عرض/ نبيل شبيب
في عام 1996 صدر كتاب بعنوان "فخ العولمة.. هجوم على الديمقراطية والرفاهية"، وبيع منه في تلك الأثناء أكثر من ثمانمائة ألف نسخة (27 ترجمة) فاحتل مكانة متقدمة بين أكثر الكتب تسويقا في العالم.

وكان نقد مسيرة العولمة في ذلك الكتاب متركزا على أمرين: أولهما إخراج عالم المال والاقتصاد من دائرة الرقابة السياسية الفعالة، وثانيهما تقسيم المعمورة بنسبة 20 إلى 80% ما بين أثرياء وفقراء. كان ذلك الكتاب بقلم هارالد شومان وهانس بيتر مارتن.

وبين أيدينا بقلم شومان أيضا ومشاركة كريستياني جريفي كتاب جديد، يحمل غلافه الخارجي عبارة تشير إلى متابعته لما بدأ به كتاب "فخ العولمة".

- الكتاب: العد العكسي عالميا
- المؤلفان: هارالد شومان وكريستياني جريفي
- الصفحات: 464
- دار النشر: كيبنهوير وفيتش، كولونيا
- الطبعة: الأولى مايو/2008

إلى أين مع العولمة؟
أثناء قراءة الكتاب الجديد ينشأ الانطباع للوهلة الأولى بأن فيه ما سبق أن قرأناه فيما لا يمكن إحصاؤه من تحليلات وبحوث نشرت خلال الأسابيع القليلة الماضية، وواكبت تحول الأزمة المصرفية الأميركية إلى أزمة مالية عالمية، أو حتى أزمة النظام الرأسمالي برمته.

ولكن لم يكن هذا التحول قد ظهر بوضوح واستشرى عند نزول هذا الكتاب إلى الأسواق 5/2008 بعنوان "العد العكسي عالميا" وذاك ما يعطي المحتوى قيمة إضافية يعبر عنها مثلا كلاوس توبفر، مدير برامج البيئة للأمم المتحدة بين عامي 1998 و2006م وهو يصف الكتاب بأنه "إنجاز ضخم".

وقد تابعته وسائل الإعلام الألمانية، ونشرت عنه الكثير خلال الأسابيع القليلة الماضية كما نشرت عدة مقابلات مع كاتبيْه، هارالد شومان، المتخصص في العلوم الاجتماعية الذي شغل العديد من مناصب التحرير في عدد من المجلات والصحف المعروفة، وصدرت له عدة كتب أولها "مواد غذائية ومجاعة عالمية" عام 1986م، وآخرها عن منظمة "آتاك.. ماذا يريد خصوم العولمة؟" وكريستياني جريفي التي تشابه سيرة حياتها تخصصا وعملا سيرة حياة شريكها في تأليف هذا الكتاب، في تسعة فصول.

في العنوان الثاني للكتاب "إما العدالة أو الانتحار.. مستقبل العولمة" ما يرمز إلى مفترق الطرق الذي وصلت العولمة البشرية إليه، ويتكرر هذا التحذير ضمن الكتاب أكثر من مرة بعبارات مشابهة، أبرزها التخيير بين تحقيق تعاون عالمي أو التعرض لكوارث كبرى.

وفي هذه الأثناء ظهرت أبعاد أولى لتلك الكوارث فيما يوصف بأنه أزمة مالية عالمية، كما تنبأ بها الكاتبان، وقد وضعاها على رأس قائمة ما ينتظر، وتليها كوارث أخرى نتيجة الانقسامات الطبقية الاجتماعية، والتبدل المناخي، ونقص الموارد الطبيعية.

لهجة التحذير الغالبة على الفصل الأول تخصيصا لا تعني التخويف أو التيئيس والتسليم بما يجري بذريعة استحالة التحرك المضاد، كما قد يوحي "حجم" الكوارث المنتظرة، بل يجب -حسبما يفصل الكاتبان في الفصل التاسع والأخير- العمل للحيلولة دون وقوع الكوارث، وذلك ممكن، شريطة عدم الانتظار، إذ يعتقدان بأن قابلية التحرك في الوقت المناسب محدودة بما يتراوح بين 10 و15 عاما قادمة فقط.

مثل هذه الأقوال تجد مصداقية عالية، لاسيما أن أحد الكاتبين سبق أن تنبأ في كتاب "فخ العولمة" قبل 12 عاما بكثير من المعالم الخطيرة لمسيرة العولمة، وهي معالم أصبحت في هذه الأثناء جزءا مشهودا على أرض الواقع، لاسيما ما يتجسد في اضمحلال مفعول الرقابة السياسية على صناعة القرار المالي والاقتصادي، حتى وصل الأمر إلى مستوى وقوع الكارثة المالية الحالية انطلاقا من الانهيارات المصرفية الأميركية.

"
تجنب كوارث العولمة يفرض التعاون العالمي، في حين أن العقبات تزداد في وجهه نتيجة ازدياد الهوة الفاصلة بين الكاسبين والخاسرين من مسيرة العولمة
"
إدانة مسيرة العولمة
وبين الفصلين الأول والتاسع يستوفي الكاتبان ما يطرحانه من رؤى وشواهد على ما صنعته العولمة في واقع البشرية، بسرد عدد كبير من الأدلة والأرقام والأمثلة العملية، فلا يمكن اتباع أسلوب الإيجاز في عرض كافة محتويات الكتاب، وكل فصل منه يمثل دراسة منهجية مستفيضة.

وعناوين الفصول التسعة هي على التتالي:
- مع العولمة نحو الحضيض.. عصر جديد لقيامة العولمة ونُذر التاريخ.
- عالم الميكادو.. عولمة طبقة المستهلكين وتفكيك السيادة الوطنية.
- بيت عالمي من ورق.. كارثة القروض الأميركية وفوضوية الأسواق المالية العالمية.
- من يزرع انعدام المساواة.. نشر الفقر في الطبقة المتوسطة والعزوف عن العولمة.
- حرب على الموارد تحت مظلة الاحتباس الحراري.. الكارثة المناخية القادمة والصراع على مكان للعيش.
- الانطلاق نحو أسطورة بيئية.. المعركة الدفاعية لصناعات الطاقة القديمة وتلاؤم الرأسمالية مع البيئة.
- المواطن العالمي قوة عالمية.. أممية جديدة وابتكار ممارسة الحكم من تحت.
- التناقض في الأمم المتحدة.. انهيار المؤسسات الدولية ومبتكرات الحكم العالمي.
- إما حرب عالمية أو مجتمع عالمي.. ثغرات الضعف في الاقتصاد المعولم ومسؤولية الأوروبيين.

كأنما نقرأ عناوين لسلسلة من أفلام الرعب، ومحتويات الفصول أشبه ما تكون بذلك فعلا، ولكن لا مجال للتوهم أنها من إبداع الخيال.

فجميعها متميز بأسلوب موضوعي، يدعمه التوثيق المنهجي، بدءا بالفصل الأول الأشبه بمقدمة تاريخية، تستعرض ما اتخذ في أوروبا شكل العولمة قبل أكثر من مائة عام، وتقارن بين ما كان مع بداية القرن الميلادي العشرين وما شهدته الأعوام العشرون الماضية، انبهارا بإنجازات تقنية، وتوظيفا لها لمضاعفة العائدات المالية والاقتصادية، وتضخما للثراء الفردي، إضافة إلى ما كان لبريطانيا من موقع مهيمن عالميا شبيه بموقع الولايات المتحدة الأميركية الآن.

آنذاك انتهت مسيرة العولمة إلى كوارث تطرح السؤال عن احتمال إخفاق مماثل الآن، ولكن مع فارق كبير وخطير، يظهر للعيان عند التأمل في تنامي العلاقات العالمية المتشابكة، وازدياد نسبة التأثير المتبادل بين أقاصي الأرض، علاوة على أنّ تجنب كوارث العولمة يفرض التعاون العالمي بينما تزداد العقبات في وجهه، نتيجة ازدياد الهوة الفاصلة بين الكاسبين والخاسرين من مسيرة العولمة.

ويورد الكاتب سلسلة من الشواهد على ما صنعته العولمة عبر الحدود، أبرزها تخفيض مستوى الأجور في الصين لتحقيق مكاسب أكبر عبر استيراد المنتجات وإقامة منشآت الإنتاج، على نقيض مزاعم سابقة بشأن حرص الصين على أجور منخفضة لتغزو الأسواق العالمية.

ومن جهة أخرى يعطي الكتاب مساحة واسعة لاستعراض مسيرة الصين الاقتصادية، أو ما يوصف بالمعجزة الاقتصادية الصينية، ويسميه الكاتبان "الرأسمالية الموجهة"، لأن الصين لم تطلق يد المؤسسات المالية والمصرفية في ظل ما أقدمت عليه من تحرير الإنتاج والاستهلاك تدريجيا.

ويورد الكاتبان شواهد وأمثلة عديدة على عنصر "التوجيه" منذ "الانفتاح" على الغرب والرأسمالية، ويعتبران ذلك هو السبب الذي يفسر عدم تعرض الصين في حلقات مسلسل نموها الاقتصادي المتتابعة لأزمات مالية واقتصادية، كالتي تعرضت لها دول ناهضة أخرى تبنت الرأسمالية المنفلتة من رقابة الدولة.

"
زهاء خمسين ألف شخص يتحكمون في حركة رؤوس الأموال، فهم يُمْلون على العالم أجمع، بحكوماته وقطاعاته الاقتصادية، ما ينبغي أن يصنع
"
تشابك العلاقات وتفاقم الأخطار
تأكيدا على أثر التشابك في العلاقات المالية يظهر كيف أصبح لبعض الشركات الصغيرة في الأصل مفعول شركات عالمية، مثل شركة "ميناء دبي العالمية" وما اكتسبته من مواقع متقدمة على صعيد إدارة الموانئ البحرية عالميا.

كما يظهر أيضا عبر ارتفاع احتياطي الصين من الدولار الأميركي، فما كان يعرف بتوازن الرعب النووي المتبادل في الحرب الباردة، تلاشى لصالح توازن الرعب المالي المتبادل، فيكفي بيع ذلك الاحتياطي فجأة لتندلع أزمة مالية واقتصادية لا حدود لها في الولايات المتحدة.

وساهم التشابك في العلاقات في ازدياد تأثير العنصر الاقتصادي والمالي على العامل السياسي في صناعة القرار، كما يراه الكاتبان في أمثلة عديدة، بعضها إيجابي كتهدئة نزاعات كانت مزمنة أو بدت مستعصية على الحل، مثل النزاعات الصينية الأميركية، والهندية الصينية، والروسية الأوروبية.

وتقابل ذلك شمولية المخاطر المترتبة على صناعة القرار المحلي، فمنها ما يكمن مثلا في الارتفاع الكارثي لحجم القروض على الدولة الأميركية، ومنها ما بات ظاهرا للعيان كآثار "السياسة الفوضوية الأميركية" في الأسواق المالية العالمية، حتى أصبحت معاملاتها خارج نطاق الرقابة على الحدود السياسية وغير السياسية.

وقد أوجدت المصارف والمؤسسات المالية العابرة للقارات شبكةً من العلاقات فيما بينها تتقلب فيها ألوف المليارات، وتخترق مختلف الحدود من قبل أن يتحقق شبيه ذلك عبر الشبكة العنكبوتية.

هذا علاوة على تضخم رؤوس الأموال وما يعنيه ذلك من تضخم قيمة القروض الذي كان حصيلة حلقة مفرغة شيطانية، أطلقت عنانها موجة تحرير المعاملات المالية والعولمة من مختلف القيود.

وفي الوقت نفسه ظهر قدر ضخم من رؤوس الأموال السائلة التي لا ترتبط بها أي قيمة نوعية في واقع الحياة الاقتصادية أو الاستهلاكية.

يعني ذلك في الحصيلة أن زهاء خمسين ألف شخص يتحكمون في حركة رؤوس الأموال، فهم يُمْلون على العالم أجمع، بحكوماته وقطاعاته الاقتصادية ما ينبغي أن يصنع، حتى أصبحت كل شركة كبرى معرضة لسقوط مالي خطير ما لم يحقق مديرو الأعمال فيها أقصى درجة من الربح المادي لصالح أصحاب الثروات الذين يرفعون فوق رأسها سيف التهديد بما يتوافر لديهم من رؤوس أموال "عائمة" قادرة على ابتلاعها في أي لحظة.

ويعدد المؤلفان أمثلة عديدة على ذلك، إفلاسا وإنقاذا من الإفلاس، وسعيا من جانب الحكومات والأحزاب لإرضاء أصحاب المال والثروات.

ولا حاجة إلى مزيد من التفصيل حول ما يسرده الكتاب بالأسلوب المنهجي نفسه عن نتائج مسيرة العولمة المالية والاقتصادية على أرضية الواقع البشري، بدءا بزحف الفقر من الطبقات الفقيرة في الأصل إلى أعماق ما كان يوصف في العالم الرأسمالي بالطبقة الوسطى، مرورا باستهلاك ضرائب النسبة الأكبر من السكان لتضخيم أرباح طبقة الأثرياء إلى درجات أسطورية، انتهاء بالمخاوف من التقلبات المناخية المثيرة للصراع على الموارد الطبيعية بدلا من السعي لاتباع سياسات وقائية أصبحت تمثل ضرورة أمنية ملحة من أجل مستقبل البشرية.

وهنا بالذات أصبح البحث عن مخرج من كارثة مناخية يتخذ صيغة "جولات صراع مناخية" تشغل عن بذل الجهد الضروري والجاد، من خلال دعاية مخادعة عن حلول جزئية لا تجدي، كالترويج للطاقة النووية مجددا، أو نشر زراعة الوقود البيئي، علاوة على اتباع أسلوب الجمع بين حوار عالمي في مؤتمرات كبرى، وتأجيل تنفيذ الإجراءات الملحة على المستويات الوطنية.

"
الولايات المتحدة هي دولة المنشأ لما صنعته مسيرة العولمة، ولا يبدو أنها قادرة على الإفلات من نتائجها، ولا يتوقع الحصول على طوق النجاة للبشرية من قوى دولية ناهضة، فلا يبقى سوى الاتحاد الأوروبي
"
مخرج أوروبي؟
"الفراغ الديمقراطي" الناجم عن اضمحلال مفعول رقابة السلطات السياسية على صانع القرار المالي والاقتصادي، لا يعوضه تحرك على مستويات أخرى دون مستوى النخب السياسية، كما يرى الكاتبان فيما يذكرانه تحت عنوان "المواطن العالمي كقوة دولية" وبعض ما يبذل من جهود متفرقة على الأصعدة الشعبية والمنظمات غير الحكومية.

ولكن يستبعد الكاتبان أيضا العثور على مخرج عبر الأمم المتحدة ومؤسسات ومنظمات دولية كبرى بما فيها صندوق النقد الدولي والمصرف المالي العالمي وحتى مجموعة الثماني، ويعددان سلسلة من الشواهد الدالة على عدم جدوى الاعتماد عليها في مواجهة كوارث بدأت تنتشر بالفعل.

أصبحت الطرق إذن مسدودة، والمسؤولية في ذلك على مسيرة العولمة، أما خطر النتائج فشامل للبشرية، وجميع ذلك يجعل ما عرضه الكاتبان أشبه بنفق مظلم، ولكنهما يعطيان في الفصل الختامي "بصيص ضوء" على الأقل، تأكيدا لما بدأ الحديث عنه في الفصل الأول، من أن الوضع غير ميؤوس منه، ولكنه يتطلب التحرك الفعال الآن، قبل فوات الأوان.

الولايات المتحدة الأميركية هي دولة المنشأ لما صنعته مسيرة العولمة حتى الآن، ولا يبدو أنها قادرة على الإفلات من نتائجها، ولا يتوقع الحصول على طوق النجاة للبشرية من قوى دولية ناهضة، فلا يبقى وفق رؤية الكاتبين سوى الاتحاد الأوروبي، الذي ما يزال يملك ما يكفي من الطاقات والقليل من الفرص لاستعادة زمام السيطرة، وإيجاد أسس جديدة للتوازن العالمي.

ويبدو ما يطرحه الكتاب بهذا الصدد قريبا مما بدأ يتردد على الساحة الدولية حديثا من مطالب أوروبية بشأن ضبط الرقابة على حركة رؤوس الأموال والاستثمارات والمضاربات والقروض تحت عنوان إعادة النظر في القواعد الأساسية للنظام المالي العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو ما لم يجد أكثر من تجاوب أميركي تعميمي، مشروط بالحفاظ على قاعدة "الحرية الفردية" أو "الحرية الرأسمالية".

ويعتبر كتاب "العد العكسي عالميا" وثيقة تصلح للطرح في محاكمة عالمية للمسؤولين عما صنعته مسيرة العولمة انطلاقا من هذه القاعدة بالذات (الحرية الفردية والحرية الرأسمالية) ومن توظيفها لوضع المصلحة الفردية الأنانية فوق كل اعتبار آخر.

المصدر : الجزيرة