عرض/بدر محمد بدر
هذا التقرير يسعى لكشف ما يجري خلف الستار في إمبراطورية الإعلام الأميركي, وإلى أي مدى يتم تقديم الحقائق واحترام الرأي والرأي الآخر في الإعلام الغربي, وما هي القيود المفروضة وما هي حدود الرقابة التي تمارسها السلطة أو المؤسسات الإعلامية, لحجب الحقائق أو لإهمالها وتهميشها بشكل متعمد؟

وهذا التقرير هو الإصدار السنوي الثلاثون لمؤسسة "مُرَاقَب" التي تهتم بالكشف عن أهم القضايا الإخبارية التي خضعت للرقابة في الولايات المتحدة طوال العام, ويشارك في إعداده نحو مائتين من طلاب وأعضاء هيئة التدريس بقسم الاجتماع بجامعة سونوما بالولايات المتحدة.

-الكتاب: الرقابة والتعتيم في الإعلام الأميركي
-المؤلف: بيتر فيليبس ومشروع مُراقب
-المترجم: أحمد محمود
-عدد الصفحات: 312
-الناشر: دار الشروق، القاهرة
-الطبعة الأولى ديسمبر/كانون الأول 2007

 
ثلاثة مبادئ
ويتكون التقرير من الفصل الأول الذي يضم أهم 25 قصة إخبارية خضعت للرقابة, بالإضافة إلى ثمانية فصول أخرى.

وفي المقدمة يتحدث التقرير عن الحدود الأيديولوجية التي يعمل الصحفيون الأميركيون في إطارها, وتقوم على ثلاثة مبادئ أولها: أن الرأسمالية هي السبيل الطبيعي إلى تنظيم الاقتصاد, وبالتالي فهي حتمية.

وثانيها أن الولايات المتحدة الفريدة بين الدول, محبة للخير بطبعها في سياستها الخارجية والعسكرية.

وثالثها أن أية حلول سياسية (قابلة للتطبيق) ومن ثم تستحق أن تؤخذ في الاعتبار, تحددها برامج الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

ويدلك التقرير على مدى تأثير هذه الأيديولوجية على الصحافة الأميركية بعدة أمثلة, منها أن الأميركان بسبب (أن الولايات المتحدة محبة للخير بطبعها) يؤمنون بأن بلادهم لم تكن أول ديمقراطية في العالم فحسب, بل كانت أداة لغرس الديمقراطية في العالم عندما أصبح لديها القدرة على مد نفوذها خارج حدودها.

وداخل هذه النظرة من المفترض أن تكون الإجراءات الأميركية مبررة من الناحية الأخلاقية, وإذا انتهى الحال بآثار سلبية للسياسة الأميركية يتم شطبها لأن السياسات حسنة النية وأخطأت بسبب التخطيط غير الكافي أو سوء التنفيذ.

وعندما ثبت زيف الأسباب المعلنة (أسلحة الدمار الشامل والصلات مع الجماعات الإرهابية) للغزو المفجع للعراق عام 2003, واحتلاله الذي لا يزال قائما, سارع الصحفيون بقبول أن فشل الاستخبارات قاد مخططي بوش إلى الافتراضات الخاطئة بشأن الخطر الذي يمثله العراق.

وتجنب الصحفيون التفسير الأكثر قبولا وهو أن مسؤولي الإدارة يوجهون المعلومات الاستخبارية على نحو يبرر الحرب التي كانوا قد خططوا لخوضها.

ولن نجد في وسائل الإعلام الأميركية ما هو واضح للغالبية العظمى من العالم, من أن الغزو كان جزءا من مشروع عمره ستون عاما, لتوسيع وتعميق سيطرة الولايات المتحدة على موارد النفط والغاز في الشرق الأوسط ووسط آسيا.

شبكة الخداع
ويستعرض التقرير القصص الإخبارية التي أهملها "إعلام الشركات الضخمة" متعمدا, خلال عامي 2005 و2006 ومنها أزمة حيادية الإنترنت, وكيف نجحت شبكة الخداع الإعلامي في تعطيل حرية الإنترنت على المستوى الفدرالي, وفرض رقابة على القصة.

والهدف هو ترك الشركات الضخمة للإنترنت تقوم بإنشاء محطات تحصيل رسوم الإنترنت, وهو ما يؤدي إلى تمكين الأغنياء من الحصول على الموجة العريضة الأفضل للبث عبر الإنترنت وترك الآخرين يدورون في الفضاء الإلكتروني, وهذا بالطبع يهدد حرية الإنترنت.

"
الصحفيون الأميركيون يتجنبون التفسير الأكثر قبولا في العالم وهو أن مسؤولي الإدارة يوجهون المعلومات الاستخبارية على نحو يبرر الحرب التي كانوا قد خططوا لخوضها
"
ويشير التقرير إلى أنه تم التعتيم على اتهام شركة هاليبرتون التي كان يديرها ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي جورج بوش ببيع التقنية النووية لإيران, حتى لا يسبب الحرج لإدارة الرئيس.

كما تم التعتيم على التقارير التي تتحدث عن تعرض محيطات العالم لمخاطر شديدة من التلوث البيئي, وكذلك الأنباء التي تحدثت عن زيادة الجوع والتشرد في الولايات المتحدة, وأيضا تم إهمال أخبار الإبادة الجماعية للسكان في الكونغو بسبب صراع الدول الغربية للسيطرة على الموارد الطبيعية كالماس والقصدير والنحاس والذهب, وأهم من ذلك الكولتان والنيوبيوم وهما ضروريان لإنتاج الهواتف المحمولة وغيرها من الإلكترونيات الفائقة, إلى جانب الكوبالت.

وأدت هذه الصراعات إلى وفاة حوالي سبعة ملايين مواطن من الكونغو, منذ عام 1996 وحتى الآن!

ترسيخ التعذيب كسياسة
ومن بين القضايا الأكثر أهمية بالنسبة للعرب, يستعرض التقرير ترسيخ التعذيب كسياسة من غوانتانامو إلى العراق, وكيف مارس المخبرون الأميركيون عمليات تعذيب بشعة ضد المعتقلين في أفغانستان والعراق.

وقد نشر الاتحاد الأميركي للحريات المدنية تقريرا في أكتوبر/تشرين الأول 2005 عن أربع وعشرين عملية تشريح جرت في أفغانستان والعراق, منها إحدى وعشرون من هذه الوفيات لمعتقلين ماتوا أثناء استجواب جنود البحرية والاستخبارات العسكرية الأميركية, وما لا يقل عن 95% من الصحف اليومية في الولايات المتحدة لم تحمل نفسها عناء نقل القصة!

ويؤكد كاتب الموضوع أن سيلا من المعلومات والبراهين ما زال يؤكد استمرار حكومة بوش في توسيع سياستها الخاصة بالتعذيب, وكذلك تسليمها مسجونين لدول جعلت من تعذيب البشر علما, بالرغم من حظر القوانين في الولايات المتحدة للتعذيب حظرا مطلقا, حتى في زمن الحرب.

وفي الشأن العراقي أيضا ينتقد التقرير تهميش وإهمال التقارير الإخبارية التي أكدت أن الحرب الجوية الموسعة تقتل المزيد من المدنيين في العراق, وأن 85% من الوفيات الناجمة عن العنف سببها قوات التحالف, و95% من حالات القتل التي تم الإبلاغ عنها تسببت فيها المدافع الآلية المثبتة في الطائرات المروحية والصواريخ وغيرها.

وفي قضية أخرى يشير التقرير إلى أن الغزو الأميركي للعراق زاد من أرباح شركات البترول الأميركية بصورة هائلة, بعد أن وصلت أرباح خمس شركات نفط في العراق عام 2005 إلى 113 مليار دولار, وفي فبراير/شباط 2006 أعلنت شركة كونوكوفيلبس عن تضاعف أرباحها ربع السنوية مقارنة بالعام الماضي، وفي عام 2005 أعلنت إيكسون موبيل عن أكبر أرباح تشغيل في عام واحد تحققها أية شركة في التاريخ الأميركي.. وكالعادة لم تحظ هذه الأخبار بالاهتمام.

"
الصحافة الأميركية همشت وأهملت التقارير التي أكدت أن الحرب الجوية الموسعة تقتل المزيد من المدنيين في العراق, وأن 85% من الوفيات سببها قوات التحالف, و95% من حالات القتل التي تم الإبلاغ عنها تسببت فيها المدافع الآلية المثبتة في الطائرات المروحية والصواريخ
"
تمويل الجدار العازل
وفيما يخص الشأن الفلسطيني أشار التقرير إلى دور البنك الدولي في بناء الجدار العازل وتدعيم الفصل العنصري من خلال التمويل غير المباشر, وكذلك مساهمة الولايات المتحدة في بناء بوابات على امتداد الجدار العازل من أجل المساعدة في تلبية احتياجات الفلسطينيين!

قضايا أخرى تناولها التقرير منها تأكيد أخطار الأغذية المعدّلة وراثيا وإظهار المخاوف الصحية بشأنها, ومنها أن البنتاغون يعتزم صنع ألغام أرضية بعد انقطاع دام عشر سنوات بالرغم من الحظر الدولي على الألغام المضادة للأفراد, ودعوة الولايات المتحدة عام 1994 إلى القضاء نهائيا على تلك الألغام.

ومنها أن وزارة أمن الوطن الأميركية تعاقدت مع إحدى الشركات الكبرى على بناء مراكز اعتقال داخل الولايات المتحدة بقيمة 385 مليون دولار.

ومن القضايا التي لم تأخذ اهتماما ملموسا مشاركة الصناعات الكيمياوية المسببة للتلوث في أبحاث وكالة حماية البيئة, ومشكلة الماء المعبأ في زجاجات والذي تزداد تكلفته عن سعر البنزين في الولايات المتحدة, ورغم الأخطار الناجمة عن استعمال هذا الماء في الشرب فإن هذه المعلومات لم تلق اهتماما يذكر بسبب مصالح الشركات المعبئة للمياه.

انهيار برجي منهاتن
وتم أيضا تهميش بحث لأستاذ في الفيزياء بجامعة بريغام يانغ انتهى إلى أن التفسير الرسمي لانهيار برجي مركز التجارة العالمي في منهاتن غير مقبول بناء على قوانين الفيزياء, ويعتقد الباحث أن القنابل لا الطائرات هي التي أسقطت البرجين.

ويقول إنه لم يحدث قبل مباني مركز التجارة العالمي ولا بعدها أن انهار بناء هيكله من الصلب بسبب حريق, ولكن المتفجرات يمكن أن تفصل أعمدة الصلب بعضها عن بعض بشكل فعال.

في الفصل الثاني يستعرض التقرير ما يسميه "أخبار الوجبات السريعة" ويشير إلى اعتراض بعض محترفي الأخبار على أن القضية ليست الرقابة بقدر ما هي اختلاف في الرأي بشأن أهمية المعلومات التي تستحق النشر, خصوصا وأن أمامهم قدرا محدودا من الوقت والمساحة لتوصيل الأخبار, وأن مسؤوليتهم هي تحديد أي القصص الإخبارية أكثر أهمية لمعرفة الجمهور.

لكن التقرير يقارن بين ما يقدم من أخبار "من الصحافة عالية السعرات" ومنها أخبار زواج وطلاق وجريمة ورياضة.. إلخ في الوقت الذي تجري فيه أحداث أخرى أكثر تأثيرا على الوطن والمجتمع, فالمشكلة ليست نقص وقت أو مساحة الأخبار, ولكنها في نوعية الأخبار المنتقاة لشغل ذلك الوقت وتلك المساحة.

إعلام مستقل
يتحدث التقرير في الفصل الثالث عن الحاجة إلى إعلام ديمقراطي مستقل يكون بديلا لإعلام الشركات الضخمة القائم بالفعل, ويدعو إلى تضافر جهود المهتمين بحيادية واستقلالية الإعلام للعمل معا حتى يحققوا النتائج المرجوة, باعتبار أن الإعلام الجيد ضروري للحكم الذاتي الديمقراطي, وأن الاستقلال لا يعني الحق في الاستهلاك فقط بل يعني فرصة إنتاج الإعلام الجيد الذي يخدم المجتمع الحر.

ويتناول الفصل الرابع إعلام الشركات الضخمة والجهود المبذولة لإلغاء القيود المفروضة على الملكية المتقاطعة للصحف والبث الإذاعي والتلفزيوني أي السماح للشركات بامتلاك هذه الوسائل بدون قيود، مما يشكل خطرا على حرية هذه الشبكة الضخمة.

ويتناول أساليب السيطرة على شبكة الإنترنت بما يزيد الخطر على حرية هذه الشبكة الضخمة, ويتناول الفصل الرابع كذلك الإمبراطوريات التي تملك وسائل الإعلام من صحف وإذاعة وتلفزيون وسينما, ومنها نيويورك تايمز وواشنطن بوست ووالت ديزني وغيرها.

"
هناك حاجة إلى إعلام ديمقراطي مستقل يكون بديلا لإعلام الشركات الضخمة القائم بالفعل, ولابد من جهود يقوم بها المهتمون بحيادية واستقلالية الإعلام حتى يحققوا النتائج المرجوة باعتبار أن الإعلام الجيد ضروري للحكم الذاتي الديمقراطي
"
أخبار زائفة
وفي الفصل الخامس يتعرض التقرير للأخبار الكثيرة الزائفة التي يتبناها الإعلام الأميركي بدءا من القصص التي يزرعها البنتاغون في الصحف العراقية إلى النشرات الإخبارية المصورة الممولة من الحكومة والشركات الضخمة والتي تذيعها غرف الأخبار التلفزيونية، ويرصد الميزانيات التي وصلت إلى ملايين الدولارات لشركات الدعاية الخادعة ومنها شركة "لنكولن غروب".

ويقدم التقرير رسالة للمطالبين بإعلام حر ومستقل يطالبهم فيها بعدم اليأس، وبالإلحاح على إصلاح وسائل الإعلام في الولايات المتحدة.

مجموعة الهيمنة الكونية
ويتناول الفصلان السادس والسابع مدى التأثير الداخلي والخارجي على الأخبار في الولايات المتحدة، وتأثير وكالات الإعلانات على المحتوى التحريري المقدم للجمهور، وكذلك تأثير الضغوط الحكومية.

كما يتحدث التقرير عن "مجموعة الهيمنة الكونية" وهى مجموعة القيادة التي تشترك في هدف التأكيد على القوة العسكرية الأميركية في أنحاء العالم, على نحو يتسم بالجرأة.

ويحدد الفصل السابع العوامل الأساسية الداعمة لأجندة الهيمنة الكونية, ويبحث في كيفية ارتباط هذه المجموعة بإعلام الشركات الضخمة في الولايات المتحدة ودعم هذا الإعلام لها, كما يكشف الجهات والمؤسسات المستفيدة من سياسات مجموعة الهيمنة الكونية ومنها مثلا مؤسسة لوكهيد مارتن وهاليبرتون وغيرهما.

ويتناول التقرير الدور الفعال للوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة في تشكيل الإعلام وإخماد أي جدل عام ينتقد سياسات مجموعة الهيمنة الكونية الخاصة بإسرائيل والشرق الأوسط, وذلك ببساطة من خلال تسمية أية معارضة بأنها معادية للسامية.

وفي الفصل الأخير يناقش التقرير مسألة التحيز لدى أسوشيتد برس أكبر الوكالات الأميركية التي تنقل التقارير الإخبارية من خلال 242 مكتبا في أنحاء العالم على مدى أربع وعشرين ساعة يوميا، وتنقل تقاريرها إلى 121 بلدا بخمس لغات وتستفيد منها 1700 صحيفة وخسمة آلاف محطة إذاعية وتلفزيونية.

ويؤكد التقرير تحيز الوكالة الواضح في قضايا مثل الصراع العربي الإسرائيلي, كما في قضية الإطاحة بالرئيس أرستيد في هاييتي, ويعتبر الوكالة حامية لأصحاب النفوذ في الولايات المتحدة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات