، لم ير البنا في هذه الحضارة سوى مظاهر الإلحاد والشك في الله والإباحية والتهافت على اللذة.

اعتبر البنا أن الأمة الإسلامية باتت تحتل مرتبة الأستاذية في العالم، ومطلوب منها أن تلاحق حضارة المادة والشهوات الغربية، والخطوة الأولى في هذا الطريق هي إصلاح أوضاع المسلمين الداخلية عبر تصفية كل المؤسسات التي اقتبست مفاهيمها عن الغرب خصوصا في ميدانيْ التعليم والقضاء.

على خلفية هذه المواقف تصدى البنا لمعالجة مسألة الجهاد في الإسلام، منطلقا من أن الإسلام جعل القتال في سبيل الله فريضة محكمة من فرائضه، وقسم البنا فرض الجهاد إلى قسمين: فريضة كفاية بعد بلوغ الدعوة، وفريضة عين إذا غلب العدو على بلد من بلاد الإسلام. غير أن الإسلام الذي فرض القتال دعا المجاهدين كما أشار البنا إلى الرحمة والعدل، ناهيك عن تشديده على السلم "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها...".

كما نهى الإسلام -والكلام للبنا- عن قتال من لا يقاتل المسلمين، ودعا إلى حماية الأقليات، بيد أن البنا لم يتمسك دوما بهذا الموقف، حيث قدر في مواقع أخرى أن من الواجب قتال كل من بلغته الدعوة إلى الإسلام ولم يسلم.

أما أبو الأعلى المودودي فقد اعتبر أحد أبرز المرشدين الروحيين لما بات يعرف بالتيار الجهادي الراديكالي داخل الحركات السياسية الإسلامية.

فبعد تأسيسه الجماعة الإسلامية في باكستان، أكد أن جماعته وضعت لنفسها غاية عالمية هي أن تستأصل شأفة كل نظام للحياة أسس بنيانه ووضعت قواعده على الانسلاخ من عبودية الله. ويرى المودودي أن الانقلاب الإسلامي لن يتحقق إلا إذا قامت حركة جماهيرية على أساس النظريات والأحكام القرآنية والسيرة النبوية، وتعمل عبر جهادها المستمر العنيف على تغيير أسس الجاهلية الفكرية والخلقية والنفسية والثقافية السائدة في الحياة الاجتماعية.

"
يرفض المودودي التقسيم الكلاسيكي الشائع للجهاد إلى هجومي ودفاعي، فالجهاد الإسلامي برأيه هجومي ودفاعي في آن واحد، هجومي لأن الحزب الإسلامي يضاد ويعارض الممالك القائمة على المبادئ المناقضة للإسلام, ودفاعي لأنه مضطر إلى تشييد بنيان المملكة وتوطيد دعائمها
"
وفي كتابه الذي كرسه لموضوع الجهاد "الجهاد في سبيل الله" يبدأ المودودي بالقول إن الإسلام فكرة انقلابية ومنهاج انقلابي يهدف إلى هدم نظام العالم الاجتماعي بأسره كي يؤسس بنيانا جديدا.

ويلحظ المودودي أن الإسلام تجنب اللجوء إلى كلمة الحرب وغيرها من الكلمات التي تؤدي معنى القتال، واستبدل بها كلمة الجهاد التي تؤدي معنى بذل الجهد والسعي في النضال في سبيل الله، وكلمة "في سبيل الله" تعني بحسب المودودي كل عمل يخدم الصالح العام.

ويرفض المودودي التقسيم الكلاسيكي الشائع للجهاد إلى هجومي ودفاعي، فالجهاد الإسلامي برأيه هجومي ودفاعي في آن واحد، هجومي لأن الحزب الإسلامي يضاد ويعارض الممالك القائمة على المبادئ المناقضة للإسلام ويريد قطع دبرها، ودفاعي لأنه مضطر إلى تشييد بنيان المملكة وتوطيد دعائمها.

المصلحون الجدد
في مواجهة العنف المسلح الذي لجأت إليه بعض الحركات الإسلامية ومارسته تحت اسم الجهاد، دعا بعض العلماء والمفكرين المسلمين إلى تبني منهج اللاعنف في الدعوة إلى الإسلام، مثل الإمام محمد مهدي شمس الدين، والمفكر جودت سعيد والشيخ خليل عبد الكريم، والمفكر محمد شحرور.

ويرى هؤلاء العلماء والمفكرون أن اللجوء إلى العنف المسلح وسيلة فاشلة في العمل السياسي، وهو غير مشروع ضد الأنظمة الحاكمة في البلدان الإسلامية ولا ضد الأجانب الذين يقيمون فيها، ولا يمكن اللجوء إلى العنف المسلح إلا في حالة واحدة هي الدفاع عن البلدان الإسلامية والتصدي للعدوان الأجنبي.

ويؤكد بعض هؤلاء في مواجهة دعوة جماعات الإسلام السياسي إلى إقامة الدولة الإسلامية، أن الدولة الدينية لم يعرفها التاريخ الإسلامي في عهد الرسول لأن حكمه كان مؤيدا بالوحي، بينما كانت كل الحكومات التي جاءت بعده حكومات بشرية.

ويشدد هؤلاء العلماء على ضرورة التحرر من أسر فقه القرون الوسطى الذي صيغ في الفترة العباسية الأولى عندما كانت الدولة الإسلامية أقوى دولة في العالم، والذي قام على أساس تقسيم الدنيا إلى دار الإسلام ودار الحرب، معتبرين أن هذا الفقه الذي تتبناه الجماعات الإسلامية يخلق تربة خصبة لإشاعة روح الإكراه، وهم يرون أن الإسلام يحرم قتل النفس حتى في حالة الردة، وأن الجهاد الحقيقي هو ضمان حرية العقيدة وحرية التعبير عن الرأي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك