عرض/عدنان أبو عامر
بينما تتهيأ إسرائيل في هذه المرحلة لخوض حروب متعددة، نظامية مع دول مجاورة وغير نظامية مع منظمات فدائية، صدر مؤخرا كتاب جديد بعنوان "الصراع على طبيعة الحرب القادمة.. من كلاوزفيتس إلى السادات" لمؤلفه المحامي رون تيرا عن معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب.

-الكتاب: الصراع على طبيعة الحرب القادمة
-المؤلف: رون تيرا
-عدد الصفحات: 132
-الناشر: معهد أبحاث الأمن القومي, تل أبيب
-الطبعة: الأولى/أكتوبر 2008
يتناول الكتاب الصادر باللغة العبرية في سبعة فصول طبيعة الحرب المتوقعة القادمة بين إسرائيل وأعدائها شاملة عددا من المحاور أهمها الحروب المحدودة المدى والحروب النظامية، واللقاء في ساحة المعركة، والحرب التقابلية، وحرب لبنان الثانية، والحروب المستقبلية.

يقدم الكتاب "ذو الطبيعة العسكرية" رؤية نقدية تقييمية لإدارة الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان عبر تشخيص الأخطاء التي وقع فيها الجيش الإسرائيلي ومن أسماهم "واضعي النظرية العسكرية الإسرائيلية"، سواء عبر الإدارة الميدانية للقتال مع عناصر حزب الله أو وضع الأهداف المسبقة للحرب التي لم يتحقق أيا منها.

النظريات الحربية
ويلقي الكتاب في صفحاته الأولى نظرة استعراضية لأهم المبادئ النظرية التي قامت عليها الحروب النظامية، التي تفترض أن الإنجاز الحقيقي لأي حرب عسكرية يتمثل في تحقيق منجزات سياسية معدة سلفا، لكنه يستدرك بالقول إن هذه النظرية لا تنطبق بالضرورة على كل الحروب التي تخوضها الدول، ومنها إسرائيل.

ويشير مؤلف الكتاب رون تيرا، الذي شغل في السابق موقعا متقدما في جهاز الاستخبارات الإسرائيلية، إلى أن هناك عددا من الحروب التي خاضتها إسرائيل تنقض هذه النظريات العسكرية، لا سيما تلك التي وضع أسسها الأولى كلاوزفيتس، مستشهدا على ذلك بحرب لبنان الثانية عام 2006 التي شنتها إسرائيل ضد حزب الله، ومتوقعا الشكل المستقبلي للحروب التي قد تخوضها تل أبيب إلى جانب عدد من العواصم الغربية على صيغة حروب الاستنزاف ضد قوى المقاومة والعمل المسلح.

يضع الكاتب معايير أخرى لم تكن مدرجة على قائمة الأهداف المعلنة للحروب التي تخوضها إسرائيل وغيرها من الدول، أهمها: أن الحرب ليس بالضرورة تلك التي يتم حصاد نتائجها وأهدافها عبر ميدان المعركة فقط، وإنما من خلال وسائل وأساليب أخرى وفي ميادين مختلفة.

"
من الخيارات المستقبلية في حروب إسرائيل أن تعمل على ممارسة أكبر قدر من الضغوط والتأثيرات على المستوى السياسي لدى قيادة العدو، وصولا إلى استهداف الرأي العام الشعبي لحرمان مقاتليه من الغطاء الجماهيري والتضامن الشعبي معه
"
ويذكر الكتاب من هذه الساحات دخول إسرائيل حالة حرب استنزاف على سبيل المثال، أو القيام بحملة "تجنيد دولي" لصالح هذه الحرب، بغرض الوصول في النهاية إلى حل سياسي يتوج الحرب العسكرية.

كما يرى أن من الخيارات الأخرى التي قد تكون متاحة أمام إسرائيل مستقبلا توجيه النار بصورة مكثفة ومتواصلة دون توقف نحو جيش العدو، والوصول بجانب ذلك إلى حالة من الشلل في حرية الحركة لقوات العدو لمنعه من مواصلة القتال.

أكثر من ذلك، يرى أن من الخيارات المستقبلية في حروب إسرائيل أن تعمل على ممارسة أكبر قدر من الضغوط والتأثيرات على المستوى السياسي لدى قيادة العدو، وصولا إلى استهداف الرأي العام الشعبي لحرمان مقاتليه من الغطاء الجماهيري والتضامن الشعبي معه.

تجارب تاريخية
يحاول الكتاب توجيه نصائح ذات صبغة عسكرية وإستراتيجية لصانع القرار الحربي الإسرائيلي عبر استعادة عدد من التجارب التاريخية العسكرية، أهمها:

أ‌- ما حصل خلال الحرب العالمية الثانية أواسط العقد الرابع من القرن العشرين، حين أرادت ألمانيا اختبار القدرات العسكرية لخصومها في ساحات المعارك، إلا أن نهاية الحرب أدت إلى إيقاع هزيمة ساحقة في القوات النازية.

ب‌- حرب فيتنام التي شهدها العقد السابع من القرن الماضي تشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أن الولايات المتحدة أصيبت بالانتكاسة الحقيقية أمام المقاتلين الفيتناميين بفعل المردود الشعبي السيئ الذي افتقرت إليه إدارة الحرب في واشنطن.

ت‌- حرب يوم الغفران عام 1973 بين إسرائيل من جهة ومصر وسوريا من جهة أخرى، والتي أسفرت في النهاية عن قدرة مصر على تجنيد الرأي العام الدولي لصالحها، وتمكنت في النهاية من إيجاد حل سياسي بناء على انتصارها العسكري.

كما يذكر عددا من الحروب التي عرفها العالم في العقود الماضية، ومنها: حرب كوسوفو، والحرب الألمانية الفرنسية، والحرب الألمانية السوفياتية، وحرب الأيام الستة يونيو/حزيران 1967.

ويرى الكاتب بعد إيراده هذه الأمثلة أن القوة العسكرية والكفاءة القتالية للجيش الإسرائيلي ليست الوحيدة التي تستطيع أن تحقق لدولة إسرائيل نجاحات سياسية وإنجازات دبلوماسية.

وبناء على ذلك، يطالب القادة العسكريين في ساحة المعركة والمنظرين الإستراتيجيين في غرفة العمليات والساسة في رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع، أن يأخذوا بعين الاعتبار المعايير التي غدت تشكل عناصر أساسية وفاعلة في حروب إسرائيل السابقة واللاحقة.

"
الحروب المتعددة الأبعاد كالتي يمكن أن تخوضها إسرائيل مستقبلا تمكن صانع القرار من أن يخوض في تفاصيل ومكونات الحل السياسي، حتى قبيل تبين طبيعة النهاية العسكرية المتوقعة للحرب، مثل قرار 1701 الذي لم تكن له صلة مباشرة بطبيعة الأداء القتالي بين إسرائيل وحزب الله
"
ومن هذه المعايير: البعد الإستراتيجي البعيد المدى، والبعد العسكري، والعنصر العملياتي، والقرارات التكتيكية، والأبعاد التكنولوجية الفاعلة، إضافة إلى معايير وعناصر غاية في الأهمية كالدعم اللوجستي، والمعلومات الاستخبارية والأمنية وغيرها.

وفي غاية منه للربط بين هذه العناصر مجتمعة وكيفية استخدامها وتوظيفها منفردة أو مجتمعة، يستشهد الكاتب مرة أخرى بحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، حين يؤكد أن الجيش الإسرائيلي استطاع تحقيق نصر عسكري ساحق على الصعيد العملياتي في الجبهة الجنوبية من القتال، إلا أن المصريين في ذات الوقت استخدموا أكثر من بعد وعنصر من عناصر العملية العسكرية في آن واحد، وفي النهاية انتصرت القاهرة في هذه الحرب التاريخية.

يؤكد أن الحروب الكلاسيكية التقليدية، التي خاضتها إسرائيل خلال العقود الماضية، كان يفترض بها أن تخوضها حتى النهاية أو ما قبل النهاية بقليل، لتتبين لها طبيعة الحل السياسي المتوقع لهذه الحرب.

لكن الحروب المتعددة الأبعاد، كالتي يتوقع الكتاب أن تخوضها إسرائيل مستقبلا، تمكن صانع القرار من أن يخوض في تفاصيل ومكونات الحل السياسي، حتى قبيل تبين طبيعة النهاية العسكرية المتوقعة للحرب، مستدلا على ذلك بصدور القرار 1701 الذي أصدره مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة ولم تكن له صلة مباشرة بطبيعة الأداء القتالي على ساحة المعركة بين الجنود الإسرائيليين ومقاتلي حزب الله.

الكتاب يتطرق إلى الفروقات بين الحروب الكلاسيكية التقليدية النظامية، مثال حرب يوم الغفران 1973، والحروب المحدودة المدى غير النظامية مثال حرب لبنان الثانية 2006 التي يعلن فيها الكاتب فشلا إسرائيليا لا يقبل التشكيك.

التكنولوجيا وحرب العصابات
يشير الكتاب إلى ما يطلق عليه "التفوق التكنولوجي" للجيش الإسرائيلي وعدم قدرته على توظيف هذا التفوق في ميدان المعركة، وفي المقابل قدرة العدو، أيا كان، نظاميا أو منظمات على اقتناص الفرص الميدانية القاتلة لتوجيه الضربة المؤلمة لعناصر الجيش الإسرائيلي.

لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن معايير القدرات التكنولوجية لجيوش الأمس ليست بالضرورة ملائمة لجيوش اليوم، ويضرب على ذلك مثالا: في القرن التاسع عشر كانت قدرة جيش ما على إبادة ما نسبته 60% من قدرات الجيش الخصم، كفيلة بالقضاء عليه كليا وإبادته، ومن ثم كسب الحرب والانتصار فيها.

اليوم لا يحتاج الجيش المعادي، أو القوات غير النظامية التي يحاربها الجيش الإسرائيلي، إلى قدرات قتالية عالية المستوى، وإمكانيات تكنولوجية فوق العادة، لأن حزب الله استطاع خلال الحرب الأخيرة أن "يدك" الأراضي الإسرائيلية ويمطرها بوابل من القذائف الصاروخية مؤثرا بذلك على الواقع السياسي والشعبي في إسرائيل.

أكثر من ذلك، فإن إعلان سلاح الجو ورئيس الأركان في الجيش الإسرائيلي عن تدمير ما نسبته 60% من القدرات القتالية والمخزون الإستراتيجي من صواريخ حزب الله، نجح مؤقتا في الحد من كمية الصواريخ الملقاة على مدن الشمال، وتراجع العدد من 250 إلى 100 صاروخ يوميا.

لكن هذا التراجع لم يصل إلى مبتغاه النهائي المتمثل في وضع حد للهجمات الصاروخية على إسرائيل بصورة نهائية، وبالتالي فإنه على الرغم من تراجع كميات الصواريخ التي بات يطلقها حزب الله في الأيام التالية للحرب فإن إطلاق 100 صاروخ يوميا بحد ذاته يشكل نجاحا للحزب في إرهاق إسرائيل واستنزاف مواطنيها خلال أيام الحرب.

الكاتب يلقي الضوء على أبرز الآثار السلبية المترتبة على تواصل إطلاق الصواريخ من قبل حزب الله رغم قلتها وتراجع عددها، ومنها: إجبار الإسرائيليين على اللجوء إلى الملاجئ تحت الأرض، وإخلاء مساكنهم ومؤسساتهم، وإجراء تغييرات قسرية على طبيعة الحياة وأنماطها، واضطرار المستوى السياسي في إسرائيل على بعض السلوكيات والقرارات، وغيرها من الآثار والتبعات.

رؤية الحسم العسكري

"
الكتاب يهدف إلى الوصول بصانع القرار العسكري والسياسي في إسرائيل إلى تحديد أهداف سياسية لأي حرب تشنها تل أبيب بما في ذلك الجهد الذي يجب أن تبذله لتجنيد المزيد من الرأي العام الدولي للوقوف إلى جانب إسرائيل في حروبها التي سوف تخوضها مستقبلا
"
المؤلف يسعى في كتابه إلى توضيح القواسم المشتركة بين الحروب الإسرائيلية السابقة ونظيرتها اللاحقة، في محاولة منه للوصول إلى صيغة عسكرية ميدانية تشير إلى وصول الجيش الإسرائيلي إلى مرحلة الحسم العسكري مع أعدائه، جيوشا كانوا أو منظمات فدائية.

أكثر من ذلك، يريد الكتاب الوصول بصانع القرار العسكري والسياسي في إسرائيل إلى تحديد أهداف سياسية لأي حرب تشنها تل أبيب بما في ذلك الجهد الذي يجب أن تبذله لتجنيد المزيد من الرأي العام الدولي للوقوف إلى جانب إسرائيل في حروبها التي سوف تخوضها مستقبلا.

يستحضر في فصوله السبعة حجم التأييد الدولي الذي حظيت به إسرائيل أثناء خوضها حرب لبنان الثانية بعد انسحابها من هناك أواسط عام 2000، إلى جانب المباركة العالمية لقرارها بالانسحاب من قطاع غزة أواخر عام 2005.

ومع ذلك، يستدرك المؤلف بـ"حسرة" لا يخفيها بأن هذا التأييد والمباركة لم يساعدا إسرائيل على تحقيق انتصارات عسكرية تذكر في حروبها التي خاضتها في لبنان وغزة أمام حزب الله وحماس!

الكتاب الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب يستمد أهميته ليس من الموضوع الحساس والشائك فقط الذي يهم كل إسرائيلي، عسكريا كان أم سياسيا، وليس من توقيته الأكثر سخونة في وقت تتطلع فيه إسرائيل لخوض حروب متوقعة مع حماس وحزب الله وإيران فحسب، وإنما بالإضافة لما تقدم، يكتسب الكتاب -الذي صدر قبل أسابيع قليلة- قيمته من جملة الجنرالات والمسؤولين الذين استند إليهم المؤلف رون تيرا في تأليفه.

يذكر المؤلف عددا من هؤلاء الذين ساهموا في صناعة القرارات العسكرية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة، وعاد إليهم في تأليفه لهذا الكتاب، منهم: الجنرال غيورا آيلاند رئيس مجلس الأمن القومي السابق في إسرائيل والذي ينظر إليه على أنه "عراب" خطة الانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة، والجنرال أهارون زئيفي فركش رئيس الاستخبارات العسكرية السابق، والبروفيسور عنات كورتس المؤرخة للصراع العربي الإسرائيلي.

الكتاب عموما يقدم رؤية عسكرية متقدمة، نظرية وتطبيقية، لطبيعة المواجهة القادمة بين إسرائيل من جهة وعدد من أعدائها، دولا ومنظمات، متضمنا عددا من الجداول الإحصائية والرسومات التوضيحية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك