عرض/منتصر حمادة
هذا الكتاب يضم بين دفتيه حوارات مطولة أجراها صحفيان فرنسيان (جان مارك كالفليش وجيل دولافون) طيلة عقدين من الزمن مع الرئيس السنغالي الحالي عبد الله واد، حيث بدأت سلسلة الحوارات مع كالفليش سنة 1988 الذي وافته المنية فيما بعد، وانتهت مع دولافون في أواخر 2007.

-الكتاب: عبد
 الله واد.. حياة من أجل أفريقيا
-المؤلف: عبد الله واد
-الصفحات: 289
-الناشر: ميشيل لافون, باريس
-الطبعة: الأولى/2008
ويتوزع الكتاب على مقدمة الناشر وعشرة فصول تتعرض للمسار السياسي لعبد الله واد، ونشأته الاجتماعية، وتجربته الحزبية، وإحباطات السلطة وواقع التنمية في القارة الأفريقية، قبل أن يُخصّص الفصل الأخير منه لموضوع مشروع "الولايات المتحدة الأفريقية".

كان منتظرا أن يعج العمل بلغة الخشب، لاعتبارات عدة، أهمها أن المعني (الرئيس السنغالي) يُعلن صراحة عن إعجابه بالزعماء الفرنسيين، وفي مقدمتهم الرئيس السابق جاك شيراك، وبدرجة أقل، نيكولا ساركوزي، الرئيس الحالي.

إضافة إلى أن العمل أشرف على إنتاجه باللغتين الفرنسية والعربية دار نشر فرنسية، لها باع طويل في إصدار أعمال تُرَوّج لمنطق "الأمور على أحسن ما يرام"، وكذلك كان مع كتاب "عبد الله.. حياة من أجل أفريقيا"، لولا أن ما يُحسب لهذا الأخير، أنه أبدع في تمرير العديد من الانتقادات، بشكل مُلطف حينا، وبشكل صريح وواضح حينا آخر، في عمله هذا، وهي الانتقادات التي نقتطف منها الفقرات الواردة في هذا العرض.

ولعل ما صدر عن الصحفيين المعنيين في تقديم الكتاب، وفي ثنايا طرح الأسئلة، ما يشفع للرئيس السنغالي في توجيه النقد لأبناء مستعمري الأمس.

ففي تقديم العمل، نقرأ الفقرة التالية التي توجز العقلية النفعية التي تتأسس عليها الرؤى الغربية في التعامل مع قضايا القارة السمراء، حيث اختزل تاريخ القارة في أنها "زاخرة بالموارد"، وتفتح "آفاق وإمكانيات استثمار هذه الثروات". ونقرأ في سؤال مقزز جاء في ص 261: "ألا ترون أن إيجاد منصب وزير خارجية أفريقيا له دلالات كبيرة؟".

من حسنات العمل أيضا، التنبيه إلى الأدوار المصيرية التي يمكن أن تقوم بها مؤسسة القضاء عندما تكون مستقلة وبالتالي ذات مصداقية في التأثير على مصائر الشعوب العربية والإسلامية، حيث يروي الرئيس حكاية توريطه في دسيسة وصفها بالخسيسة ضد حزبه، وعُرفت باسم "قضية الأسلحة الليبية" سنة 1983.

وقد أنقذه اجتماع ثلاثة عناصر: الصدفة التي شاءت أن يكون غائبا عن العاصمة السنغالية داكار عندما أثيرت القضية، حيث كان في فرنسا، وثانيا موقف الرئيس السابق عبدو ضيوف وجون كولان اللذين قاوما ضغوط مستشاري السوء، وأخيرا -بيت القصيد في الحالة العربية على الخصوص- شجاعة واستقلال رجال القانون السنغاليين الذين تابعوا القضية بكل استقلالية ومسؤولية.

ونخصص آخر الملاحظات لقضية المرجعية، ففي عمل تنتصر فيه المرجعية العلمانية، يبقى من الجدير التنويه بإشارة الكاتب(الرئيس) بالدور الذي لعبته في تنشئته المدرسة القرآنية في مرحلة الحضانة، حيث "شجعت تلك المدرسة استيقاظ الذهن وطورّت الذاكرة لدى الطفل، مما شكل ورقة رابحة عند دخول المدرسة الفرنسية".

هشاشة المؤسسة الأميركية

"
عبد الله واد يرى أن صدمة اعتداءات نيويورك وواشنطن تترجم إدراك نسبية الأشياء والعلاقة الحميمة بين القوة والهشاشة، وأن تضرب دولة بهذه القوة وفي وضح النهار، فهذا يبرز أن هناك خللا ما في أداء الإدارة الأميركية
"
ونبدأ بقراءة عبد الله واد لصدمة هجمات11 سبتمبر/أيلول 2001 على نيويورك وواشنطن، حيث لم يمنع الإطراء الذي حظي به الرئيس الأميركي جورج بوش في الكتاب من تذكير الرئيس السنغالي لصناع القرار الإستراتيجي في الإدارة الأميركية أن مثل هذه الأحداث تترجم إدراك نسبية الأشياء والعلاقة الحميمة بين القوة والهشاشة، وأن تضرب دولة بهذه القوة وفي وضح النهار، فهذا يبرز أن هناك خللا ما في البناء، وفي أداء الإدارة الأميركية.

وهذا هو التناقض القائم اليوم في الحضارة التكنولوجية التي تملك إمكانيات في غاية القوة قادرة على تدمير مدن بأكملها، ومع ذلك، تشكو من نقاط ضعف في غاية الهشاشة.

الحديث عن هجمات نيويورك وواشنطن يجرنا للحديث عن علاقة الرئيس السنغالي بنظيره الأميركي المنتهية ولايته، جورج بوش الابن، حيث اعتبر الأول أن علاقته بالثاني كانت مؤسسة على قاعدة: "تقارب وجهات نظر" واتصالات مكثفة من بوش لواد في معرض استشارته في قضايا تهم على الخصوص ملفات سياسية في ساحل العاج وليبريا وغينيا بيساو والسودان، فيما اعتُبِر تقديرا أميركيا لافتا لحاكم أفريقي في منطقة الساحل.

توقف عبد الله واد كثيرا عند بعض القلاقل التي مَيَّزت زيارة بوش للسنغال عام 2003، وشهدت على الخصوص مبالغة رجال أمن الرئيس الأميركي في الإجراءات، واستفزاز ساكني جزيرة غوري الشهيرة (التي كان يُرّحَل منها العبيد السود نحو الولايات المتحدة).

على أن الحدث الأهم في الزيارة -يذكرنا بالمأزق القائم بين فرنسا والجزائر بخصوص الاعتراف بمآسي الاستعمار- يكمن تحديدا في عدم تقديم بوش اعتذارات لأفريقيا، مما عابه العديد من الأميركيين من أصل أفريقي، قد يكون أبرزهم اليوم الرئيس المنتخب باراك أوباما، دون سواه، رغم أن بوش تحدث أثناء الزيارة عن تجارة العبيد ودانها، ولكنه لم يقدم اعتذارا رسميا عن ذلك التاريخ الأسود.

وأخيرا، قبل الانتقال إلى الحروب الاقتصادية والتجارية التي تشنها الدول الغربية ضد القارة السمراء، يقر عبد الله واد بأن بلده انتظر الشيء الكثير من جورج بوش مما يعرفه الميزان التجاري حاليا، بسبب علاقات الصداقة التي تربط بين البلدين، والأدهى، أن حقائق الواقع المعاش، تشهد بأن داكار لا تتلقى مساعدات وازنة من الولايات المتحدة.

السيطرة على أفريقيا
حظي موضوع الديون بنقد كبير في الكتاب، حيث أقر الرئيس، بعدم تصديقه بأن تكون القارة الأفريقية مدينة بكل الأموال التي تتم مطالبتها بها، تأسيسا على أبحاث قام بها منذ أن كان خبيرا اقتصاديا في السودان عام 1989، والطامة، أن أفريقيا ليست موافقة على حجم الديون، بل لا تمتلك لا القدرة ولا الخبرة التقنيتين من أجل الاعتراض على ذلك، لأنها في غاية التعقيد، وهنا تكمن المشكلة.

كما اعتبر أن الديون بشكل عام، مجرد واجهة لمشروع إستراتيجي أكبر، يروم السيطرة على أفريقيا على المدى الطويل، وليس هناك بلد أفريقي واحد يستطيع أن يُبيّن على أرضه ما تمّ إنجازه مقابل الديون التي تتم مطالبته بها لقاء بُنى تحتية، وإنجازات السنغال لا تشذ عن هذه القاعدة، صحيح أن هناك مشاريع أنجزت، يضيف واد، ولكن "الأمر يتعلق بلعبة مخدوعين بها".

أما البديل المقترح، فلا يخرج عن تأسيس اتحاد سياسي، لأنه بدون هذا الاتحاد، لن تكون هناك تنمية حقيقية في أفريقيا، والمطلوب اليوم أكثر الشروع في تأسيس "الولايات المتحدة الإفريقية"، لأنه ليس للقارة خيار آخر سوى الوحدة أمام الأطماع الغربية، الأوروبية والأميركية، ولو عبر الاستئناس بتجربة تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، التي لم تحقق حلم الزعيم الأفريقي كوامي نكروما أول رئيس لغانا المستقلة، أي تأسيس الولايات المتحدة الإفريقية، ولكن يُحسب لها إدارة الأوضاع والتحكم في النزاعات وإخماد العديد من بؤر النزاع.

وقد استشهد في هذا الصدد بمجموعة من الوقائع التاريخية، ففي أثناء الحقبة الاستعمارية، كانت المكافحة شاملة ومنسّقة وفعالة بين مختلف الدول الأفريقية، أما اليوم، فالمؤسسات المشتركة الموروثة من الاستعمار قائمة شكلا ولا تتوافق مع إمكانية الرد على المشكلة. وإذا كانت هناك وزارة للصحة البشرية، فمن المفترض أن توجد وزارة لصحة الطبيعة على صعيد القارة كلها.

"
أفريقيا التي تغذي إلى حد كبير الاقتصاد الدولي منذ قرون، كانت ولا زالت غنية، ولكن يتم إفقارها بآليات معروفة لدى المتخصصين، من خلال الاستغلال المباشر عبر قوانين استثمار محابية حيال الغرب، تقود بالضرورة إلى إفقار القارة بالدرجة الأولى
"
إن أفريقيا التي تغذي إلى حد كبير الاقتصاد الدولي منذ قرون، كانت ولازالت غنية، ولكن يتم إفقارها بآليات معروفة لدى المتخصصين، من خلال الاستغلال المباشر عبر قوانين استثمار محابية حيال الغرب، تقود بالضرورة إلى إفقار القارة بالدرجة الأولى، وهذا ما تم عمليا مع مجموعة من الاتفاقيات التجارية بين القارة والدول الغربية، ومنها اتفاقية "الغات" التي ترتبط بها القارة الأفريقية اليوم مع أوروبا، واضطلعت بها منظمة التجارة العالمية، وداخل هذه الاتفاقيات العالمية بواسطة اتفاقيات كوتونو عام 2000 التي انتهى مفعولها في 31 ديسمبر/كانون الأول 2007. وبرأي واد، فقد جرى كل شيء وكأن القادة الأفارقة مخدوعون، إذ دُفِعوا إلى مطاردة سراب.

ويبقى المطلوب اليوم من القادة الأفارقة، التفكير معا حول سؤال جوهري: أي نظام للمبادلات وأي تعاون بين أوروبا وأفريقيا، لأن أخطر ما يهدد القارة السمراء اليوم، أن يتم تبنّي إستراتيجية للتخريب لا تكشفها تحذيرات الزعماء الأفارقة.

وبما أنه ليست لدى أفريقيا إستراتيجية فإنها ستتصرف غالبا بطريقة عاطفية، كما جرت العادة، حيث يفكر الغرب ويتصرّف ببرودة أعصاب على المدى الطويل، وما بين المحتالين الذين ينهبون البلاد عبر توصلهم إلى توقيع عقود تمويل واهية بالاتفاق مع مكاتب قانونيين، وبين الإستراتيجيات العامة لبعض المؤسسات الدولية -أو بالأحرى بعض الأشخاص على رأس هذه المؤسسات- نجد طريقا مملوءا بالمكائد.

المساعدات التي تؤزم القارة
يرى عبد الله واد أن المساعدات التي تقدمها البلدان المتقدمة لزراعتها، تساهم بشكل مباشر في نسف كل الجهود الإنتاجية الأفريقية، وتساهم بالتالي في تأزيم مبيعات المنتوجات الأفريقية، مما يدفع التجارة الأفريقية بشكل عام إلى المزيد من التهميش، كما يدعو بشكل صريح إلى مراجعة التفسيرات والتطبيقات الخاصة بالعديد من المفاهيم الغربية، ومنها التعريف الأممي الخاص بمفهوم الفقر.

ويعتبر واد أن الفقر ليس أن يقل دخل الفرد عن دولار واحد في اليوم، خاصة إذا علمنا أن الأبقار الأوروبية تستفيد اليوم من 2.6 دولار قيمة المساعدات يوميا، حيث ستصبح قيمة البقرة تعادل، تأسيسا طبعا على التعريف الأممي للفقر، اثنين من الأفارقة الفقراء!

ولهذا السبب، كان الرجل مُحقّا عندما وجَّه اتهامات علنية في قمة الغذاء التي احتضنتها العاصمة الإيطالية روما في مطلع شهر يونيو/حزيران الماضي، إلى الأمم المتحدة بأنها تعامل الدول النامية كالمتسولين.

وبخصوص العدالة في المبادلات التجارية كشرط ضروري لتنمية أفريقيا، يؤاخذ عبد الله واد مروجي هذا الطرح، ففي الوقت الذي تدعو فيه الدول الغربية إلى الحرية الكاملة للتجارة والمبادلات، فإنها تنفق مليار دولار يوميا من أجل زراعتها، وهي بذلك، لا تمنع الدول الإفريقية من بلوغ صادراتها للأسواق الأوروبية فحسب، بل تجبر الدول الإفريقية على فتح أسواقها لمنافسة منتوجاتها التي تستفيد من جهة، من المساعدات، ومن جهة أخرى، من مردودية إنتاجية تسمح بها الإمكانيات التقنية الهائلة التي تستخدمها ولا تسمح للدول الإفريقية بالحصول عليها.

و

"
على قادة القارة السمراء عدم الاكتفاء بالتباكي على القدر الأفريقي، ولا التلذذ بذكرى الأحقاب المجيدة للشعوب الأفريقية، وعليهم معرفة التاريخ الحقيقي لأفريقيا، وليس التاريخ المُزَوّر الذي يخدم أغراض الأطماع الاستعمارية القديمة والحديثة
"
فيما يتعلق بالمؤسسات الدولية، وخاصة صندوق النقد والبنك الدوليين، فيرى واد أنها شحيحة عندما يتعلق الأمر باحتياجات أفريقيا، كما أنها تُملي على الدول الأفريقية ما  ينبغي عليها عمله بطريقة مبطنة، ولكنها واضحة للعيان، منتقدا بشدة "خبراء" هذه المؤسسات (غالبا ما جاءت كلمة الخبراء في الكتاب بين مزدوجتين)، ومتسائلا: "من أي جامعات ومن أي كوكب حصلوا على شهاداتهم كي يعطوا لأنفسهم حق المجيء وإلقاء الدروس على الدول الأفريقية".

ويوضح واد أنه وبعد إقامة سريعة في أفريقيا، يحرر أولئك وثيقة ثم يطلبون من صناع القرار في القارة أن يرسلوها بمثابة "مذكرة تنمية"، وإذا غيَّر هؤلاء فيها سطرا واحدا، يتم حرمان الدول الإفريقية من الأموال، ولذلك تعوّد الطلبة الأفارقة على القول أن تلك المؤسسات كانت تملي على القارة قانونها، وإذا كان هناك فشل يتم تحميل الدول الإفريقية مسؤوليته وبالتالي عقابها.

الأمر الأكثر غرابة في أداء هؤلاء "الخبراء"، يضيف عبد الله واد، أنه يوجد بينهم في البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي موظفون كبار سابقون أو وزراء كانوا في الطرف الأفريقي، وكانوا يتفاوضون آنذاك مع فرق المؤسسات المالية الدولية، ومنذ اليوم الذي انتقلوا فيه إلى الطرف الآخر، وتحوّلوا من تلامذة إلى "خبراء"، أصبحوا هم الذين يعطون الدروس، ولكن لحساب دافعي الأموال هذه المرة.

نختم هذا العرض بزبدة النصائح التي يوجهّها عبد الله واد لصناع القرار في القارة السمراء، ولخلفائهم طبعا، عندما حذَّر هؤلاء من تفسير أوضاع القارة اليوم، بأنها نتيجة واقع خمسة قرون من العبودية ثم قرن من الاستعمار تبعته عقود من الاستعمار الجديد والسيطرة السياسية والاقتصادية.

ولكن، على هؤلاء عدم الاكتفاء بالتباكي على القدر الأفريقي، ولا التلذذ بذكرى الأحقاب المجيدة للشعوب الأفريقية، لأن الزعماء والغيورين على مصير القارة يستعيدون بالكاد، حرية الاختيار والعمل، والتحرر من الوصاية الغربية الثقيلة المفروضة تحت شعار المساعدة.

وبحسب واد فعلى الزعماء الأفارقة أخيرا، معرفة التاريخ الحقيقي لأفريقيا، وليس التاريخ المُزَوّر الذي يخدم أغراض الأطماع الاستعمارية القديمة والحديثة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك