عرض/حسين عبد العزيز
التفوق العرقي سمة عامة للحالة البشرية، إنه النظير الذي يجسد المركزية الإثنية على مستوى مجموعة التركيز على الذات التي تحفظ الروح الفردية.

غير أن مفهوم الأوروبيين بأنهم يمثلون نظاما مختلفا للكائنات لم يكن مجرد نزعة للتركيز العرقي على الذات، بقدر ما جاء استنادا إلى منجزات عصر النهضة الأوروبية والثورة العلمية ومرحلة التنوير، ولكن عندما كانت هذه المنجزات حديثة العهد عاد الأوروبيون بجذورها إلى عصور سبقت تكمن في عمق هيكل الثقافة، في التراث الذي تناهى من الإغريق.

- الكتاب: الشرق في الغرب
- المؤلف: جاك غودي
- ترجمة: محمد الخولي
- الصفحات: 579
- الناشر: المنظمة العربية للترجمة، بيروت
- الطبعة: الأولى/2008

العقلانية في الميزان
غالبا ما كان صعود الغرب مرتبطا في أذهان الغربيين بامتلاك نزعة عقلانية ليست متاحة للآخرين، وقد اتخذ هذا المفهوم شكلين رئيسيين، حيث ينظر التراث الإنساني الكلاسيكي إلى ذاته وكأنه وريث العقلانية الإغريقية، وخاصة ما يتصل بابتكارها علم المنطق، وثمة خط آخر يركز على مرحلة لاحقة هي عصر النهضة التي تتسم بعقلانية مادية.

هذا الطرح الغربي لا يبدو عقلانيا من وجهة نظر مؤلف الكتاب الذي يفند هذا الاتجاه بالقول إن العقلانية بصورة عامة أو العقلانية بصورة خاصة (المنطق) هما خاصيتان تتسم بهما الثقافات كلها.

يبدأ المؤلف بالتأكيد أن هذا الشكل المتخصص من العقلانية (المنطق) ليس مقصورا على اليونان وحدهم، بل إنه كان موجودا في مجتمعات المعرفة الأخرى في الشرق الأدنى وآسيا، بحيث لا يمكن لأوروبا أن ترى نفسها وكأنها المستفيد الأوحد في هذا الصدد.

وقد بين جاك غودي مؤلف الكتاب عبر مقارنة الإجراءات والجداول القياسية أن بلاد ما بين النهرين والهند والصين واليابان شهدت أشكالا من القياس المنطقي، وإن كان مختلفا إلى حد ما عن القياس اليوناني.

لكن الأشكال المكتوبة من الإجراءات الشفاهية للاستنتاج تنطوي على عنصر قوي من التماثل سواء في الشرق أو الغرب، وعليه يمكن أن يكون هذا كله قد نشأ بطريقة ما عن الصيغ التي شهدتها منطقة بلاد ما بين النهرين ثم انتشرت في كلا الاتجاهين، أو أنها تأثرت بفعل انتشار الفلسفة اليونانية شرقا.

لكن المؤلف يميل إلى ربط هذا التطور مع اعتماد الكتابة، وعليه فللشرق -بحسب المؤلف- أن يدعي كثيرا من الفضل على العديد من هذه المنجزات الإغريقية قدر ادعاء الغرب الذي أصبح بعد ذلك مهادا لتطور الرأسمالية الصناعية ولنظم المعرفة الحديثة.

العقلانية وعلم المحاسبة
بما أن العقلانية طبقت على الاقتصاد فلا عجب أن نجدها مرتبطة مع عملية مسك الدفاتر، ومثل هذا الاستخدام اعتبر إنجازا للعقلانية الأوروبية، وهو يدعم الربط الذي عمد إليه ماكس فيبر بين العقلانية وظهور الرأسمالية والبيروقراطية في أوروبا.

ويتساءل المؤلف هنا لماذا ينظر إلى هذه المحاسبة الرأسمالية على أنها شكل أساسي يقتصر وجوده على العالم الغربي؟ ومع اعترافه بأن أوروبا قدمت في مراحل مبكرة مساهمات هامة سواء إلى عمليات مسك الدفاتر أو أشكال الشراكة، يؤكد المؤلف أن ثمة روادا يمكن متابعتهم في مراحل مبكرة أكثر في الشرق الأدنى وما يليه من أصقاع.

"
الاعتراف بقيمة الكتابة في النشاط الاقتصادي في أوروبا لم يكن مقتصرا بالتأكيد على تلك القارة، لأن هناك تعاليم مماثلة في القرآن
"
وما يبدو كأنه صعود مفاجئ لهذه المؤسسات في أوروبا في ذلك الوقت لا بد من النظر إليه في ضوء خلفية انهيار التجارة في الشمال الذي انعكس مساره جزئيا نتيجة تجدد الصلات مع الشرق وممارسته التجارة.

فالتطورات الأوروبية في مجال القيد المحاسبي في الدفاتر اتصلت بتاريخ التجارة في البحر الأبيض المتوسط، وتم اكتساب أسس الحروف الهجائية من الثقافات التجارية السامية.

أما الواردات المسجلة التي تلقتها اليونان القديمة من الشرق الأدنى فكانت سورية قبل أن تكون فينيقية وشملت أشكالا من البرونز تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد واتسمت بالنوعية نفسها التي وجدت في إيطاليا.

إن الاعتراف بقيمة الكتابة في النشاط الاقتصادي في أوروبا لم يكن مقتصرا بالتأكيد على تلك القارة، فهناك -كما يقول مؤلف الكتاب- تعاليم مماثلة في القرآن "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله" إلى قوله "ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا".

وبالإضافة إلى القيد المحاسبي لعبت الشراكات دورا مهما في تطور التجارة، وقد عرفت أوروبا نوعين من هذه الشراكات: الأولى عائلية والثانية تعاقدية.

وكانت هاتان المؤسستان ملازمتين بشكل أو بآخر لأكثر العمليات التجارية تعقيدا، كما أنهما ترجعان إلى مراحل تاريخية بعيدة ولو لم تتسم بالشكل القانوني نفسه.

فقد أنشأ النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) نفسه شراكة مع زوجته خديجة، إذ كان الشريكان متساويين، بحيث يقدم أولهما رأس المال والآخر يدير العمل التجاري، وكان هذا شكلا من أشكال الاستثمار الرأسمالي مزودا بتقدير رأسمالي للحسابات.

وبناء عليه يرى المؤلف أن محاولات بعض الأوروبيين اعتبار الشراكة أيضا اختراعا غربيا فيه قصر نظر تاريخي وسوسيولوجي، لأن ما نجده في أوروبا ليس سوى إعادة ميلاد مؤسسة كانت قد وجدت بأشكال شتى في الشرق الأدنى.

التجارة والاقتصاد بالهند في القرون الوسطى
إن الشروط الاقتصادية والمسبقة من أجل الانطلاق التي شهدتها أوروبا كانت موجودة منذ حقب من التاريخ أسبق بكثير مما يقول به المؤرخون المحدثون.

لقد نشأت طبقة من التجار كانت واسعة الانتشار وقوية النفوذ في كل أنحاء الشرق الأوسط في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، الأمر الذي ينطبق أيضا على جنوب آسيا وشرقها.

كانت الهند مشاركة في مراحل زمنية أقدم في تجارة بحرية واسعة النطاق، وتحولت الهند الجنوبية من القرن الأول قبل الميلاد من مرحلة ما قبل التاريخ إلى مرحلة التاريخ.

"
الشروط الاقتصادية والمسبقة من أجل الانطلاق التي شهدتها أوروبا كانت موجودة منذ حقب من التاريخ أسبق بكثير مما يقول به المؤرخون المحدثون
"
وكان موقع أريكاميدو الروماني على ساحل الهند الشرقي يبدو وكأنه يشارك في تصدير المنسوجات والجواهر والتوابل والحيوانات إلى البحر المتوسط.

ولم تكن هذه أول مساهمة هندية في التجارة، إن الموقع القديم من لوتال في غوجارات ضم ما يمكن أن يوصف بأنه حوض بحري كبير يرجع إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد ويظن أن هناك شفرات حجرية وحبات من الخرز كانت تصنع.

واتسعت تجارة غوجارات إلى الغرب من المحيط الهندي قبل افتتاح الطريق المباشر إلى أوروبا، وإلى الجنوب تاجروا كذلك مع المالديف.

أما بالنسبة للتجارة مع الشرق الأقصى فكان هناك اختلاف في الآراء حولها، إذ ذهب بعض المؤرخين إلى أن الشرق الأقصى كان خاضعا لسيطرة العرب عام 1498 في حين ذهب البعض الآخر إلى أن الصين كانت تمتلك أقوى أسطول بحري في المحيط الهندي، ويذهب مؤرخون آخرون إلى وجود تقسيم بين العرب في النصف الغربي وبين الهنود في النصف الشرقي.

لقد درجت الازدواجية أو الثنائية التي قال بها كثير من النظريات الأوروبية المطروحة منذ مراحل مبكرة على أن تنكر على الهند حتى إمكانية التطور إلى النظام الأساسي.

ولكن طرأت في السنوات الأخيرة تغييرات على هذه المقولة وأبرز أنماط هذه التعديلات هو ما طرحه فهرو في كتابه "اكتشاف الهند" حيث رأى أنه في مرحلة الغزو البريطاني كانت الهند بلدا متطورا من ناحية التصنيع.

الأسرة والمشروع التجاري في الشرق
كثيرا ما ينظر إلى الدور الذي كانت تضطلع به صلة القرابة في المشاريع التجارية على أنه يرتبط بوجود الأسرة المشتركة، وهو شكل من الأسرة مختلف عن الأسرة النواة التي يعرفها المجتمع الصناعي الحديث.

يدخل العمل التجاري للأسرة المشتركة في نطاق الوحدة غير المنقسمة ويؤول إلى الورثة بمن فيهم من جاؤوا من بعيد، ولا يحول وجود مصالح مشتركة دون أن يعمل أفراد الأسرة في مشاريع خاصة بهم.

إن مواصلة الأسرة المشتركة العمل في المشاريع المشتركة لا يعود إلى التقاليد أو القصور الذاتي، ولكن إلى أنها تنطوي على ميزات تقدرها الأطراف الفاعلة حق قدرها.

ومع التحول إلى الإنتاج الصناعي الحديث استمرت هذه المشاريع تعمل بوصفها شركات عائلية، وعندما تحولت تلك الشركات إلى النطاق العام كان للأسرة أن تبقي على جزء كبير أو صغير من الأسهم، وكانت الطريقة المفضلة هي وكالة الإدارة.

كانت وكالة الإدارة اختراعا في شبه القارة الهندية، وفي بادئ الأمر كانت ثمة إخفاقات، ولكن منذ منتصف القرن التاسع عشر وضع هذا النظام على قواعد ثابتة يحكمها ميثاق يعرف بالوكالة، وهو شخصية أو هيئة من حقها إدارة شؤون الشركة.

لقد كان لهذه الروابط الأسرية الأوسع نطاقا دور أساسي في نجاح التجارة الهندية، وتدفع هذه النتيجة -حسب مؤلف الكتاب- إلى إعادة النظر في أطروحة علماء الاجتماع الأوروبيين القائلة بأن روابط القربى ذات النطاق الواسع تحد من التحديث.

"
الاتصال بين أوروبا وآسيا كان ملمحا يتسم به عالم اليونان منذ نهاية العصور المظلمة، لأن هذا العالم ومن قبله عالم المسينيين كان يمتد عبر بحر إيجه عند ساحل آسيا الصغرى
"
الصلات المبكرة بين الشرق والغرب
ترجع الصلات التي تربط الشرق والغرب إلى عالم بلاد ما بين النهرين، فقد شهدت تلك البلاد كثيرا من الملامح المشتركة لحضارة العصر البرونزي، وفيها مثلا كان مصدر المحراث والعجلة واحدا، ويذهب بعض الأنثروبولوجيين إلى تشابه النظام الاستوائي لمنازل القمر في مجال الفلك، والنظرية العامة لفيزيولوجيا الجهاز التنفسي في الطب.

لقد كان الاتصال بين أوروبا وآسيا ملمحا يتسم به عالم اليونان منذ نهاية العصور المظلمة، لأن هذا العالم ومن قبله عالم المسينيين كان يمتد عبر بحر إيجه عند ساحل آسيا الصغرى.

والحق أن المدن الآيونية الكبيرة كانت تقع على طول ساحل الأناضول، ويرجع ذلك إلى منتصف القرن الثامن قبل الميلاد، وربما تكون قد نشأت من المراكز التجارية الفينيقية.

أما كبرى مدن شرق اليونان التي كانت تواجه الساحل الآسيوي لبحر إيجه، فقد أصبحت مراكز مهمة للتجارة والتعليم، كما أن التبادل التجاري مع البحر الأسود جلب الحبوب وترك السكان أكثر حرية.

واشتهرت ميليتوس بالصوف والأثاث، فأصبحت واحدة من أهم مراكز أيونيا في البحث العلمي، إذ كانت وطنا لطاليس الذي يوصف بأنه مخترع الفكر العقلاني، لكن طاليس عمل فيما بعد تحت إمرة كروسوس الذي ارتقى عرش ليديا في آسيا الصغرى الأمر الذي قلل من مكانة المدن اليونانية باستثناء ميليتوس.

وبعد هزيمة ليديا أمام الفرس دخلت مع المراكز اليونانية التي تقع على الساحل الأيوني تحت السيطرة الفارسية، وهنا غادر بعض الأيونيين إلى الغرب مثل فيثاغورس وسافر بعضهم الآخر إلى الشرق، وقام البحارة اليونانيون بالإبحار إلى الساحل الغربي لأفريقيا.

وتؤكد هذه التحركات للعلماء أن المعرفة لم تكن مقصورة على أماكن وثقافات معينة.

ومن النتائج المهمة لاختلاط الثقافتين البابلية واليونانية في بابل وأوروك تطور علم الفلك، حيث أسهم البابليون في الحساب الرياضي، في حين ساهم اليونانيون بتدريبهم في مجال التفكير المنطقي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك