عرض/ نبيل السهلي
يتتبع هذا الكتاب في فصوله المختلفة مسار حركة القوميين العرب منذ تشكيلها، ويسلط الضوء على أهم جوانب الصراع الداخلي في الحركة وخارجها، لاسيما الصراع مع التيارات والأحزاب القومية والشيوعية، فضلاً عن التحولات التي شهدتها في سياق تطورها.

- الكتاب: حركة القوميين العرب
- المؤلف: عبد رجا سرحان
- الصفحات: 576
- الناشر: مركز الغد العربي للدراسات، دمشق
- الطبعة: الأولى 2008

 
وقد عالج الكتاب العديد من القضايا وناقشها، ما يفتح المجال لسجال حقيقي ونقاش نقدي لتجربة حركة القوميين العرب، مالها وما عليها، ومن ثم تقييم هذه التجربة الكفاحية الغنية.

وهذا قد يساهم في الوصول إلى الإنجازات أو العثرات التي مرت بها الحركة وما أثير من أسئلة تقترب من ملامح تلك المرحلة.

وقد تكون النقاط الأبرز في فصول الكتاب تلك التي رصدت أهمية الجانب الفلسطيني ومسار القضية الفلسطينية بالنسبة للحركة، حيث حاول المؤلف تقديم رؤية شاملة بهذا الخصوص، وأظهر حقائق لم تسجل من قبل في الدراسات والمقالات التي نشرت عن حركة القوميين العرب منذ أفولها.

مقدمات النشأة والتأسيس
أشار المؤلف في الباب الأول إلى أن الفكر القومي انتقل -عبر العديد من المفكرين العرب- من مفهوم إلى آخر، وتعددت الآراء والأفكار والمفاهيم عن القومية العربية والأمة العربية والوحدة العربية وتشكل الأحزاب والحركات السياسية.

وصدر العديد من الكتب والمجلات والصحف التي تناولت تلك المواضيع، ونشطت معها النوادي والجمعيات والحركة الكشفية التي شكلت عنواناً هاماً من عناوين النضال ضد الاحتلال والمطالبة بالتحرر والاستقلال وبالوحدة رداً على التجزئة.

ويؤكد المؤلف أن الحركة القومية العربية تميزت في حقبة ما بين الحربين العالميتين بمفاهيمها المحافظة اليمينية حين حصرت جهدها في الحصول على الاستقلال السياسي دون أن تعنى بتطوير المجتمع من الداخل تطويراً يحقق المساواة والعدالة الاجتماعيين.

وفي هذا السياق استحضر المؤلف أفكار قسطنطين زريق وساطع الحصري وعلي ناصر الدين على أنها محاولات مبكرة وجادة لتأسيس عمل قومي موحد قادر على مواجهة تحديات الاستعمار ومخاطر الصهيونية وأهدافها في المنطقة.

واعتبر أن عصبة العمل القومي والحركة العربية السرية تجربتان قوميتان استمدت منهما حركة القوميين العرب عند نشأتها بعض الدروس.

"
الوضع العربي بشقيه الرسمي والشعبي ساهم في التأسيس لعمل عربي جديد يتسم بالرد السريع على هزيمة 1948، بخطوات بدأت بسيطة ومتواضعة ولكنها صادقة وصارمة في توجهاتها
"
ويرى المؤلف أن الوضع العربي بشقيه الرسمي والشعبي قبل وبعد نكبة عام 1948 قد ساهم في التأسيس لعمل عربي جديد يتسم بالرد السريع على هزيمة 1948، بخطوات بدأت بسيطة ومتواضعة ولكنها صادقة وصارمة في توجهاتها.

كما يبدو أن هذه الخطوات كانت ضرورية في مرحلة حساسة، تنبض بمفاعيل هزيمة 1948، كي تراكم هذه المبادرات التمهيدية باتجاه بلورة عمل قومي شامل على امتداد مساحة الوطن العربي، يضع اللبنات الصلبة على طرق تحرير فلسطين.

وينظر إلى تلك المبادرات القومية التي حصلت بعد نكبة 1948 على أنها ركيزة ساهمت في الإبقاء على جذوة استمرار العمل من أجل تحرير فلسطين، ووضعت الشعوب العربية بشكل عام والشعب الفلسطيني بشكل خاص، أمام مسؤولياتهم القومية، وفرضت عليهم عدم الاستسلام لليأس والهزيمة، والنهوض من جديد وتأسيس عمل قومي جاد مستفيدين من نتائج النكبة الكبرى.

ولهذا يعتبر المؤلف أن ما تم تأسيسه قبل ظهور حركة القوميين العرب أعطى هذه الحركة فرصتها في تحديد رؤيتها الأيدولوجية والسياسية والتنظيمية. وقد كانت الهيئات والمؤسسات والمنظمات التي بدأ بها العمل من قبل مجموعات الشباب القومي العربي منذ عام 1948 -رغم التسميات المختلفة- بمثابة ولادة حركة القوميين العرب وإن تأخر الإعلان الرسمي عن انطلاقتها على يد الشباب العربي في جامعة لبنان بشكل خاص فيما بعد.

انطلاقة الحركة وانتشارها
ثمة اختلاف في الآراء -حسب ما أورده المؤلف في الباب الثاني من الكتاب- حول نشأة وانطلاقة حركة القوميين العرب، وذلك رغم ما كتبه الباحثون والمفكرون العرب ممن كانوا على علاقة بها.

ومع بروز العديد من وثائق الحركة بعدما بقيت لسنوات عديدة في طي الكتمان، اعتبرها البعض امتداداً لتجربة كتائب الفداء العربي، كما اعترف محسن إبراهيم بوجود علاقة بين كتائب الفداء العربي وحركة القوميين العرب، واعترف جورج حبش أن ستة من قياديي حركة القوميين العرب كانوا من مؤسسي كتائب الفداء العربي.

وتحدث آخرون عن أن حركة القوميين العرب إنما جاءت امتداداً لعصبة العمل القومي التي تأسست في أغسطس/آب 1932 التي عقد مؤتمرها الأول في بلدة قرنايل في جبل لبنان.

وتذكر سهير السلطي التل أن حركة القوميين العرب جاءت نتيجة لمجموعة من العوامل، أبرزها الأجواء الفكرية والسياسية التي وفرتها الجامعة الأميركية في بيروت وجمعياتها الطلابية، وأبرزها جمعية العروة الوثقى التي شكلت الميدان الذي بدأ فيه تحرك القادة المؤسسين تحت رعاية الأب الروحي للجمعية قسطنطين زريق وفكره الليبرالي القومي.

"
حركة القوميين العرب جاءت نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها الأجواء الفكرية والسياسية التي وفرتها الجامعة الأميركية في بيروت وجمعياتها الطلابية
"

وفي مقابل ذلك يستحضر المؤلف رأي شفيق جحا الذي لا يرى أن الحركة نشأت نتيجة مباشرة لنكبة عام 1948، لأن تأسيس الحركة السرية مضى عليه 13 عاما في ذلك العام. ويستطرد المؤلف في الباب الثاني قائلا إن عدة جهات أكدت أن بداية حركة القوميين العرب كانت في عام 1951 ومن بيروت كانت الانطلاقة، وكان المؤسسون طلابا عربا في الجامعة الأميركية، وبالتحديد تم اتخاذ قرار إنشاء الحركة في صيف عام 1951 بغض النظر عن التسمية التي راودت أفكار المجموعة المؤسسة.

لكن القرار لا يعني أن التنظيم أنشئ فورا، والقرار اتخذته مجموعة طلاب من الجامعة الأميركية في بيروت في لقاء حواري بمقهى "محيو" في محلة الروشة، إذ كان صاحبه صديقاً للمجموعة التي كانت تجتمع وتتناقش فيه.

وبالنسبة للتسمية، أكد المؤلف بناء على رأي بعض المفكرين العرب أن الكثير من مفاهيم الحركة وشعاراتها واسمها قد تحدد قبل المؤتمر الأول للحركة عام 1956 لأنها جاءت وليدة نكبة عام 1948، ووجودها ارتبط ارتباطاً مباشراً بهذه النكبة.

واتسمت حركة القوميين بسمات رئيسية بعد انطلاقتها، من أهمها أنها حركة عقائدية ثورية موحدة، تبلورت أفكارها بعد انعقاد عدة مؤتمرات.

والملاحظ أن الحركة مرت بأطوار فكرية كانت تنقلها من واقع نظري إلى آخر أكثر ارتقاء، مستندة إلى أفكار العديد من المفكرين القوميين والماركسيين. لكن الثابت أن الحركة رغم التطورات التي شهدتها منذ تأسيسها وحتى عام 1969 لم تستطع الإجابة على العديد من الأسئلة المطروحة عليها. وأفضت التناقضات داخل الحركة إلى فقدان التوازن والتماسك، الأمر الذي دفع إلى تفتتها إلى فصائل قطرية جديدة.

بيد أن المؤلف لابد أن يسجل للتاريخ بأن حركة القوميين العرب حافظت في سياق تطورها على قضية فلسطين والعمل من أجل تحريرها، وإبقائها قضية حية في عقل الجماهير العربية.

القضية الفلسطينية
في الباب الثالث من الكتاب والفصول المتفرعة عنه حاول المؤلف تشخيص أزمة الفكر القومي الفلسطيني، وأشار إلى أن تأسيس حركة القوميين جاء بسبب ما حدث في فلسطين عام 1948، وفي ذهن الحركة أن تمحو آثار ما حصل في فلسطين، ولكنها لم تع أن ذلك يتطلب جهوداً استثنائية لأن أزمة هزيمة العرب في فلسطين جاءت لأسباب ذاتية تتعلق بضعفهم وارتباط أنظمتهم بالاستعمار وتحالف عالمي ضم الاستعمار والصهيونية.

"
كان من المفروض أن تعي حركة القوميين أهمية الديمقراطية باعتبارها أداة نهوض وقيمة سلوك وتعزيزا للفكر والممارسة لتحرير المجتمع
"
لذا كان على الحركة إدراك حقيقة ما جرى في فلسطين، حتى يأتي بناء مشروع استعادة فلسطين بمستوى القوى التي تحالفت من أجل سلب فلسطين استقلالها وعروبتها، خاصة أن ما طرح من مواقف نظرية حول الترابط بين القطري والقومي على الصعيدين الفلسطيني والعربي لم يترجم إلى مواقف ملموسة ترتقي إلى فعل قادر على تغيير صورة الوضعين العربي والفلسطيني عشية نكبة عام 1948.

وما يضع الأمور في نصابها الصحيح هو بقاء القضية الفلسطينية في مسؤولية شعبها، دون أن ينسى شعبها للحظة واحدة أنه جزء من الأمة العربية، وأن فلسطين جزء أساسي من الوطن العربي، أي أن يتحمل العرب -ومنهم الفلسطينيون- مسؤوليتهم في تحمل أدوارهم دون مواربة.

ويسجل المؤلف استخلاصا هاما مفاده أن أهمية وعي وإدراك أن الصراع مع معسكر الأعداء صراع تاريخي مفتوح لا يتوقف، يتطلب إدارة الصراع بصورة شمولية يتساند فيها النضال التحرري القومي مع النضال الاجتماعي الديمقراطي، وليس كما طرحت الحركة في بداية عملها "مرحلية النضال" أي فصل النضال السياسي عن النضال الاجتماعي.

لذا كان من المفروض أن تعي الحركة أهمية الديمقراطية باعتبارها أداة نهوض وقيمة سلوك وتعزيزا للفكر والممارسة لتحرير المجتمع.

أهمية الكتاب
تكمن أهمية الكتاب في تسليطه الضوء على حركة كفاحية نشأت بعد عام 1948 لإبقاء القضية الفلسطينية حية في كافة المستويات والمحافل الدولية.

والأهم أن المؤلف استطاع استحضار مصادر ووثائق ومقولات أساسية لبعض مؤسسي الحركة، وذلك بغية الوصول إلى حقائق عن نشأة حركة القوميين العرب وصيرورتها بالاعتماد على نظريات وأفكار من قبل بعض المفكرين القوميين والشيوعيين، وبعدئذ الترهل الذي أصاب الحركة والتشظي الذي أدى إلى بروز فصائل قطرية، ناهيك عن الملاحق التي احتوت على صور وبيانات ذات صلة في نشأة الحركة وأزماتها.

وهذا أعطى بدوره زخما معرفيا إضافيا يفيد الباحث في شؤون القضية الفلسطينية على المستوى المعرفي والأكاديمي في نفس الوقت.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك