عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض الكتاب أنماط الهرطقة (الردة) المسيحية عبر التاريخ على امتداد القارة الأوروبية، وهي بالطبع حالات كثيرة جدا يصعب حصرها وعرضها، ولكنها تعبر عن التطورات السياسية والاقتصادية والعلمية وانعكاسها على التفكير الديني والممارسات الكنسية.

ما الهرطقة؟
ينص القانون الكنسي على "إذا أنكر أحدهم، بعد أن يكون تلقى العماد في الوقت نفسه الذي يحتفظ فيه بصفة مسيحي" بإصرار إحدى الحقائق التي يجب اعتبار أنها تتعلق بالإيمان الإلهي والكاثوليكي، أو شك بها، يكون هرطوقيا. والقضية الهرطوقية هي تلك التي تدخل في تناقض مباشر وفوري، على شكل تعارض أو تضاد، مع نقطة من العقيدة التي أوحى بها الله واقترحتها الكنيسة.

-الكتاب: الهرطقة في المسيحية، تاريخ البدع والفرق الدينية المسيحية
-المؤلف: ج. ويتلر
-ترجمة: جمال سالم
-عدد الصفحات: 383
-الناشر: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2007

فكل عقيدة تتعارض مع الإيمان الحقيقي تشكل في ذاتها ما يسميه اللاهوتيون كفرا، أي غياب فضيلة الإيمان الموحى بها، أو القضاء عليها.

وهم يميزون ثلاثة أنواع من الكفر: الكفر السلبي الصرف، وهو كفر الوثنيين الذين لم يعرفوا المسيح، وهو ناجم عن الجهل، ولهذا السبب لا يجعلهم مذنبين. والكفر السالب المتصف بالرفض الواعي والإرادي للالتحاق بالحقائق الموحى بها أو حتى البحث عنها، أو بإنكار إمكانية الوحي الإلهي.

وأخيرا الكفر الإيجابي، وهو يختلف عن السابقين بكونه ليس سابقا لتلقي فضيلة الإيمان الموحى بها، بل يدمر هذه الفضيلة. وهو خطير لأنه يستتبع من جانب المعمد ارتدادا كاملا إلى هذا الحد أو ذاك، وهو ينطوي إما على الجحود أو الإنكار الإرادي.

ولكي تكون هناك هرطقة، ينبغي أن يكون المرء معمدا، وأن يختار الخطأ بعمل من أعمال عقله، ويتشبث به بعناد، وأن يكون الخطأ متعارضا مع وحي إلهي تطرحه الكنيسة الكاثوليكية بواسطة أحد أعضائها المعصومين عن الخطأ.

وفي القانون الكنسي، يؤدي جرم الهرطقة إلى عقاب واحد وحيد هو الإقصاء الكلي من الاتحاد بالكنيسة أي الحرمان من الأسرار المقدسة والقداس الإلهي وصلوات الكنيسة والمنافع والأعباء الكنسية، وأخيرا من الدفن في أرض مسيحية.

الهرطقة بالتاريخ
كانت الهرطقات الكبرى بالقرون الميلادية الأولى قد هددت جديا بقوتها واتساعها وحدة الكنيسة، وبعد انشقاق الشرق الكبير ظلت الكنيسة الكاثوليكية في روما تدير كل أوروبا الجنوبية والغربية والوسطى والشمالية، وفرضت الإيمان في كل مكان، ونظمت الآداب والسلوك، وكانت سلطة البابا الروحية لا جدال فيها.

وكانت بيزنطة قد انفصلت عن روما، وبعد المسيحية ظلت الأولى ومركزها القسطنطينية تمثل حالة مختلفة دينيا وثقافيا ولغويا عن الثانية، ومن المعروف أن الدين في الشرق كان شأنا وطنيا.

"
بعد المسيحية ظلت بيزنطة ومركزها القسطنطينية تمثل حالة مختلفة دينيا وثقافيا ولغويا عن روما، ومن المعروف أن الدين في الشرق كان شأنا وطنيا
"
وحتى اليوم فإنه يوجد عدد من الكنائس التي تقود نفسها بنفسها، ويتناسب استقلالها الذاتي مع سيادة البلد الذي توجد فيه. ولقد كان قسطنطين الكبير الذي أسس مسيحية رسمية، قد أسس كنيسة بمقدار ما كانت تبتعد عن روما كانت تكتسب طابعا سياسيا أكثر فأكثر.

وعلى صعيد الديانة كان البيزنطيون يعتبرون أنفسهم يونانيين بطريقة ذهنية تجعلهم ينظرون إلى الغربيين على أنهم متخلفون.

في حوالي العام 1160 ظهرت العقيدة الفودية التي تعتمد سلطة التوراة المطلقة وإلهامها، وكان مبتدع هذه الهرطقة هو فالدو الذي وزع ثروته على بؤساء المدينة، وسرعان ما بات له أنصار سماهم فقراء ليون.

وراح فالدو يعلن أن البابوات والأساقفة قتلة بسبب حروبهم، وأنه لا أحد في الكنيسة أرفع مقاما من الآخرين، ويجب رفض دفع العشور، وهذه أطروحات من شأنها إثارة حماس أبناء الشعب.

وحصل أسقف تورينو عام 1210 من الإمبراطور أوتون الرابع، على مرسوم يوجه إليه الأمر بأن يطرد من الأسقفية الهراطقة الفوديين، وجرت علميات قتل وحرق واسعة بحقهم، وصودرت أملاكهم لصالح القادة السياسيين والكنسيين.

وفي القرن السادس عشر عامل الكاثوليك البروتستانت باعتبارهم هراطقة، ومازالت الكنيسة الرومانية تطلق هذا التعبير على البروتستانت، أما في إنجلترا فتتميز الذهنية الإنجليزية بمزيج متوازن من المثالية والواقعية، ومزيج متوازن من الفردية والحس الاجتماعي، هذا المزيج من الصفات المتناقضة يفسر الطابع الفريد جدا الذي يتسم به تاريخ إنجلترا والدور الراجح الذي يلعبه الدين فيه.

فالسياسة بالنسبة للإنجليزي هي مادة إيمان، وقد انفصلت إنجلترا عن روما بإعلان رئيس أساقفة كانتربري أنه لا يوجد في الكتاب المقدس أن الحبر الأعظم الروماني تلقى من الله سلطانا وصلاحيات في هذه المملكة أكثر من أي أسقف أجنبي.

ومن أكثر البدع المناهضة للكنيسة بدعة الأبرشانيين أو المستقلين، وبسبب اضطهاد الكنيسة لهم فقد هاجر الكثير منهم إلى إنجلترا الجديدة، وقد كان للبدع البروتستانتية إسهام هام في الحركات السياسية التي هزت إنجلترا أواسط القرن السابع.

فقد كان التعارض بين المستقلين ودعاة المساواة عنيفا ومستمرا، وكان هناك ثمة حركة ثالثة للتبسيط الديني والاجتماعي هي (quakers) وهذه الحركة المشهورة والباقية حتى اليوم.

"
في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ظهرت حركة أكسفورد كواحدة من "اليقظات" التي هزت النفوس، وهي تسعى إلى أن تبث في الكنيسة العليا قدرا كبير من الدينامية، عبر إزالة التأثيرات الكلفينية 
"
وقد واجه مذهب الكويكرية أعمال الاضطهاد حيث سجن الآلاف من أتباعه، ومنذ بدايات القرن الثامن عشر كرس الكويكرز أنفسهم لأعمال البر ومحبة الغير التي لا تزال تجعل مجدهم مستحقا بسبب نقاء حياتهم ووقارهم.

ومن البدع الإنجيلية الميثودية التي كان انتشارها أكبر من انتشار الكويكيرية، وقد تأسست في القرن الثامن عشر على يد القائد الديني جو ويزلي الذي كان يجمع الذكاء إلى الورع والعبقرية التنظيمية، وتقوم البدعة على المحبة ونعومة الطبع.

وثمة اليوم في بريطانيا والولايات المتحدة ثلاثون مليون معتنق للميثودية، وقد كانت هذه الحركة احتجاجا ضد المادية والإباحية، وانخرطت في الحياة السياسية وبوجه خاص في أولى تجليات الاشتراكية المعاصرة.

وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر، ظهرت حركة أكسفورد كواحدة من "اليقظات" التي هزت النفوس، وهي تسعى إلى أن تبث في الكنيسة العليا قدرا كبير من الدينامية، عبر إزالة التأثيرات الكلفينية ووضع حد للتجاوزات التي تنجر إليها بسهولة كنيسة دولة الوسطية بين الإنجليكانية والإيمان الروماني.

فتستطيع أن تلاحظ ملمحين على الهرطقة الإنجليزية، الأمر المنبثق من تعاليم الإنجيل، والدين المتجه إلى الشارع والجمهور، أي إن الإيمان ذو منفعة عملية.

الهرطقة بالعصور الحديثة
كان الإصلاح الديني بالنسبة للكنيسة الرومانية درسا قاسيا، فلقد جرى تحسين ممارسات كبار رجال الإكليروس، وأما الانحرافات عن العقيدة الرومانية في الأزمنة الحديثة فتتوزع في ثلاث مجموعات: الابتداعية الصوفية والجانسينية والتجديدية.

وفي ألمانيا عرف الزمن الحديث بدعة صوفية مثيرة للفضول هي بدعة الإشراقي بافيير، وتقوم على العودة إلى العصر البدائي حيث لم تكن هناك ملكية خاصة أو حكومة، وفي فرنسا لم يعط الدين القدر نفسه الذي وضعته كل من إسبانيا وألمانيا.

وظهر مذهب صوفي يرى الكمال في حب الله وسكون الروح، وسمي طمأنينة مدام غويون، وهو يدعو إلى استسلام كامل للمشيئة الإلهية من دون بذل جهد للقيام بأعمال الفضيلة، وهذا التساهل مع الخطيئة "اللاواعية" وضع معلم مدام غوين -وهو مولينوس- في السجن.

والبدعة الثانية في العصر الحديث هي بدعة الجانسينية على يد الهولندي جانسينيوس، وتتلخص في أنه لا تتمثل الحرية البشرية إلا في غياب أي إكراه خارجي، وقد لقيت الجانسينية نجاحا مذهلا في فرنسا لأنها كانت تتعلق بمشكلة الحرية البشرية.

والبدعة الثالثة هي التجديدية وأنشأها الأب الفرنسي لوازي، وهو أستاذ التاريخ في المعهد الكاثوليكي في باريس، ومتخصص بالقضايا العبرية والأشورية، وهو يقترح التخلي عن جمود الكتب المقدسة.

"
في تشيكوسلوفاكيا وقعت انشقاقات كاثوليكية أدت إلى نشوء كنيسة قومية، وبدأت تطالب بالسماح بالاحتفال بالقداس باللغة التشيكية، وبأن تلغى عزوبية الكهنة، وبالطبع فقد اعتبرت روما هذه الطموحات هرطقة تتعارض مع نص الرسالة البابوية
"
وفي تشيكوسلوفاكيا وقعت انشقاقات كاثوليكية أدت إلى نشوء كنيسة قومية، وبدأت تطالب بالسماح بالاحتفال بالقداس باللغة التشيكية، وبأن تلغى عزوبية الكهنة، وبالطبع فقد اعتبرت روما هذه الطموحات هرطقة تتعارض مع نص الرسالة البابوية.

وبدأت الحركات الدينية القومية والتجديدية في الظهور والتحالف، وبدأت تسيطر على الأبرشيات والكنائس في أنحاء كثيرة من العالم وتنفصل عن روما، ثم شهدت الحركات التجديدية نفسها سلسلة من الانشقاقات والخلافات.

وبرغم أن روسيا ظلت بعيدة عن الظواهر الكبرى في تاريخ الغرب، وظلت الكنيسة فيها جزءا من الإيمان البيزنطي الشرقي "الأرثوذكسية" المختلف عن روما الفاتيكان، فقد شهدت بدعا وطنية وديمقراطية كانت نتاج اندفاعات الروح الشعبية نحو الحقيقة، فطبيعة العبادة الشعبية هي التي تعطي البدع الروسية طابعها القديم، وبعامة تنقسم البدع الروسية إلى "صوفية" وأخرى "عقلانية".

وقد لزم الانتظار حتى القرن السابع عشر في عهد القيصر ألكسي، وكان رجل شديد الذكاء وعميق الورع والتقوى حتى تبدأ عمليات المراجعة للكنيسة والتعاليم الأرثوذكسية.

ثم ظهرت بدع غريبة مثل Khlysto Vchtchina وتعني السياط، وأطلق عليها هذه التسمية بسبب ممارسة الجلد التي كانت تنسب إلى هذه الجماعة، ويفترض أتباع هذه الجماعة أن في وسع الروح القدس أن ينزل على كل واحد أو واحدة يجعل منه مسيحا ومنها عذراء.

ومن البدع الغريبة بدعة "شاربي الحليب" وسميت بهذا الاسم لأنهم يحلون الحليب ومشتقاته محل اللحم، أو لأنهم يشربون الحليب خلال الصيام، ويقال إن سبب التسمية أنه تعرضوا للنفي على يدي حكومة نقولا الأول إلى ضفاف نهر في الجنوب يدعى Molotchma بسبب لون مياهه الشبيه بلون الحليب.

وكانوا أقرب إلى المسيحية لكونهم يولون أهمية أكبر للكتاب المقدس وأقل للوحي الداخلي، وهم يقرؤون بانتباه العهدين القديم والجديد ولكنهم يرفضون كل ما أضافه إليهما آباء الكنيسة.

وفي السياسة كان شاربو الحليب أنصار نوع من الديمقراطية الثيوقراطية، فالمجتمع يجب أن يقوم على المحبة والمساواة، وكانوا يرفضون دفع الضرائب ويرفضون واجب الخدمة العسكرية لذا اضطهدتهم الحكومة القيصرية زمنا طويلا.

"
من البدع الغريبة بدعة "شاربي الحليب" وكانوا أقرب إلى المسيحية لكونهم يولون أهمية أكبر للكتاب المقدس وأقل للوحي الداخلي، وهم يقرؤون بانتباه العهدين القديم والجديد ولكنهم يرفضون كل ما أضافه إليهما آباء الكنيسة
"
ويشير المؤلف إلى بعض الهرطقات الشعبية مثل "التائهين" وغير المصلين، ويعكس التائهون على الصعيد الديني سمة مميزة وثابتة للشعب الروسي هي الميل للبداوة.

فثمة واقع حدد مصير الشعب منذ بدايات تاريخه، وهو وجود إقليم شاسع إلى الشرق من مكان سكنه الأول منطقة دنييبر وهو إقليم غير مسكون تقريبا، فروسيا الأوروبية والآسيوية هي بلد إعمار لم تعرف تشبث الفلاح بحقله، فالموجيك الهارب من سوط السيد ومن متطلبات الضريبة أو التهديدات بالجوع.

فكان الفلاح يمضي بعيدا إلى الشرق وينفصل عن الأرض، وكانوا يزيدون على ذلك ازدراء الملكية وازدراء الدولة والمجتمع والعائلة.

فكان هؤلاء المتشردين يغادرون مملكة المسيح الدجال ويمضون للعيش في عزلة غابات الشمال أو في سهوب الجنوب، وفي تلك الأماكن كان من يرغب في الانتساب إلى البدعة يخضع لعماد غريب.

كان طوف مهيأ على أحد الأنهار يحمل العضو الجديد وهو عار تماما مع عرابيه والواعظ، ويقرأ الواعظ صلوات تلعن الشيطان وكل السلطات الدينية والزمنية، ثم يمزق جواز السفر المرشح، ويتم تغطيس العضو في الماء ثم يغطى برداء طويل أبيض، ويقسم بتكريس نفسه للتشرد الدائم.

وهم خارجون على القانون ويعيشون خارج المجتمع، ويتم اختيارهم بوجه خاص من بين المتسكعين أو الفارين من الجندية أو مجرمي الحق الخاص، وكانوا ينصرفون إلى شتى أعمال الفسق الممكنة من سرقة وقتل وفجور ومجون، وبالطبع كان الزواج مستبعدا من أعرافهم ويتم التخلص من الأولاد أو قتلهم، وإجهاض النساء الحوامل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك