عرض نبيل السهلي
في الكتاب محاولة لتوصيف تأثيرات المخاطر السلبية التي يكرسها بعض المثقفين العرب الذين ينتمون لتيار التبعية العربية الجديدة للغرب.

وهو يبحث في الأسس الفكرية الغربية التي استند إليها أصحاب المنطق الجديد؛ حيث بات دعاته يشكلون تياراً سياسياً عريضاً على امتداد الوطن العربي، يحاولون تعميم فكرة القبول بتسوية الصراع العربي الإسرائيلي وفق التصورات الأميركية والإسرائيلية، ويبررون ذلك بذرائع تقول "بضرورة المقايضة بين الحقوق والحداثة".

تبعية مستحدثة

-الكتاب: الحداثة ومثقفو التبعية العربية الجديدة
-المؤلف
: د. فضل النقيب
-عدد الصفحات: 74
-
الناشر: مركز الغد العربي للدراسات, دمشق، سوريا
-الطبعة: الأولى/2007
يشير د. فضل النقيب إلى بروز قناعات لدى إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش التي يسيطر عليها تيار المحافظين الجدد؛ وفي مقدمة تلك القناعات أن الأنظمة العربية الحاكمة الموالية لها قد شاخت وهرمت، وأصبحت غير قادرة على حماية المصالح الأميركية في المنطقة.

 بل إنها أي تلك الدول حوّلت بلادها إلى أرض خصبة لنمو الحركات "الإرهابية " المعادية للمصالح الأميركية.

ومن القناعات الأخرى لدى إدارة بوش أن ثمة بوادر لحركات تغيير وطنية قد أخذت في الظهور والتعبير عن الإرادة الوطنية المكبوتة منذ عقود.

وإن هذه الحركات قد تنجح في إقامة أنظمة جديدة قد تكون وطنية ديمقراطية أو راديكالية إسلامية؛ ولكنها في كلتا الحالتين ستكون مناهضة للسياسة الأميركية في المنطقة.

ومن أجل ذلك تعمل الإدارة الأميركية على إجهاض احتمالات التغيير الوطنية عن طريق رعاية قيام أنظمة جديدة تكون مقبولة نسبياً من شعوبها لأنها تسمح بحيز من الحرية واحترام حقوق الإنسان والمساءلة، وتكون بنفس الوقت قادرة على خدمة المصالح الأميركية بشكل أكفأ من الأنظمة الحالية.

ولخدمة القناعات الأميركية وتوجهاتها في المنطقة العربية؛ رفع مثقفو التبعية الجديدة شعار عملية الإصلاح وترك التفكير القديم واستيعاب التغيرات التي حصلت في ربع القرن الأخير؛ مثل ثورة التكنولوجيا والاتصالات وانهيار الاتحاد السوفياتي وانهيار الحواجز الجمركية أمام التجارة وسهولة انسياب رؤوس الأموال.

 وأصحاب التبعية الجديدة يحاولون تبعاً لذلك المقايضة بين الاستقلال والحداثة بشأن قضية العراق الناشئة بعد الاحتلال الأميركية ربيع عام 2003 ؛ ناهيك عن محاولتهم المقايضة بين الحقوق والحداثة على صعيد القضية الفلسطينية بتشعباتها المختلفة، وفي المقدمة منها قضية اللاجئين.

السياسات الغربية لتعميم مفهوم التبعية
حاول الكاتب شرح السياسات الاقتصادية المحكمة التي طبقتها الولايات المتحدة الأميركية من أجل فرض تبعية جديدة، بحيث اشتملت تلك السياسات على مجموعة إجراءات على الدول اتباعها لإحداث تغييرات جذرية في البنى الاقتصادية لدول العالم الثالث وخاصة الدول العربية، ومن أهمها:

"
المؤسسات الأميركية البحثية قامت بترويج السياسات الاقتصادية الأميركية من خلال دعمها لندوات واستصدار كتب فضلاً عن تمويل البنك وصندوق النقد الدوليين لأبحاث تخدم تلك السياسات
"
أولاً: تقليص حجم القطاع العام عبر خصخصته.
ثانياً: تحرير التجارة الخارجية من كافة القيود المفروضة.
ثالثاً : رفع القيود على نشاطات الادخار والاستثمار وكذلك على حركة رأس المال.
رابعاً : رفع الوصاية عن البنك المركزي ومنحه الاستقلالية الكاملة.

وقد أكد المؤلف أن مؤسسات أميركية بحثية قامت بترويج تلك السياسات من خلال دعمها لندوات واستصدار كتب، فضلاً عن تمويل البنك وصندوق النقد الدوليين لأبحاث أخرى تخدم تلك السياسات التي تشجع لها الكثيرون من الأكاديميين والكتاب والصحفيين في دول العالم الثالث وبخاصة في الدول العربية.

ويشير إلى أن سياسات الحكومة الأميركية سياسات "إجماع واشنطن" كانت تقابل بمعارضة من معظم المدارس الأكاديمية في الاقتصاد باستثناء مدرسة شيكاغو؛ التي ترى أن النظام الرأسمالي هو الوحيد القادر على تحقيق التنمية إذا ترك حراً دون تدخل الدولة.

ويصل الكاتب إلى نتيجة أساسية بعد توصيفه للسياسات الاقتصادية الأميركية إزاء دول العالم الثالث، ومفادها أن رزمة تلك السياسات المفروضة أميركيا على دول أميركا اللاتينية وعلى بعض الدول العربية أتت بنتائج كارثية على تلك الدول، في حين حققت الولايات المتحدة نتائج اقتصادية جيدة.

فتم فتح أسواق جديدة للبضائع الأميركية، واستحوذت السوق الأميركية على مزيد من مدخرات العالم الثالث.

الحداثة وأوهام الثقافة الغربية؟
يوضح د. النقيب مفهوم الحداثة حسب كتابات أتباع تيار التبعية، حيث يقصدون به أسلوب الحياة الغربية وبخاصة في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية والذي يتسم بالحرية والديمقراطية والعقلانية والأوضاع الاقتصادية المريحة.

وهم يصرون على أن من واجب المثقف العربي الارتقاء إلى مستوى المسؤولية والالتزام بالمفاهيم التي ستساعد المجتمع العربي على ترك التخلف والسير على طريق الحداثة، ونبذ ثقافة العنف وما تشمله من تقديس للتضحية والشهادة.

بل يجب تبني فكرة الانفتاح على ثقافة الحياة والسعادة وتغيير النظرة نحو الدول الغربية وإسرائيل؛ على أساس أن هذه الدول هي ممثلة الحداثة في العالم وفي الشرق الأوسط، والتفاهم معها والاستعانة بها يساهم في السير في ركب الحداثة.

"
الادعاء بأن الاستعمار أسلوب لنقل الحداثة هو مفهوم خاطئ, فالمشروع الصهيوني الاستيطاني عدائي من بدايته ولم يكن يحمل في طياته أية وظيفة تحديثية لفلسطين أو للمنطقة 
"
ويصل الكاتب إلى نتيجة هامة حول مفهومه للحداثة؛ حيث يرى في حركة الحداثة تاريخ الانتقال من عالم الخرافات والغيبيات إلى عالم العلم ومن عالم الزراعة إلى عالم الصناعة ومن عالم الحكم المطلق إلى عالم الديمقراطية، وأنه في كل المجتمعات التي انتقلت من نظام اقتصادي إلى آخر بقايا للعالم القديم إلى جانب الجديد، وثمة تفاوت حقيقي بين الشعوب في العالم تبعاً للشوط الذي قطعه كل مجتمع في إطار تطوره.

ويجزم بأن الادعاء بأن الاستعمار أسلوب لنقل الحداثة هو مفهوم خاطئ, حيث يقوم الاستعمار على تشويه هائل في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد التي استعمرت.

ويطرح المؤلف شواهد كثيرة على ذلك وخاصة الاستعمار الصهيوني لفلسطين، حيث كان المشروع الصهيوني الاستيطاني عدائياً من بدايته؛ ولم يكن يحمل في طياته أية وظيفة تحديثية لفلسطين أو للمنطقة.

وقد أثبت د. النقيب بالحقائق والأرقام أن المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين قام بتشويه كافة البنى الاقتصادية الفلسطينية لصالح المشروع والاقتصاد الصهيونيين.

دور المحافظين الجدد في توسيع دائرة تيار التبعية
في نهاية بحثه، يشير الكاتب إلى أن تيار التبعية الجديدة في العالم العربي إنما يأخذ أطروحاته ومفاهيمه الرئيسية من تلك الوظيفة التي حددها له قادة تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية.

ولهذا فإن فهم مستوى التبعية يتطلب دراسة تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة؛ وفي هذا السياق يؤكد الباحث أنه ليس هناك تنظيم حزبي يحمل اسم المحافظين الجدد؛ كما أن الأشخاص الذين يلتزمون بمفاهيم التيار لا ينتسبون إلى حزب سياسي واحد رغم أن غالبيتهم من الحزب الجمهوري، بيد أنه ثمة أعضاء منهم في الحزب الديمقراطي وآخرون مستقلون.

"
التبعية الجديدة هي في الواقع تبعية لتيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الذي هو معاد للحداثة، وطبيعة تلك التبعية لا تختلف في الشكل والمضمون عن طبيعة علاقة التبعية التي كانت تربط الأحزاب الشيوعية العربية بالاتحاد السوفياتي خلال الحقبة الستالينية
"
وتصف وسائل الإعلام الأميركية إيرفنع كريستل بأنه عراب المحافظين الجدد، وهو يصف التيار بأنه أقرب ما يكون إلى قناعة معينة أي أنه يضم مجموعة من الناس الذين لهم قناعة محددة بالنسبة لدور الولايات المتحدة في العالم؛ وتقوم هذه المجموعة بإعداد إستراتيجيات وسياسات كفيلة بإنجاح ذلك الدور وتطويره وفق المتغيرات العالمية.

ويصل المؤلف إلى نتيجة أساسية مفادها؛ أن التبعية الجديدة ليست تبعية فكرية للغرب. فلقد كانت طروحتها مناقضة بشكل كامل لركائز الفكر الحداثي الغربي؛ والتبعية إنما هي في الواقع تبعية لتيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الذي هو معاد للحداثة، وأن طبيعة تلك التبعية في الشكل والمضمون لا تختلف عن طبيعة علاقة التبعية التي كانت تربط الأحزاب الشيوعية العربية بالاتحاد السوفياتي خلال الحقبة الستالينية.

أهمية الكتاب
تكمن أهمية الكتاب في طرحه موضوع غاية في الأهمية، ناهيك عن تسجيل الكاتب لاستخلاصات هامة على الصعد الاقتصادية والثقافية والسياسية.

من شأن هذه الاستخلاصات دحض المفاهيم والأفكار التي يروج لها مثقفو التبعية العربية الجديدة، ومن ثم القدرة على مواجهة السياسات التي يرسمها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة لإعادة إنتاج هيمنة أميركية مطلقة على العالم العربي لنهب خيراته الاقتصادية ومصادره الطبيعية عبر بوابة مقولات الحداثة ونشر الديمقراطية ورفع مستوى الرفاه الاقتصادي في الدول العربية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك