عرض/غازي دحمان
يؤكد واضعو مشروع "رؤية سياسية فلسطينية جديدة" أن مشروعهم يعبر عن طيف واسع في الساحة الفلسطينية بات يفتقد لتعبيراته وتمثيلاته المؤسسية الديمقراطية في ظل الحال السائدة في هذه الساحة.

وتبين بيلوغرافيا الشخصيات الموقعة على الوثيقة أنهم مجموعة من الناشطين السياسيين والمفكرين الفلسطينيين في الشتات، مع إيراد ملحوظة تفيد أنه تم التحفظ على إيراد أسماء المساهمين من مناطق 48.

رؤية جديدة.. لماذا؟
يقرّ واضعو المشروع بأن حركة التحرر الفلسطينية بفصائلها المقاومة استطاعت بإنجازاتها النضالية استنهاض وطنية وهوية كيانية للفلسطينيين وفرض قضيتهم على الأجندة الدولية وتثبيت واقع إسرائيل أمام العالم بوصفها دولة استعمارية عنصرية.

-الكتاب: مشروع رؤية سياسية فلسطينية جديدة
-المؤلف: مجموعة من المفكرين
-عدد الصفحات: 200
-الناشر: منشورات أجراس العودة, دمشق 
-الطبعة: الأولى/2008
لكنهم يرون أنه مع حدوث متغيرات عدة على المستوى الفلسطيني بدءا من الخروج من لبنان عام 1982 ثم عقد اتفاقيات أوسلو 1993 المجحفة والخطيرة، مرورا بانهيار مساري الانتفاضة والمفاوضة في المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية الحامية (2000-2008) وصولا لتداعيات الانقسام والاختلاف والاقتتال، فإن الساحة الفلسطينية باتت بحاجة ماسة إلى تجديد رؤاها وأشكال عملها.

ويضيف واضعو المشروع أن تغير الواقع بمعطياته الذاتية أو الموضوعية الذي بنيت عليه الأفكار المؤسسة السابقة وحال الاستعصاء في الساحة الفلسطينية سواء فيما يتعلق بعملية التسوية ومسار المفاوضات، أو فيما يتعلق بعملية المقاومة ومسار الصراع والانقسام في الحركة الفلسطينية بين حماس وفتح، ثم بين التيار الديني والتيار الوطني، وتكلس واستهلاك بنى العمل الفلسطيني لافتقارها للتجديد والحراك الداخلي مواكبة المتغيرات.

كذلك تراجع مكانة القضية الفلسطينية على الصعيدين الدولي والعربي وتآكل مكانة منظمة التحرير لصالح سلطة ضعيفة المكانة والصدقية وارتهان هذه السلطة للمراهنات الخارجية وتشوه النضال الفلسطيني بحكم الفوضى والفساد، هذه الأوضاع وغيرها هي التي حدت إلى التوافق حول مشروع الرؤية السياسية الجديدة.

نحو هدف وطني موحد
يرى واضعو المشروع أنه لما كانت الحلول المطروحة لمعالجة الأسباب العميقة للصراع، وكذا خيار المواجهة غير قادرة على تحقيق الإنجازات الوطنية الممكنة، فإن أي رؤية سياسية يجب أن تنطلق من الحفاظ على وحدة الشعب، فهو صاحب الحق وغايته ومغزى أي إنجاز.

"
واضعو مشروع الرؤية السياسية الفلسطينية يرون أن خيار الدولة الواحدة والديمقراطية والعلمانية هو الحل الأصوب والأمثل والأقل تكلفة للطرفين قياسا على الصراع الإفنائي والإلغائي المتبادل
"
وعلى هذا الأساس فإن السياسة الموحدة للفلسطينيين يجب أن ترى الهدف الوطني في الأراضي الفلسطينية ارتباطا بالشعب الفلسطيني حيث الحرص على الشعب لا يقل أهمية عن الحرص على الأراضي.

في هذا الإطار يرى واضعو المشروع أن التشبث بخيار الدولتين الذي تم تبنيه منذ 34 عاما ما عاد مسألة عملية خصوصا في ظل الوقائع التي تفرضها إسرائيل والتي لا تقود إلى إقامة دولة فلسطينية في الضفة وقطاع غزة المحتلين منذ عام 1967، فضلا عن أن ذلك لا يفترض حلا عادلا لقضية اللاجئين ولا يفتح أفقا سياسيا مستقبليا تتم عبره ملاقاة فلسطيني 48.

وعليه يعتقد واضعو المشروع أن هذا الوضع يفترض من الفلسطينيين طرح تحدي تسوية الصراع في بعده الفلسطيني الإسرائيلي على المجتمع الإسرائيلي، وعلى العالم بالتحول من حل الدولتين إلى حل الدولة الواحدة، ومن الصراع على أساس الإفناء أو الإلغاء المتبادل إلى الصراع من أجل التعايش المشترك على أسس إنسانية وديمقراطية وعلمانية تنفي الطابع العنصري والاحتلالي والهيمني في علاقات الفلسطينيين والإسرائيليين وعلى أساس المساواة الكاملة في الحقوق الفردية والجماعية.

ويعتقدون أن خيار الدولة الواحدة والديمقراطية والعلمانية هو الحل الأصوب والأمثل والأقل تكلفة للطرفين قياسا على الصراع الإفنائي والإلغائي المتبادل، وهو الذي يوفر المجال لنضال مشترك بين الفلسطينيين والإسرائيليين ضد الطابع الغيبي الديني والعنصري والعدواني لهذه الدولة, كما يعتقدون أن هذه الرؤية تبنى على تحرير اليهود من الادعاءات الصهيونية العنصرية والخرافية والاستعلائية.

"
واضعو المشروع يرون أن رؤيتهم تفترض إخراج قضية اللاجئين وحق العودة من دائرة التجاذبات والتوظيفات السياسية الداخلية والإقليمية وعدم اعتبارها مجرد قضية أمنية والتعامل معها في إطار الحقوق الفردية الإنسانية والانتماء لأمة عربية
"
وبالنسبة لقضية اللاجئين وحق العودة، يرى واضعو المشروع أن رؤيتهم تفترض إخراج هذه القضية من دائرة التجاذبات والتوظيفات السياسية الداخلية والإقليمية وعدم اعتبارها مجرد قضية أمنية والتعامل معها في إطار الحقوق الفردية الإنسانية والانتماء لأمة عربية، مع التأكيد على ضرورة احترام إرادة اللاجئين أنفسهم وإيجاد تمثيلات ملائمة لهم في إطار العملية الوطنية البنائية التحررية.

وبالنسبة إلى فلسطيني 48 فإن واضعي المشروع يؤكدون أنهم يبنون رؤيتهم على التطلع إلى مستقبل مشترك يتم من خلاله إعادة الاعتبار لمفهوم الشعب الفلسطيني كشعب واحد.

كما يؤكدون أن هذا الحل (الدولة الواحدة) يستوعب ويتساوق مستقبلا مع مجمل التطورات السياسية والاقتصادية الاجتماعية والثقافية في المنطقة العربية خصوصا في المشرق العربي، بما في ذلك التجاوب مع إمكان توحد أو اندماج كياناتها السياسية على أساس المصالح المشتركة المتبادلة وبالسبل الديمقراطية والسلمية.

في أشكال النضال
ينتقد واضعو المشروع أسلوب الحركة الوطنية الفلسطينية في قيادة النضال والذي اتسم على الأغلب بالمزاجية والتجريبية والدخول في تجاذبات إقليمية وفي صراعات جانبية لا تخدم العملية الوطنية، الأمر الذي لم يؤد إلى ترجمة التضحيات الكبيرة للشعب الفلسطيني إلى إنجازات مستدامة وعميقة، فضلا عن كون هذا النضال لم يخضع لحسابات سياسية إستراتيجية من ضمنها حسابات الجدوى والاستثمار السياسي وإثارة التناقضات في المجتمع الإسرائيلي وجلب التعاطف على الصعيد الدولي.

وعليه يرون ضرورة ترابط النضال البنائي (بناء الكيانية الوطنية) بما في ذلك بناء الحركة الوطنية ومؤسساتها، مع النضال الوطني التحرري ضد مختلف التجليات الإسرائيلية العنصرية والعدوانية والاحتلالية، ويعتقدون أن هذا الشكل النضالي المعقد يحتاج إلى جهد الجميع ويجب أن يتسع ليشمل الشعب كله في الأراضي المحتلة وخارجها.

كما أنه يمتد من النضال السياسي إلى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وعلى هذا الأساس يجب أن تعود القضية النضالية إلى الشعب الذي يحدد أشكال نضاله بدلا من بقائها في عهدة مجموعة من المحترفين والمتفرغين.

ويتوخى واضعو المشروع إعادة الاعتبار لمفهوم المقاومة الشعبية بجميع أشكالها ومستوياتها التي أرست أسسها الانتفاضة الكبرى الأولى، ويرون أن إعادة الاعتبار للمقاومة الشعبية يمكن من إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على هذا الأساس ويعمق ارتباطها بالشعب وينمي روح المؤسسة الوطنية والتعددية والديمقراطية فيها.

غير أنهم يؤكدون أيضا أن هذا لا ينتقص من شرعية المقاومة المسلحة المنظمة ضد مظاهر الاحتلال الاستيطانية والعسكرية في الأراضي المحتلة عام 1967 والتي تتوافق مع معطيات الشرعية العربية والدولية وضرورات الدفاع عن الذات وتمكن في الوقت نفسه من فسح المجال أمام تصاعد النقاش الداخلي في المجتمع الإسرائيلي حول جدوى الاحتلال والاستيطان في الأراضي الفلسطينية.

الأشكال السياسية وإعادة البناء

"
أصحاب المشروع ينطلقون من ضرورة مراجعة الحركة الوطنية لبناها وأشكال عملها وعلاقاتها الداخلية وأشكال نضالها، ويرون أن تدهور حال الحركة الوطنية بات يتطلب إعادة صياغة المشروع الوطني
"
يؤكد واضعو المشروع أنهم ينطلقون من ضرورة مراجعة الحركة الوطنية لبناها وأشكال عملها وعلاقاتها الداخلية وأشكال نضالها، ويرون أن تدهور حال الحركة الوطنية على مستوى المنظمات والسلطة والفصائل والمنظمات الشعبية والمؤسسات الجامعة بات يتطلب إعادة صياغة المشروع الوطني وربما يؤدي إلى إعادة بناء الحركة الوطنية على أسس ومعايير:

- وطنية ذات صلة بالقدرة على إنجاز العملية الوطنية التحررية بمعزل عن الحسابات والتجاذبات الفصائلية الضيقة.

- نضالية منزهة عن علاقات المحسوبية والزبائية ومرتبطة بالقدرة على مهام الشعب الفلسطيني البنائية والتحررية.

- مؤسسية تستطيع توظيف العقل الجماعي الفلسطيني عبر المؤسسات التي يجب أن تشكل المرجعية بعيدا عن المزاجية.

- ديمقراطية وتمثيلية تعيد لهذه الحركة روح التنوع والتعددية النوعية البعيدة عن التعددية الكمية والمستندة لمعايير التمثيل النسبي في كل المجالات.

دراسات مرجعية
في الجزء الثاني من الكتاب عرض لدراسات مرجعية حول فكرة الدولة، واحدة منها دراسة للمفكر المصري مصطفى الحسيني يؤكد فيها أن فكرة الدولة الواحدة بدأت فلسطينية في أواخر الستينيات حيث طرحها الدكتور نبيل شعث ممثل حركة فتح أمام مؤتمر "نصرة الشعوب العربية" الذي عقد في القاهرة عام 1968.

ودراسة أخرى للدكتور أسعد غانم المحاضر في جامعة حيفا يؤكد فيها أن دولة فلسطينية إسرائيلية ثنائية قومية هي حل ممكن ويجب أن يكون مرغوبا فيه، ويرى أن يطرح الأمر كحل بعيد المدى عندما يتأكد تماما فشل كل الحلول التي يتم على أساسها حل الصراع.

ودراسة ثالثة للبروفيسور نديم روحانا يدعو فيها الفلسطينيين والإسرائيليين إلى المصالحة على غرار ما حصل في دول متعددة الإثنيات كجنوب أفريقيا ودول أوروبا الشرقية وبعض دول أميركا اللاتينية.

ودراسة رابعة لكمال الخالدي يوضح فيها أن دولة ثنائية القومية في فلسطين هي خيار عقلاني حيث تتحقق لهم حرية الوصول إلى أي بقعة في فلسطين كلها ويكون بإمكانهم الوصول إلى مراكز العمل والسلع الإسرائيلية الاستهلاكية والتكنولوجية ويكون بمقدورهم جذب الاستثمارات الإسرائيلية الخاصة والعامة.

ودراسة خامسة لماجد كيالي تفاضل بين الخيارات المطروحة لحل الصراع: من خيار الدولة المستقلة التي يرى أنها باتت مستحيلة بالنظر للوقائع الهائلة التي فرضتها إسرائيل على الأراض، إلى خيار الدولة الديمقراطية العلمانية الذي يبدو أكثر استحالة في إطار الثقافة السياسية السائدة في إسرائيل التي تحرص على تأكيد يهودية الدولة الإسرائيلية، ويبقى خيار الدولة الثنائية القومية الذي يبدو أكثر تلبية لطموحات الفلسطينيين وأكثر استجابة لمخاوف وادعاءات الإسرائيليين.

"
ردود الفعل تجاه مشروع الرؤية تفاوتت, فالبعض اعتبر اختصار المشروع الوطني بالدولة تشويها للمشروع, في حين يرى آخرون أنها دعوة إلى دمج إسرائيل في المنطقة العربية, ويراها البعض دعوة جديدة للهروب من المواجهة ورومانسية سياسية لحل صراع معقد
"
في الجزء الأخير من الكتاب عرض لمناقشة المشروع (الرؤية) من قبل العديد من أصحاب الرأي والنشطاء السياسيين. وقد تفاوتت ردود الفعل تجاه هذا المشروع، فالبعض كرئيس تحرير مجلة الحرية معتصم حمادة اعتبر أن اختصار المشروع الوطني بالدولة يشكل عملية تشويه لمضمون المشروع وأهدافه وانحرافا عنه، ذلك أن النقطة الجوهرية في هذا المشروع هي حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

رأي آخر هو لعلي الكردي الذي يرى أن هذا الخيار لم ينضج بعد لدى الطرفين وما زال في إطار النخب لذلك ليس من المستحب طرحه إلا بوصفه أحد الخيارات التاريخية الممكنة دون القطع من الخيارات الأخرى.

ويذهب فتحي درويش أبعد من ذلك حين لا يرى في هذه الرؤية سوى أنها دعوة إلى دمج إسرائيل في المنطقة العربية عبر الحديث عن دمج الكيانات السياسية في المنطقة انطلاقا من المصالح المشتركة.

أما غطاس أبو عطية فيرى "الرؤية" بمثابة دعوة جديدة للهروب من المواجهة فضلا عن غمزه من قناة مصدري "الرؤية" واتهامهم بالرومانسية السياسية لتصوراتهم المثالية لحل صراع معقد كالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك