خاص-الجزيرة نت
كتاب "صعود باراك أوباما ومستقبل السياسة الخارجية الأميركية" هو الإصد
ار الثاني لمركز الجزيرة للدراسات للباحث علاء بيومي عن مواقف مرشحي الرئاسة الأميركية الرئيسيين من قضايا العالم العربي الرئيسية.

-الكتاب: صعود باراك أوباما ومستقبل السياسة الخارجية الأميركية
-المؤلف: علاء بيومي
-الصفحات: 131
الناشر: مركز الجزيرة للدراسات, الدوحة
-الطبعة: الأولى/2008
وقد صدر الكتاب الأول "جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد" في أواخر شهر أغسطس/آب، أما الكتاب الثاني فقد صدر في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني الحالي ليتزامن مع فوز أوباما في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

الكتاب الذي نحن بصدده يتكون من ثلاثة فصول يتناول أولها حالة الحزب الديمقراطي الأميركي قبيل الانتخابات الرئاسية الأميركية وأهم التيارات الفكرية والأيديلوجية المتنازعة داخل الحزب وموقفها من السياسة الخارجية الأميركية.

ويتناول الفصل الثاني أوباما الإنسان والمرشح الرئاسي، حيث يتعرض إلى جذور أوباما ونشأته والعوامل التي ساهمت في تكوينه وتكوين نظرته إلى العالم، كما يتناول قصة صعوده السياسي منذ تخرجه من الجامعة وحتى فوزه بترشيح الحزب الديمقراطي له في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة.

تحول أوباما من المثالية إلى الواقعية
ويؤكد الفصل الثاني في خلاصته إمكانية رصد تحول واضح في مواقف أوباما السياسية بعد ترشحه للرئاسة الأميركية في أوائل عام 2007، حيث يرصد الكتاب التحليلات التي تناولت أوباما بوصفه إنسانا قبل ترشحه للرئاسة الأميركية والتي أبرزت الجانب الرومانسي والمثالي في شخصية أوباما ونظرته للسياسة الخارجية وللعالم.

كما يرصد أيضا تحول أوباما بشكل تدريجي منذ أن صار مرشحا رئاسيا إلى تبني رؤى أكثر براغماتية وواقعية، ويقول المؤلف علاء بيومي إن تحول أوباما هذا يرجع إلى أربعة أسباب رئيسية يتناولها بالتفصيل، وهي:

أولا: أوباما نفسه، فهو سياسي من خلفية غريبة لم يعتد عليها الناخب الأميركي مما سهل مهمة خصومه في إشاعة الأكاذيب الموجهة لحملته، كما أن أوباما قليل الخبرة خاصة على ساحة السياسة الخارجية، ونتيجة لذلك حرص أوباما منذ بداية مسيرته السياسية وبسبب خلفيته غير التقليدية على تبني سياسات وسطية وتقليدية وأن يبتعد عن التشدد حتى لا يوصم كغيره من السياسيين الأفارقة الأميركيين بالتشدد أو بالعداء لأميركا وقيمها ونظامها.

"
أوباما سياسي من خلفية غريبة لم يعتد عليها الناخب الأميركي مما سهل مهمة خصومه في إشاعة الأكاذيب الموجهة لحملته، كما أنه قليل الخبرة خاصة في السياسة الخارجية، ونتيجة لذلك حرص أوباما على تبني سياسات وسطية وتقليدية وابتعد عن التشدد
"
ثانيا: موقف الحزب الديمقراطي من أوباما، حيث يصور المؤلف الحزب الديمقراطي على أنه حزب منقسم بين "يسار جديد" انعزالي يرفض الحروب ويريد سياسات داخلية تميل إلى الفقراء والمهاجرين والأقليات، و"ليبراليين جدد" وهم تيار تدخلي على مستوى السياسة الخارجية أيد عدد كبير من قادته حرب العراق ويريد سياسات داخلية تجذب الطبقة المتوسطة البيضاء.

ويقول المؤلف إن انقسام الحزب الديمقراطي تاريخي يعود للستينيات، وإنه مستمر ولم يهدأ حتى يومنا هذا، وإنه عطل فوز أوباما بترشيح الديمقراطيين حتى أوائل شهر يونيو/حزيران الماضي، ودفعه إلى الدخول في حرب "تكسير عظام" بينه وبين هيلاري كلينتون التي لم تتردد هي وزوجها في كيل أقسى الاتهامات لأوباما، حتى رأى كثيرون أن هيلاري رسمت للمرشح الجمهوري للرئاسة جون ماكين المنهج المثالي لمهاجمة أوباما ونقده وأنه لم يعد أمام ماكين سوى تطبيق هذا المنهج.

ثالثا: موقف الجمهوريين واليمين الأميركي من أوباما وهجومهم الشرس عليه واعتمادهم على سياسة التخويف من الشعوب الأجنبية والأقليات والمهاجرين والأصوات الليبرالية الناقدة للسياسات الأميركية، حتى إن الرئيس بوش لم يجد غضاضة في نقد أوباما في خطاب ألقاه أمام الكنيست الإسرائيلي، كما وصف جون ماكين أوباما بأنه مرشح حماس المفضل، ولم يتردد الجمهوريون بصفة عامة في كيل الاتهامات لأوباما ونعته بأسوأ الصفات وأكثرها تشويها لسمعته.

رابعا: لوبيات واشنطن وجماعات المصالح التي تعلي مصالحها الفئوية على الصالح الأميركي العام وتريد سياسة أميركية تتطابق مع مصالحها في صورتها المتشددة لا في صورتها المعتدلة القابلة للحوار، فعلى الرغم من وجود يسار ويمين في إسرائيل وتكتلات تميل للسلام وأخرى تعارضه، عبّر أوباما –خلال الانتخابات وفي مواجهة الشائعات التي اتهمته بالعداء لإسرائيل- عن خشيته ممن يحاولون المطابقة بين سياسة أميركا تجاه إسرائيل وسياسة الليكود الإسرائيلي.

ويقول المؤلف إن هذه العوامل الأربعة ساهمت مجتمعة في دفع أوباما إلى تبني منحى أقل مثالية وأكثر واقعية في مواقفه السياسية المختلفة منذ أوائل عام 2007، ويتساءل في بداية الفصل الثالث والأخير حول ما إذا كان التطور الهام السابق قد انعكس بشكل واضح على مواقف أوباما تجاه قضايا العالم العربي الرئيسية كحرب العراق وعملية السلام وموقف أوباما من إيران وقضية الديمقراطية والدول العربية الكبرى والإساءات التي يتعرض لها المسلمون والعرب في أميركا.

تناقضات أوباما 

"
من تناقضات أوباما موقفه الراغب في الحوار مع إيران ولكنه -تحت ضغط الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء- أكد صرامته في التعامل مع طهران وعدم استبعاده الحرب باعتبارها خيارا أخيرا
"
ويحرص الفصل الثالث من الكتاب في تناوله لمواقف أوباما تجاه العالم العربي على التمهل في إصدار الأحكام وتتبع النواحي المختلفة لمواقف أوباما تجاه القضايا العربية وتطور تلك المواقف، فمنهج الفصل يقوم على التوثيق والرصد ويترك الحكم لخواتيم أقسامه المختلفة.

لذا يرصد الفصل تناقضات مختلفة في مواقف أوباما، فعلى سبيل المثال عارض أوباما حرب العراق قبل بدايتها ووعد بسحب القوات الأميركية من العراق خلال 16 شهرا، غير أنه يريد أن يبقي على عدد محدود ولكنه ليس محددا من القوات الأميركية في العراق لفترة غير محددة للقيام بمهام أمنية محدودة ولكنها غير محددة أيضا، كما يبدو أوباما في كثير من الأحيان قانطا من تحسن الأوضاع في العراق ويريد سحب القوات الأميركية منها في أسرع فترة بعدما باتت تمثل عبئا على قدرات أميركا العسكرية عبر العالم.

وفيما يتعلق بإيران أعلن أوباما موقفه الراغب في الحوار معها، ولكنه تحت ضغط الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء أكد على صرامته في التعامل مع إيران وعدم استبعاده الحرب باعتبارها خيارا أخيرا.

كما طالب أوباما بالاعتراف بالقدس عاصمة "غير مقسمة لإسرائيل" وبعزل حماس ورفض جهود الحوار الوطني الفلسطيني في الوقت الذي يعارض فيه الجدار العازل وحصار غزة ويطالب بتسريع عجلة السلام مع سوريا والسلطة الفلسطينية.

وعلى صعيد العلاقة مع الدول العربية يرفض أوباما سياسة تغيير النظم بالقوة ويرى أن الديمقراطية نتاج داخلي يتطلب عقودا لزرعه من الداخل في المجتمعات المختلفة، ولكنه ينظر سلبيا لسجل الدول العربية الكبرى الديمقراطي ويوجه انتقادات خاصة للسعودية في مجال حقوق الإنسان وبسبب ثروتها النفطية.

أما على صعيد صورة العرب والمسلمين في أميركا، فيشير الكتاب إلى أن أوباما على الرغم من خطابه الإيجابي عن الإسلام لم يفعل الكثير لمواجهة موجة الشائعات الخاصة بجذوره المسلمة والتي تضمنت إساءات بالغة للإسلام والمسلمين، إذ فضل أوباما النأي بنفسه عن كل ما هو إسلامي ومسلم خلال الانتخابات الرئاسية بدلا من مواجهة تلك الشائعات بجرأة.

سيناريو مستقبلي 

"
سوف يحتل العراق المكانة الأولى بين أولويات السياسة الأميركية، فالعراق بالنسبة لأوباما هو مفتاح تغيير السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط بعدما أرهق موارد أميركا الاقتصادية وصورتها
"
ويقول المؤلف إن التناقضات السابقة لا تخفي حقيقة أن الإطار العام لسياسات أوباما الخارجية ليبرالي أكثر ميلا إلى رفض الحرب وإلى تغليب الدبلوماسية على المواجهة وإلى توثيق التحالفات والمعايير الدولية والتعاون الدولي.

وفي الإطار السابق يؤكد المؤلف صعوبة التنبؤ بمواقف أوباما الحقيقة بسبب ضعف سجله السياسي مما سيجعل لمستشاريه تأثيرا كبيرا عليه، ولكن هذا لم يمنع المؤلف من محاولة التنبؤ بالإطار العام لسياسة أوباما بالشرق الأوسط خلال إدارته الأولى، حيث يقدم الكتاب في خاتمة الكتاب السيناريو التالي:

أولا: سوف يحتل العراق المكانة الأولى بين أولويات السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، فالعراق بالنسبة لأوباما هو مفتاح تغيير السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط بعدما أرهق موارد أميركا الاقتصادية وصورتها.

لذا يصف الكتاب الفترة الأولى من ولاية أوباما بأنها فترة انتقالية يريد فيها التخلص من إرث إدارة الرئيس بوش خاصة في العراق حتى يتفرغ لتطبيق رؤيته الحقيقية للسياسة الخارجية الأميركية.

ثانيا: تأتي إيران في المرتبة التالية بين أولويات أوباما في الشرق الأوسط، فهي أكبر تهديد متنام لمصالح أميركا وحلفائها العرب وإسرائيل في الشرق الأوسط، لذا يريد أوباما التفرغ لإيران لإثنائها عن برنامجها النووي بكافة السبل على أن يغلب الحوار والدبلوماسية في البداية، مع التحرك سريعا لعقوبات قاسية على إيران في حالة عدم انصياعها للرغبة الأميركية.

ثالثا: إيجاد حل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي لا يبدو أنه أولوية على سياسات أوباما الشرق الأوسطية، بسبب ما قد يتطلبه هذا الحل من ضغوط أميركية على إسرائيل، وبسبب نفوذ لوبي إسرائيل داخل واشنطن.

لذا لن يسعى أوباما لإيجاد حل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي بقدر سعيه لتحريك عملية السلام من خلال تشجيع السلام مع سوريا ولبنان ودعم السلطة الوطنية الفلسطينية والاستمرار في عزل حماس وحزب الله ودفع الدول العربية في اتجاه التطبيع ومساعدته في تطبيق أولوياته السابقة.

وهنا يمكن القول إن أوباما ربما لا يتعجل ويسعى لمناقشة قضايا الحل النهائي في بداية ولايته الأولى، بل قد يفضل أن يترك أمرا صعبا كهذا إلى ولايته الثانية.

رابعا: لن يضع أوباما قضية نشر الديمقراطية بالدول العربية بين أولوياته، وسوف يفضل في المقابل أن يتحدث عن انتهاكات حقوق الإنسان داخل الدول العربية -خاصة في دولة كالسعودية التي يخصها بقدر كبير من نقده حاليا- وأن يربط أوضاع حقوق الإنسان والديمقراطية بالمساعدات الأميركية في حالة دول مثل مصر، وإن كان هذا يبدو مستبعدا في بداية عهد أوباما بسبب حاجته لتعاون الدول العربية في حل مشاكل العراق ومواجهة إيران.

"
السنوات الأولى من ولاية أوباما سوف تكون انتقالية يركز فيها على حل المشاكل التي تمثل تهديدا لأمن أميركا وعلى رأسها العراق وإيران، على أن يدفع عجلة السلام إلى الأمام ويتبنى سياسات واقعية تجاه الدول العربية الكبرى
"
خامسا: من المتوقع أن يتبنى أوباما دبلوماسية نشطة تجاه العالم الإسلامي ويقوم بتفعيل أدوات الدبلوماسية العامة، ولكنه قد يقوم بذلك بأسلوب غير مباشر من خلال تقديم المساعدات في مجالات كالتعليم والصحة ومكافحة الفقر، ومن خلال التركيز على العمل مع دول إسلامية غير شرق أوسطية سعيا منه للهروب من النقد الذي قد يواجهه إذا ما حاول التقرب من دول المركز بالعالم العربي والإسلامي.

فقد يفضل أوباما دخول العالم الإسلامي من خلال التعاون مع دول كتركيا ودول شرق آسيا المسلمة كإندونيسيا، ودول جنوب الصحراء الأفريقية المسلمة، فتعاونه مع تلك الدول قد يكسب سياساته تعاطف قطاعات واسعة من الشعوب الإسلامية دون أن يثير عليه غضب لوبيات واشنطن التي تركز في رؤيتها للعالم الإسلامي على العالم العربي.

في النهاية يقول المؤلف إن السنوات الأولى من ولاية أوباما سوف تكون انتقالية يركز فيها على حل المشاكل التي تمثل تهديدا لأمن أميركا وعلى رأسها العراق وإيران، على أن يدفع عجلة السلام إلى الأمام ويتبنى سياسات واقعية تجاه الدول العربية الكبرى أملا في أن يحصل على دعمها في مواجهة إيران وفي دعم استقرار العراق.

وقد تتغير تلك السياسات بمرور الوقت إذا حقق أوباما أهدافه السابقة ونظرا للدور الهام الذي سوف يلعبه مستشاروه في ظل قلة خبرة الرئيس السياسية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك