عرض/علاء بيومي
الكتاب الراهن من تأليف فيليب جينكينز أستاذ التاريخ والأديان بجامعة بنسلفانيا الأميركية, وهو أكاديمي متخصص في دراسة تطور الديانة المسيحية في ظل التغيرات الاجتماعية والسياسية الدولية التي تواجهها خاصة في القارة الأوروبية.

-الكتاب: قارة الرب(المسيحية والإسلام وأزمة أوروبا الدينية)
-المؤلف: فيليب جينكينز
-
عدد الصفحات: 352
-الناشر: أوكسفورد ينفيرستي برس، نيويورك، الولايات المتحدة
-الطبعة: الأولى/2007
ويبدو جينكينز عبر الكتاب مهموما بمستقبل المسيحية ومصالحها في القارة الأوروبية مع التركيز على علاقتها بالإسلام والأقليات المسلمة بأوروبا التي يقدر جينكينز عددها بنحو 15 مليون نسمة،

فالكتاب مكتوب من وجهة نظر مسيحية مخلصة تحاول الدفاع عن مصالح المسيحية دون الوقوع في فخ التشدد مثل الكتاب اليمينيين المتشددين الذين يصورون الإسلام والمسلمين على أنهم خطر قائم ودائم، أو في فخ التفريط كالذين يتعاطف مع الإسلام وينسى المسيحية ويدافع عن مسلمي أوروبا ويهاجم المسيحيين المتدينين ويتغاضى عن مشاعر الجماهير الأوروبية التي كانت ومازالت تشعر بهويتها المسيحية كما يرى الكاتب.

ويبدو المؤلف بجانب اهتمامه بمستقبل المسيحية معنيا بشرح أفكاره للقارئ الأميركي على وجه الخصوص فالكتاب معني بالعلاقة بين أوروبا وأميركا ودور الإسلام في تلك العلاقة، كما يوجه المؤلف حديثه بشكل متكرر لوسائل الإعلام الغربية التي يرى أنها تجهل حقيقة العلاقة السابقة.

أوروبا مسلمة في مواجهة أميركا مساندة لإسرائيل
ويبدأ فيليب جينكينز الكتاب بالحديث عن أسوأ المخاوف أو السيناريوهات التي يرددها الكتاب الغربيون المتشددون في يمينيتهم أو المتشددون في الدفاع عن إسرائيل، إذ يدق هؤلاء أجراس الخطر من الوجود الإسلامي في أوروبا، محذرين من أن زيادة أعداد المسلمين في أوروبا هي بمثابة إعادة احتلال لأوروبا المسيحية من قبل المسلمين مثلما احتل المسلمون الشرق الأوسط بعد ظهور الإسلام وطردوا المسيحية من مهدها ببلاد الشرق الأوسط.

"
أصحاب الرأي المتشدد يرون أن أوروبا المسلمة المستعربة أو "أوريبيا" أو "أوروبا/العربية" كما يسمونها ستصطدم بأميركا المسيحية المساندة لإسرائيل, وذلك لأن "أوريبيا" بدأت بالفعل تتعاطف مع العرب ضد إسرائيل
"
فلجأت المسيحية لأوروبا، واليوم يأتي المسلمون لينتقموا من ضياع الأندلس من خلال أسلمة أوروبا عن طريق المهاجرين المسلمين القادمين من شمال أفريقيا وتركيا وشبه القارة الهندية والذين لا يملون الهجرة ولا الإنجاب ولا التشدد الديني والأصولية واستغلال تسامح أوروبا العلمانية معهم, أوروبا التي نسيت هويتها المسيحية فنسيت نفسها، وبذلك سوف يصبح المهاجرون المسلمون عن قريب متحكمين في المجتمعات الأوروبية التي تعيشون فيها، وربما يفرضون على الأوروبيين البيض المسيحيين دفع الجزية لهم.

ومع تدين أميركا أو بقائها متدينة تدافع عن التراث المسيحي/اليهودي المشترك يرى أصحاب الرأي المتشدد السابق أن أوروبا المسلمة المستعربة أو "أوريبيا" أو "أوروبا/العربية" كما يسمونها ستصطدم بأميركا المسيحية المساندة لإسرائيل خاصة فيما يتعلق بسياسة أميركا تجاه إسرائيل، وذلك لأن "أوريبيا" بدأت بالفعل تتعاطف مع العرب ضد إسرائيل.

وبهذا يؤكد جينكينز على اختلاط الديني بالسياسي بالدولي في العلاقة بين الإسلام والمسيحية في الفترة الحالية، حيث تسعى بعض الأقليات المتطرفة في عصر "الحرب على الإرهاب" إلى تعبئة مخاوف المجتمعات الغربية من الإسلام والمسلمين مستخدمة أرخص الأكاذيب.

أزمة المسيحية الأوروبية
في الفصل الثاني من الكتاب يتناول جينكينز أوضاع المسيحية الأوروبية ليوضح المخاطر التي تتعرض لها وكيف أن تلك المخاطر تعمق مشاعر الخوف السابقة وإن كانت لا تبررها.

وهنا يستشهد جينكينز بعدد كبير من الإحصاءات التي توضح التهديدات الموجهة للمسيحية كديانة في أوروبا، وهي إحصاءات توضح أن مستوى التدين المسيحي بأوروبا عند أدنى مستوياته، وأن الكنائس باتت خاوية، ولا يعمل بها سوى قساوسة عجائز بعد أن عزف شباب أوروبا عن الالتحاق بالمعاهد الدينية، هذا إضافة إلى سوء سمعة الكنيسة والقساوسة بسبب الفضائح الكبرى العديدة التي لحقت ببعضهم.

كما تشير إحصاءات المؤلف إلى أن الأوروبيين المسيحيين يرفضون الإنجاب لأسباب كثيرة تتعلق بعمل المرأة وتطور المجتمعات الأوروبية الصناعي والحداثي وانتشار الفلسفات العلمانية الفردية، مما يعني هرم الأوروبيين المسيحيين البيض وقلة الشباب والأطفال بينهم، وتحول المهاجرين المسلمين إلى مصدر مهم لتجدد المجتمعات الأوروبية.

"
السياسيون والإعلاميون الأوروبيون طلقوا الدين، وباتوا ينظرون إليه نظرة رجعية ترفض حتى الإشارة إلى الدين أو إلى الله في الخطب الدينية كما يفعل السياسيون الأميركيون بشكل متكرر
"
كما أن غياب الأطفال في الأسر المسيحية يقلل تدينها لأن الأطفال هم جزء أساسي من حركة التدين في المجتمعات كما يرى جينكينز، فالأسرة التي لديها أطفال قد لا تكون متدينة ولكنها قد تحرص على الذهاب بأطفالها للكنيسة لضمان تزويدهم بالحد الأدنى من المعرفة والهوية الدينية، ولكن في ظل غياب الأطفال يصعب الوصول إلى الحد الأدنى السابق.

أما الحياة العامة والسياسية بأوروبا فهي تمثل مشكلة أكبر لأن السياسيين والإعلاميين الأوروبيين طلقوا الدين، وباتوا ينظرون إليه نظرة رجعية ترفض حتى الإشارة إلى الدين أو إلى الله في الخطب الدينية كما يفعل السياسيون الأميركيون بشكل متكرر.

ويشير جينكينز إشارة عابرة إلى اليهودية بأووربا وكيف أصابها ما أصاب المسيحية من تراجع في التدين بسبب قوى العلمانية والزواج المختلط، كما أن أعداد يهود أوروبا لا تتعدى 1.5 مليون نسمة مقارنة بخمسة عشر مليون مهاجر مسلم بأوروبا.

الإسلام كمحفز لعودة المسيحية
العوامل السلبية السابقة لم تعن بالنسبة لجينكينز نهاية المسيحية، إذ يتحدث في الفصلين الثالث والرابع والفصلين الأخيرين من الكتاب عن صورة مختلفة للمسيحية تبشر بعودة المسيحية الأوروبية في ثوب جديد.

فهو يرى أن التشاؤم بخصوص مستقبل المسيحية يرتبط إلى حد ما بموقف الإعلام والساسة الأوروبيين منها، فوسائل الإعلام لا تغطي أخبار المسيحية الأوروبية الإيجابية، كما أن الساسة يعانون من التطرف في علمانيتهم ومن انعزالهم عن الجماهير.

حيث يرى جينكينز أن المسيحي الأوروبي مازال يشعر بقدر من الانتماء للمسيحية الأوروبية، مشيرا على سبيل المثال لرفض الأوروبيين لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي خوفا من أن تتحول تركيا المسلمة إلى أكبر دولة أوروبية (من حيث عدد السكان)، وأن يتحول المسلمون إلى أقلية كبيرة نسبيا (16%) من الأوروبيين في حال انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي في حين أن نسبة المسلمين بالقارة الأوروبية حاليا هي 4.6% فقط، فانضمام تركيا للاتحاد الأوربي سوف يؤثر بلا شك على هوية أوروبا الدينية وهو أمر يخشاه الأوروبي العادي كما يرصده المؤلف ولا ينكره.

بل إن جينكينز ينكر على الساسة الأوروبيين موقفهم الرافض للاعتراف بدور المسيحية في الحياة العامة الأوروبية، في الوقت الذي يدافع فيه هؤلاء الساسة عن الإسلام والمهاجرين والأقليات تحت شعار التعددية.

وينسى هؤلاء الساسة الجذور المسيحية للأيديولوجيات والأفكار الأوروبية بما في ذلك فكرة التعددية ذاتها، وأن وجود المسيحية والهوية المسيحية ضمانة لتلك الأفكار، فأمة بلا هوية تعني النسبية المطلقة وإمكانية الاعتراف بأي أفكار هدامة، فلابد لأوروبا من مرجعية دينية.

ويقول جينكينز إن مشكلة المسيحية في أوروبا ليس ضعفها وإنما ترهلها، فالمسيحية في أوروبا ينظر إليها على أنها الديانة الأم التي ينتمي إليها أغلب الشعب خاصة أن الدول الأوروبية أكثر تجانسا دينيا على المستوى الفردي مقارنة بأميركا، كما أن الكنائس الوطنية لعبت دورا مهما في تاريخ ونشأة وتطور الدول الأوروبية.

لذا لا تجد بعض الدول الأوروبية غضاضة في تمويل الكنيسة والمدارس الدينية، ولكنها في نفس الوقت ترفض الحديث عن الدين في الحياة العامة والسياسية، مما يجعل النموذج الأوروبي على نقيض نظيره الأميركي في هذا الجانب بوضوح.

"
 الشعور بمشاعر الأقلية والخطر والتراجع أفضل للمسيحية الأوروبية من الشعور بمشاعر الأغلبية المترهلة، فشعور الأوروبيين بأن المسيحية باتت ديانة الأقلية سوف يشجعهم للانضمام إليها والتكاتف حولها، وهو أمر بدأ في الحدوث بالفعل
"
ويرى المؤلف أن المسيحية الأوروبية بدورها ومكانتها السابقتين ترهلت وباتت ينظر إليها على أنها دين الأغلبية، لذا يرى أن التحديات الراهنة التي تتعرض لها المسيحية ومن بينها انتشار الإسلام والمسلمين في أوروبا وتدين المهاجرين المسلمين من شأنه أن يشعر المسيحيين الأوروبيين بالخطر المحدق بهم وبأنهم باتوا أقلية في مجتمعاتهم.

ويرى جينكينز أن الشعور بمشاعر الأقلية والخطر والتراجع أفضل للمسيحية الأوروبية من الشعور بمشاعر الأغلبية المترهلة، فشعور الأوروبيين بأن المسيحية باتت ديانة الأقلية سوف يشجعهم للانضمام إليها والتكاتف حولها، وهو أمر بدأ في الحدوث بالفعل.

حيث يرى جينكينز أن السنوات الأخيرة بدأت تشهد حركات إحيائية أوروبية عديدة تبدأ في العادة في جماعات مسيحية أصولية صغيرة جدا، ثم تتطور وتترابط.

أضف إلى ذلك دور المهاجرين المسيحيين الآسيويين واللاتينيين والأفارقة الوافدين إلى أوروبا، وهم مهاجرون أكثر تدينا وأكثر حماسة للدفاع عن المسيحية ونشرها.

كما يشير جينكينز إلى انتشار المسيحية في دول أوروبا الشرقية، وهي دول تتجاهلها وسائل الإعلام الغربية عند حديثها عن تراجع المسيحية في أوروبا.

وينسى هؤلاء أن دول أوروبا الشرقية مسيحية يندر وجود المهاجرين والأقليات المسلمة فيها سوى بلدان وأقاليم صغيرة كالبوسنة وجد فيها الإسلام لأسباب تاريخية، وأن إضافة مسيحيي أوروبا الشرقية إلى مسيحيي أوروبا الغربية يعني أن المسيحية في أوروبا ليست ضعيفة كما يصورها البعض.

مصير المسلمين في أوروبا
كما يحذر جينكينز من أن الحديث عن انتشار الإسلام في أوروبا هو أمر مبالغ فيه، فوسائل الإعلام تشير إلى وجود 15 مليون مسلم في أوروبا، وكأن كل هؤلاء المهاجرين متدينون أو ملتزمون بالمبادئ الإسلامية، في الوقت نفسه تستخدم وسائل الإعلام الأوروبية والغربية مصطلح "المسيحية" للإشارة إلى المسيحيين المتدينين فقط، وهذا يعني أن المقارنة غير عادلة.

حيث يرفض جينكينز النظر إلى مسلمي أوروبا على أنهم كيان واحد متدين متحد، وفي المقابل يشير إلى العديد من المشاكل التي يواجهها المهاجرون المسلمون في أوروبا وعلى رأسها البطالة والفقر والتشدد الديني وإمكانية وقوع أحداث إرهابية يقوم بها مسلمون متشددون.

حيث يفرد جينكينز نصف كتابه تقريبا للحديث عن أوضاع المسلمين في أوروبا والمشاكل العديدة التي يعانون منها، وكيف تحولوا في بعض الدول إلى "غيتو" معزول يعاني من الفقر والبطالة والجرائم والتمييز، مما جعلهم طبقة اقتصادية وإثنية معزولة وملئت بهم سجون بعض الدول الأوروبية.

وهنا يؤكد جينكينز أنه يرفض التمييز الذي يتعرض له المسلمون في أوروبا أو اتهام الإسلام بالمسؤولية عن مشاكلهم، فهو يرى أن المشاكل السابقة اقتصادية وسياسية بالأساس ويطالب وسائل الإعلام الغربية بعدم الزج بالإسلام عند تغطية مشاكل الأقليات المسلمة بأوروبا.

ولكن جينكينز يعود ويحذر من خطر مشاركة مسلمين في أنشطة إرهابية، ويقول إن من يقومون بتلك الأعمال هم قلة محدودة جدا وسط مسلمي أوروبا، ولكنهم يعبرون عن وجود مشكلة في أوساط المسلمين الأوروبيين.

"
الإسلام الأوروبي لم يواجه بعد قوى التغيرات والأيديولوجيات المجتمعية الأوروبية الرهيبة كالعلمانية والتحديث وعمل المرأة والأفكار الخاصة بالجنس والأسرة على وجه الخصوص
"
هذه المشكلة تعود لوجود أفكار وجماعات أصولية متشددة، وإلى صعوبة التعاون المشترك بين المجتمعات الأوروبية والمنظمات المسلمة الأوروبية المعتدلة.

ويشير إلى أن البحث في تاريخ بعض أشهر القيادات المسلمة الأوروبية التي توصف بالمعتدلة يكشف عن دعم تلك القيادات في وقت أو آخر لأفكار أو جماعات تصنف اليوم بأنها إرهابية.

كما يرى جينكينز أن الإسلام الأوروبي لم يواجه بعد قوى التغيرات والأيديولوجيات المجتمعية الأوروبية الرهيبة كالعلمانية والتحديث وعمل المرأة والأفكار الخاصة بالجنس والأسرة على وجه الخصوص.

فبعض المهاجرين المسلمين بأوروبا اليوم هم أشبه بمجموعة بشرية أوروبية توقف بها الزمن منذ جيل أو جيلين ثم عادوا إلى الحياة مرة أخرى ليجدوا الدنيا قد تغيرت بشكل كبير، وما علينا سوى أن ننتظر جيلا أو جيلين إضافيين حتى يلحق مسلمو أوروبا بالركب ويواجهوا التحديات التي تواجهها المسيحية الأوروبية اليوم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك