عرض/عبد العظيم محمد
شكلت انتخابات المجلس التشريعي في فلسطين يوم 25 يناير/كانون الثاني 2006 علامة فارقة في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني لتحرير أرضه ونيل استقلاله.

بيد أن ما أفرزته تلك الانتخابات، التي أسفرت عن فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بأغلبية مقاعد المجلس في قطاع غزة والضفة الغربية، من تداعيات كانت بمثابة زلزال أحدث شرخا عميقا في العلاقات بين حركة حماس من جهة ومنظمة التحرير الوطنية الفلسطينية (فتح) والسلطة الوطنية من جهة أخرى.

وقد تصاعدت وتيرة الصراع بين الفصيلين الأكبر على الساحة الفلسطينية على نحو متسارع بعد ما آلت مقاليد الأمور في غزة إلى حركة حماس بعد أحداث يونيو/حزيران 2007، بحيث لم تترك لأحد فرصة لالتقاط الأنفاس، وباءت كل محاولات رأب الصدع بينهما حتى الآن على الأقل بالفشل.

- الكتاب: الكتاب الأبيض.. عملية الحسم في قطاع غزة اضطرار لا اختيار
- المؤلف والناشر: المكتب الإعلامي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)
- الصفحات : 239
- الطبعة: الأولى/نوفمبر 2007

الكتاب الأبيض

ومع اشتداد وطأة الحصار المفروض على قطاع غزة وتواصل العدوان العسكري الإسرائيلي عليه، ظل كل من طرفي الأزمة المتفاقمة في الأراضي الفلسطينية يبرئ ساحته ملقيا بمسؤولية ما حدث على الطرف الآخر.

وفي هذا السياق، نشر المكتب الإعلامي لحركة حماس إصدارا سماه "الكتاب الأبيض" ووصفه بأنه "وثيقة سياسية هامة".

وهو بهذا المعنى رصد للأحداث والوقائع بعيون الحركة، وهو رؤية لها جانب واحد تستدعي معرفة نظرة الجانب الآخر لها حتى تكتمل الصورة لدى القارئ.

هذا الكتاب يتألف من سبعة محاور هي بمثابة فصوله، وتتناول الثلاثة الأولى منها الأبعاد السياسية والأمنية والإعلامية على التوالي، في حين يستعرض المحور الرابع ما تصفه حماس بعمليات الاستهداف والتخريب التي لحقت المؤسسات التشريعية والتعليمية ومرافق المجتمع المدني من مستشفيات وجمعيات وأندية خيرية وثقافية ورياضية.

ويعالج المحور الخامس ظاهرة "المظاهرات المسلحة والإضرابات المُسَيّسة" التي أعقبت إعلان نتائج الانتخابات التشريعية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويفرد الكتاب المحور السادس لما تطلق عليه حماس "خطط التآمر لإفشال الحكومة".

ويحوي المحور السابع ملاحق وصورا من الأحداث وبيانات وتصريحات وروايات لأشخاص قيل إنهم نجوا من حوادث إطلاق نار أو تعذيب أو اختطاف.

ووصف المكتب الإعلامي في مقدمة الكتاب سيطرة حركة حماس على زمام الأمور في قطاع غزة بأنها "لم تكن أكثر من عملية تصحيح لمسار أمني منحرف، وأن ليس وراءها أية أبعاد سياسية بالمطلق".

ويمضي الكتاب إلى تأكيد قيمة الحوار باعتبارها المدخل المناسب لمعالجة الانقسام على الساحة الفلسطينية انطلاقا مما اتفق عليه في جولات الحوار السابقة.

"
الفريق المسيطر على الأجهزة الأمنية في غزة هو الذي تكفل طول الوقت بعرقلة أعمال الحكومة الفلسطينية العاشرة التي شكلتها حماس، وقام بالتفنن في إفشالها، ومن ثم بالعمل على إسقاطها
"
زيارة تشيني

في قراءتها السياسية للأحداث، شككت حركة حماس في طبيعة زيارة ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي للمنطقة قبيل انفجار الوضع في غزة، وتساءلت "هل كان هذا التزامن مجرد صدفة عابرة؟".

ولم تشأ الحركة في كتابها الأبيض أن تترك هذا السؤال دون إجابة حيث خلصت إلى استنتاج مفاده أن تشيني أصدر تعليماته بالتخلص من حماس, مشيرة إلى أن شواهد الواقع تؤيد ذلك.

ويورد الكتاب مثالا على ذلك حين يزعم أن الفريق المسيطر على الأجهزة الأمنية في غزة هو "الذي تكفل طول الوقت بعرقلة أعمال الحكومة الفلسطينية العاشرة التي شكلتها حماس، وقام بالتفنن في إفشالها، ومن ثم بالعمل على إسقاطها".

وفي سياق تبرير قرار حركة حماس الانخراط في العمل السياسي عبر خوض الانتخابات التشريعية، يرى الكتاب أن تلك الخطوة جاءت استجابة لمطلب فلسطيني لم يكن سهلا عليها تجاهله ولا القفز عليه، على حد قولها.

واستعرض الظروف التي صاحبت إبرام اتفاقي دمشق في يناير/كانون الثاني 2007 ومكة في فبراير/شباط 2007 بين حركتي فتح وحماس والملابسات التي أفضت إلى فشلهما.

وأسهبت حماس في سرد مظاهر الانفلات الأمني في المحور الثاني للكتاب الأبيض، والذي تميز بأنه أطول محاور الكتاب.

"
عدد من المسؤولين في بعض الأجهزة الإعلامية من تيارات سياسية مختلفة انتقدوا أداء الأجهزة الإعلامية الرسمية ووصفوها بالانحياز وتدني الأداء حتى إن أحدهم اتهم تلفزيون "فلسطين" بالسعي إلى إذكاء الفتنة الداخلية ومعالجة الخلافات الحزبية على حساب القضايا الوطنية الكبرى
"
وأنحى المكتب الإعلامي لحماس باللائمة على الأجهزة الأمنية الفلسطينية في إثارة حوادث وصفها بالفوضى الأمنية المنظمة، زاعما أنها لعبت دورا "بارزا وسافرا" فيها وفي تشكيل ما سماها بفرقة الموت، وسرد بشيء من التفصيل بعض الأمثلة التي يرى فيها دعما لروايته.

ومن تلك الأمثلة أيضا أن مسؤولين من حركة فتح في غزة تقدموا في السابع من يونيو/حزيران 2007 بطلب إلى إسرائيل للسماح لهم بالحصول على شحنات كبيرة من الأسلحة والذخائر من دول عربية لمواجهة حماس، وأن شحنة من الذخيرة وصلت عبر معبر المنطار شرق مدينة غزة في الحادي عشر من الشهر نفسه.

ويقول الكتاب إن الفوضى الأمنية المنظمة أخذت صورا شتى وأشكالا متعددة تمثلت في حوادث إطلاق النار ومحاولات اغتيال، أورد منها أمثلة لـ175 حادثة قيل إنها استهدفت أبناء حركة حماس تحديدا.

واستفحلت ظاهرة الاختطافات لتشمل الدبلوماسيين والصحفيين الأجانب ومراسلي كبريات وسائل الإعلام العاملين في الأراضي الفلسطينية، من بينها حوادث اختطاف صحفيين أجنبيين يعملان مع محطة فوكس نيوز الأميركية يوم 14 أغسطس/آب 2006 والصحفي البريطاني آلن جونستون مراسل هيئة الإذاعة البريطانية يوم 12 مارس/آذار 2007.

ولكن الكتاب لم يشر بأصابع الاتهام إلى جهة بعينها في تلك الحوادث.

ويستعرض المحور الثالث تحت عنوان "التحريض الإعلامي ودوره في إذكاء الفتنة" ما يزعم أنه دور قامت به جهتان مؤثرتان، هما رئاسة السلطة وأجهزة الإعلام الرسمية، في إطار ما يطلق عليه الكتاب "عملية الانقضاض المنظمة" على العملية الديمقراطية في قطاع غزة والضفة الغربية بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية في مطلع العام 2006.

ولدعم وجهة النظر هذه يستشهد الكتاب بروايات لعدد من المسؤولين في بعض الأجهزة الإعلامية من تيارات سياسية مختلفة ممن انتقدوا أداء تلك الأجهزة الرسمية ووصفوها بالانحياز وتدني الأداء حتى إن أحدهم اتهم تلفزيون "فلسطين" بالسعي إلى إذكاء الفتنة الداخلية ومعالجة الخلافات الحزبية على حساب القضايا الوطنية الكبرى.

وفي المحورين الرابع والخامس، عمد المكتب الإعلامي لحماس إلى تسليط الضوء على مظاهر استهداف المؤسسات والوزارات ودور العبادة، إلى جانب أساليب التظاهر المسلح والإضرابات المُسَيّسة التي قال إن حركة فتح انتهجتها من أجل إسقاط الحكومة، وأورد بعض النماذج على ذلك.

"
من بين عناصر خطة دايتون ضرب القوة السياسية لحماس عبر تزويد الشعب الفلسطيني بمتطلباته الاقتصادية المباشرة عبر الرئاسة وفتح، وتوفير الأدوات الضرورية اللازمة للرئاسة الفلسطينية للسيطرة على الأجهزة الأمنية وفرض النظام والأمن
"
خطة دايتون

وفي سياق ما ذكر الكتاب أنه مؤامرة تهدف إلى إضعاف دور الحكومة الفلسطينية وحماس وتهميش دورهما في الساحة الفلسطينية، تناول المحور السادس تفاصيل خطة دايتون التي يرى أنها رمت إلى توتير العلاقة بين حركتي فتح وحماس وتوفير أسباب الحرب الأهلية.

وسميت الخطة بذلك في إشارة واضحة إلى المنسق الأمني الأميركي لدى السلطة الفلسطينية الجنرال كيث دايتون الذي أشرف على مهمة تدريب قوات تابعة للرئاسة الفلسطينية.

ولم تكن هذه الخطة كما يقول الكتاب هي الأولى في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ سبقها تقرير ميتشل ومقترحات الجنرال زيني وما سمي بـ"خارطة الطريق".

وتركزت أهداف خطة دايتون، بحسب الكتاب، على إبقاء الرئاسة الفلسطينية وحركة فتح في عين المجتمع الدولي مركز الثقل في المشهد السياسي الفلسطيني، وعلى تحديد أسس العملية السلمية والمتطلبات التي يجب على كل طرف الالتزام بها عبر بناء معايير يتم وضعها.

وتركزت كذلك على توفير الدعم اللازم سياسيا وماليا لعباس وفتح من أجل تمكين الرئيس الفلسطيني من المضي قدما في المفاوضات السياسية من أجل إقامة الدولة الفلسطينية.

ومن بين عناصر تلك الخطة ضرب القوة السياسية لحماس عبر تزويد الشعب الفلسطيني بمتطلباته الاقتصادية المباشرة عبر الرئاسة وفتح، وتوفير الأدوات الضرورية اللازمة للرئاسة الفلسطينية للسيطرة على الأجهزة الأمنية وفرض النظام والأمن.

وربطت الخطة بجدول زمني محدد يركز جهود جميع الأطراف من أجل الوصول إلى غايات محددة في مدة زمنية قصيرة تمتد من ثلاثة إلى تسعة شهور مع التأكيد على تعاون كل من إسرائيل والولايات المتحدة لتحقيقها.

واستعرض الكتاب كذلك المراسيم الرئاسية التي صدرت فور إعلان فوز حماس والتي جاءت في إطار الإجراءات الإدارية والقانونية الهادفة إلى عرقلة الحكومة، على حد زعم المكتب الإعلامي للحركة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات