عرض/محمد أعماري
يطرق كتاب "في العلمانية والدين والديمقراطية، المفاهيم والسياقات" لمؤلفه رفيق عبد السلام -الباحث المتفرغ بمركز الجزيرة للدراسات- إشكاليات ظهرت إلى الوجود منذ قرون ولا تزال تتفاعل إلى اليوم ويستجد فيها النقاش بشكل مستمر.

وأصل الكتاب، الذي نشره مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم (ناشرون)، أطروحة دكتوراه قدمها مؤلفه بجامعة وستمنستر بالمملكة المتحدة تحت عنوان "الإسلام والعلمانية والحداثة"، وهي في طريقها إلى النشر باللغة الإنجليزية.

وقد أعاد صياغتها "بما يستجيب لحاجة القارئ العربي بدل الاعتماد على الترجمة وما يصاحبها عادة من ضعف البيان ومجافاة الأسلوب العربي المبين".

وقد جاء الكتاب، حسب كاتبه، استجابة لحاجة يراها في الواقع العربي والإسلامي نظرا لكون "مسألة العلمانية وما يرتبط بها من مفاهيم جديدة كالعولمة وما بعد الحداثة وما شابه ذلك، من أهم ما يواجه الوعي السياسي العربي الإسلامي من تحديات".

- الكتاب: في العلمانية والدين والديمقراطية.. المفاهيم والسياقات
- المؤلف: رفيق عبد السلام
- الصفحات: 232
- الناشر: مركز الجزيرة للدراسات، الدار العربية للعلوم (ناشرون)
- الطبعة: الأولى/2008

زلازل مفروضة

ويلاحظ صاحب الكتاب أن المجتمع العربي الإسلامي شهد "زلازل" بفعل التحديث والعلمنة و"تحولات عسيرة الهضم، مرة المذاق والطعم" لأنها جاءت "مفروضة بحركات الجيوش وفوهات المدافع".

كما ينبه إلى أن التغريب والتحديث تغلغلا في مختلف المجتمعات، لكن استجابة العالم الإسلامي لهما "يتزاوج فيها القبول بالممانعة وتتداخل فيها خيوط التكيف مع الصد والرفض".

وينقسم الكتاب إلى ثلاثة أبواب سعى المؤلف في أولها إلى معالجة العلمانية من الزاوية النظرية بالتنقيب عن دلالتها اللغوية والفكرية التي وجدها "بالغة التشعب".

التباس دلالي
ووقف الكاتب المتخصص في الفكر السياسي والعلاقات الدولية عند ما يرى أنه "التباس دلالي" في مصطلح العلمانية ومشتقاته الأخرى نتيجة "حالة الاستقطاب الشديد التي تشق الساحة العربية الإسلامية والتي انعكست بدورها على استخدام المصطلح مبنى ومعنى".

وهذا الالتباس يرجع في أصله، حسب ما استنتج رفيق عبد السلام، إلى "حالة الالتباس الدلالي الذي يطبع كلمة علماني في أصل الاستخدام الأجنبي نفسه".

وقد استعرض الكاتب المعاني التي ألبستها العلمانية عند الرومان ثم عند اليونان وكذا عند المسيحيين.

وينتقل إلى مناقشة العلمانية من حيث هي نظرية، ويؤكد أنها "مولود حديث العهد لا يزيد عمره عن قرنين من الزمن"، مضيفا أن نظريات العلمنة تأثرت "بدرجات متفاوتة بالتوجهات الوضعية والنزعات الإلحادية الجذرية للقرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين".

"
الفصل بين الديني والسياسي جزء من ظاهرة أعم وأشمل تتمثل في إبعاد الدين عن الحياة العامة ومختلف المؤسسات الاجتماعية، والعلمانية حل عملي فرضته أجواء الحروب الدينية التي شقت عموم القارة الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر
"
تعدد العلمانيات
ثم تناول العلمانية باعتبارها ظاهرة تاريخية واجتماعية، وخلص إلى "تعدد العلمانيات وتنوعها"، مشيرا إلى أنه "ليس ثمة علمانية واحدة تنتظم كل هذه التجارب".

وخلص المؤلف إلى "نفي ما يشاع عن العلمانية من أنها قرينة التسامح والانفتاح"، وبين أن "الكثير من تجارب العلمنة، سواء في الغرب أو في الشرق، لم تخل من وجوه عنيفة مرعبة ومظاهر تسلطية مفزعة".

ويرى أن "عملية الفصل بين الديني والسياسي تعد جزءا من ظاهرة أعم وأشمل تتمثل في إبعاد الدين عن الحياة العامة ومختلف المؤسسات الاجتماعية"، وأن العلمانية "كانت عبارة عن حل عملي فرضته أجواء الحروب الدينية التي شقت عموم القارة الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر".

ويتحدث الكتاب عن جذور وظروف نشأة العلمانية الفرنسية وخصوصياتها، فيرى أن فرنسا اللائكية "تظل كاثوليكية الأعماق والروح"، وأنها "ما زالت منطبعة بروح كاثوليكية ظاهرة وخفية".

وتطرق المؤلف إلى علاقة الدين بالسياسة في الولايات المتحدة الأميركية التي قال إنها بلد "من الخطإ المجحف قراءة الوضع الديني فيه من خلال الزاوية الحصرية ممثلة في ثنائية كنيسة/دولة، لأن هذه الزاوية الضيقة لا تقدم صورة كاشفة لا لواقع الدين ولا لمسار العلمنة على السواء".

ويخلص إلى أن "خيار العلمانية كان في صورته الغالبة مستجيبا لمطلب تحرير الدولة القومية من سيطرة الكنائس التي كانت تقاسمها النفوذ السياسي تارة وتنازعها أخرى على مر قرون مديدة".

وحركة العلمنة في نظر الكاتب "مولود طبيعي لصعود القوى الاجتماعية والسياسية المراهنة على ضبط حركة الكنيسة والحد من سلطان الدين عامة، وإن أخذت في بعض المناحي وجهة جذرية ومناهضة للدين بشدة".

علاقة الإسلام بالعلمانية
أما الباب الثاني فقد خصصه المؤلف لدراسة العلاقة الرابطة بين الإسلام والعلمانية لا بقصد "تقصي مواطن التعارض أو التوافق" بينهما، وإنما بهدف "بيان الطابع المركب للإسلام والعلمانية على السواء" و"جلاء الخاصية المعقدة لهذه العلاقة" بحيث يكون فيها "من الائتلاف بقدر ما فيها من الاختلاف، وفيها من الالتقاء بقدر ما فيها من التباعد والتجافي".

فالإسلام، يقول رفيق عبد السلام، "وإن كانت مبادئه الكبرى منضبطة بضوابط النصوص المحكمة، فإنه دين تعددي على صعيد التأويل والفهم"، وعلى صعيد "الممارسة الفردية والاجتماعية"، وكذلك الأمر بالنسبة لأدبيات العلمانية "فإنها بالغة التعدد والاختلاف".

ويجمل الكتاب نظرة الباحثين الغربين إلى علاقة الإسلام بالعلمانية في ثلاثة تيارات: الأول يرى الإسلام ممانعا ممانعة تامة للعلمانية والحداثة، والتيار الثاني يبشر بعلمنة الإسلام وإخضاعه لمسار الحداثة والعلمانية.

أما التيار الثالث فيركز على البعد السياسي للعلمانية ويعطيها الأولوية على باقي الأبعاد الفكرية، ويقول تبعا لذلك إن التقاليد السياسية العلمانية ليست غريبة عن التاريخ السياسي الإسلامي.

"
احتكاك الإسلام بالغرب الحديث رغم ما رافقه من مظاهر الاضطراب والقلق الداخلي لم يؤد إلى تحلل المنظومة الرمزية الإسلامية ولا تحولها إلى مجرد تعبير فولكلوري مثل ما جرى لثقافات أخرى اجتاحتها صدمة الحداثة الغربية
"
قراءات جاهزة

وما يميز هذه التيارات الثلاثة، حسب المؤلف، هو أنها "لا تقرأ الإسلام من خلال مفاهيمه الأساسية ومقولاته الداخلية، بل غالبا ما تخضعه لنماذج نظرية جاهزة ومفاهيم نمطية ضاربة الجذور وممتدة العروق في الموروث المسيحي والاستشراقي".

ويقرر الكاتب في هذا الباب الثاني أن الاعتراض على العلمانية من جهة نزوعاتها الدهرية المادية لا يخص المسلمين وحدهم، بل تشاركهم فيه تيارات واتجاهات كثيرة في العالم تنبهت إلى مخاطر النظرة المادية النفعية للكون والعلاقات الإنسانية، فكان أن نادت بضرورة استشعار المسؤولية الأخلاقية، سواء في مجال الاقتصاد والعلاقة الإنسانية، أو في مجال العلاقة بالكوكب والطبيعية.

ولئن كان لهذه التيارات خلفية دينية واضحة -يضيف الكاتب- كما هو شأن الكنائس والتيارات المحافظة، فإن منها ما ليس له بالضرورة علاقة بالتوجهات الدينية، كما هو شأن القوى المنادية بالمحافظة على البيئة والحركات المناهضة للعولمة.

وأما الباب الثالث فأفرده الكاتب للديمقراطية التي أصبحت "مطلبا لقوى سياسية وتيارات فكرية كثيرة في عالمنا العربي والإسلامي"، فرجح أن الديمقراطية إن هي إلا "آلات إجرائية وظيفية قد تصلح لعلاج معضلة التسلط والاستبداد السياسي، وليست عقيدة صارمة منازعة للعقائد والأديان، ولا هي حل سحري يتجاوز سنن العمران وقوانين الاجتماع السياسي".

وسعى الكاتب في هذا الباب إلى "دراسة ظاهرة العلمنة السياسية الاجتماعية التي فرضت نفسها في الواقع العربي والإسلامي خلال القرنين الماضيين"، كما حاول "نفي الاقتران الحتمي والتزاوجي بين العلمنة والدمقرطة على نحو ما هو جار على ألسنة وأقلام كثير من الكتاب الغربيين والعرب على السواء".

منظومة مزاحمة
وقد وجد المؤلف أن "نشوء حركة العلمنة في العالم الإسلامي كان تعبيرا عن حالة تصدع وانقسام بين جيوب النخب وبين الفضاء الشعبي الواسع وذلك في أجواء التوسع الإمبريالي، وقد كان ذلك متزامنا مع نشأة خطاب تداولي جديد مقصور في حركته التبادلية والتواصلية على دائرة النخب الضيقة ومصادم في عمومه للخطاب التداولي المحلي".

ولتفسير حالة الانقسام الثقافي والاستقطاب السياسي العنيف "الذي نراه في مشاهده المؤلمة في أغلب الأقطار الإسلامية"، يقول مؤلف "في العلمانية والدين والديمقراطية، المفاهيم والسياقات" إن "نظام الرموز الإسلامية يمثل جسر التواصل التداولي في إطار الاجتماع الإسلامي.

وفي مقابل ذلك يشكل الخطاب العلماني منظومة تداولية موازية ومزاحمة له، ولكنها قاصرة في وظيفتها التداولية ومجراها التواصلي على حدود النخبة التي تشكلت في مناخات الاختيار الإمبريالي الغربي".

ورغم هذه المزاحمة للرموز الإسلامية من لدن الخطاب العلماني، يقرر الكاتب أن "احتكاك الإسلام بالغرب الحديث رغم ما رافقه من بعض مظاهر الاضطراب والقلق الداخلي -على اعتبار أنه احتكاك لم يكن حركة تثاقف هادئة بقدر ما كان اكتساحا عسكريا عنيفا- لم يؤد إلى تحلل المنظومة الرمزية الإسلامية أو تحولها إلى مجرد تعبير فولكلوري مثل ما جرى لثقافات أخرى اجتاحتها صدمة الحداثة الغربية".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك