عرض/هيثم أبو زيد

لماذا يصدر كتاب موجه للقارئ العربي عن الانتخابات الأميركية, هل يستحق الأمر أن ينفق قارئ أو باحث عربي الوقت والجهد في فهم هذا الموضوع المليء بالتعقيدات الفنية والإجرائية؟ ما الذي يعود علينا نحن العرب من فهم تلك العملية المعقدة, التي لا يدركها بدقة كثير من الأميركيين أنفسهم؟

-الكتاب: كيف ينتخب الرئيس الأميركي؟
-المؤلفة: منار الشوربجى
-عدد الصفحات 295
-الناشر: مكتبة الشروق الدولية, القاهرة
-الطبعة: الأولى/2008

بهذه الأسئلة تبدأ أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة والخبيرة في الشؤون الأميركية الدكتورة منار الشوربجي كتابها الذي صدر في القاهرة منذ أيام مواكبا لذروة الحملة الانتخابية الرئاسية في أميركا.

ولتوضيح أهمية الإجابة على الأسئلة السابقة تقول المؤلفة رغم أن الولايات المتحدة لم تكف طوال تاريخها عن الحديث عن نشر الديمقراطية في العالم فإن هذا الطابع الرسالي قد ازداد في سنوات حكم بوش الابن, بل وصل إلى مستوى غير مسبوق كما وكيفا، وتركز في الواقع على عالمنا العربي بشكل خاص.

وإذا كان الدور الرسالي الأميركي يتركز في العالم العربي فإن الانتخابات التي تفرز الإدارة الأميركية تكتسب أهمية خاصة في المنطقة التي تتأثر تأثرا كبيرا بأداء سيد البيت الأبيض.

الإطار النظري
وقد تناولت المؤلفة طبيعة الانتخابات الرئاسية الأميركية من خلال تسعة فصول موزعة على بابين رئيسيين، تناولت في الأول منهما كل ما يتعلق بالإطار النظري للانتخابات الرئاسية الأميركية.

وتؤكد المؤلفة أن الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات يجعل من (الولايات) الناخب الحقيقي الذي يختار الرئيس، وليس الشعب الأميركي.

فتقول: عندما أعلنت المستعمرات الأميركية استقلالها عن إنجلترا في عام 1776 تم اللجوء للنظام الكونفدرالي لأن الولايات المنضمة للاتحاد لم تكن علي استعداد لقبول حكومة مركزية قوية تتنازل عن بعض صلاحيتها، وقد تمتعت تلك الولايات، في ظل الاتحاد الكونفدرالي باستقلالية كبيرة، بينما كانت حكومة الاتحاد نفسها ضعيفة للغاية، ومع الوقت تدهورت أوضاع الاتحاد بشدة.

وفي محاولة من جورج واشنطن لإنقاذ الاتحاد فقد دعا عام 1787 لمؤتمر يعقد في فيلادلفيا يحضره مندوبون من جميع الولايات، وتكون مهمته مراجعة بنود الكونفدرالية وتعديلها، إلا أن المجتمعين في فيلادلفيا لم يلتزموا بذلك الهدف المحدد، بل قاموا بوضع دستور جديد هو الدستور الحالي للولايات المتحدة الذي ألغي الكونفدرالية، وأنشأ نظاما فدراليا.

القرار الشعبي تحت السيطرة

"
من الغريب أن الآباء الأول الذين كتبوا دستور الدولة التي لا تكف عن الدعوة لنشر الديمقراطية في العالم كانوا غير واثقين بقدرة الشعب الأميركي على اتخاذ قرارات سليمة
"
من الغريب أن الآباء الأول الذين كتبوا دستور الدولة التي لا تكف عن الدعوة لنشر الديمقراطية في العالم كانوا غير واثقين بقدرة الشعب الأميركي علي اتخاذ قرارات سليمة، فقد كانوا علي قناعة بأن عموم الناس ليسوا بالضرورة قادرين علي إدراك الأفضل لمصلحتهم.

وتضيف المؤلفة لقد خشوا من سيطرة مشاعر لحظية علي هؤلاء العامة تؤدي إلي ما أطلقوا عليه "حكم الرعاع" ومن ثم يصبح من الضروري كبح جماح المشاعر الشعبية عبر خلق نظام يعطي الجماهير الحق في التعبير عن نفسها ومصالحها ولكنه يضع ذلك التعبير تحت السيطرة من جانب نخبة أكثر حكمة وقادرة على اتخاذ قرارات أفضل.

وللوصول إلى هذه الغاية اختار واضعو الدستور الأميركي أن يكون انتخاب الرئيس انتخابا غير مباشر, أي على مرحلتين الأولى هي الاقتراع العام من جانب الناخبين والذين يطلق على أصواتهم تعبير الأصوات الشعبية، والمرحلة الثانية هي المجمع الانتخابي والذي يطلق على أصوات أعضائه تعبير (الأصوات الانتخابية).

فلكل ولاية عدد من الأصوات الانتخابية أو المندوبين مساو لعدد أعضائها في مجلسى الشيوخ والنواب معا، وينتخب هؤلاء المندوبون وفق شروط يحددها المجلس التشريعي لكل ولاية، فولاية صغيرة كألاسكا لها ثلاثة أصوات انتخابية، بينما نجد أن ولاية كاليفورنيا لها 55 صوتا انتخابيا.

ومن ثم فإن مجموع أعضاء المجمع الانتخابي 538 (منتخبا)، وهو عدد ثابت لأنه مساو لعدد أعضاء مجلس الشيوخ (100 عضو) ومجلس النواب (435) فضلا عن ثلاثة أصوات لواشنطن العاصمة.

ويقوم انتخاب الرئيس عبر قاعدة مؤداها أن الفائز يحصل علي كل شئ “winner-take-all”، بمعنى أن المرشح الذي يحصل على أعلى نسبة من الأصوات الشعبية في الولاية يفوز بكل أصوات تلك الولاية في المجمع الانتخابي، بينما لا يحصل منافسه على شئ على الإطلاق.

ولا يشترط أن تكون النسبة الأعلى هذه أغلبية بالضرورة، فمن الممكن أن يحصل المرشح على 38% مثلا من أصوات الناخبين فيصبح هو الفائز ما دام أن أيا من منافسيه لم يحصل على نسبة أعلى من ذلك.

ومؤدى ذلك أن المرشح قد يفوز بالرئاسة دون أن يحصل بالضرورة على أغلبية أصوات الناخبين في الولايات المختلفة، فالمعيار في الواقع هو أصوات المجمع الانتخابي لا الأصوات الشعبية، فدور الناخبين في التصويت يترجم إلى أصوات انتخابية، هي في الواقع الفيصل في العملية الانتخابية.

وبسبب قاعدة أن الفائز يحصل على كل شيء قد يتم إهدار ملايين الأصوات التي تترجم إلى لا شيء.

إرادة الناخب أم إرادة النخبة

"
الناخب في المرحلة التمهيدية لا يدلي بصوته مباشرة لصالح مرشح الرئاسة، وإنما هو في الواقع يعطي صوته إلي مندوبين عن هذا المرشح يحضرون المؤتمر العام للحزب ويصوتون فيه بدورهم لصالح من يفوز بترشيح الحزب
"
وتمثل الانتخابات التمهيدية التي يجريها كل حزب لاختيار مرشحيه لانتخابات الرئاسة، مرحلة هامة جدا في السباق الرئاسي وكما هو الحال في المجمع الانتخابي فإن الناخب في المرحلة التمهيدية لا يدلي بصوته مباشرة لصالح مرشح الرئاسة، وإنما هو في الواقع يعطي صوته إلى مندوبين عن هذا المرشح يحضرون المؤتمر العام للحزب ويصوتون فيه بدورهم لصالح من يفوز بترشيح الحزب.

ومما يزيد من كون الانتخابات التمهيدية ممثلة للنخبة أكثر منها ممثلة لإرادة الناخبين توقيت إجرائها في الولايات المختلفة، فالولايات تختار بالتنسيق مع الحزب، اليوم الذي ستعقد فيه انتخاباتها التمهيدية.

أما الحزب الديمقراطي فهو ينص في قواعده على أن تعقد كل الانتخابات التمهيدية -باستثناء أيوا ونيوهامبشير- في الفترة من فبراير/شباط وحتى يونيو/حزيران من عام الانتخابات، وأما الحزب الجمهوري فيترك الأمر بالكامل للولايات، أما ولايتا أيوا ونيوهامبشير فتجري انتخاباتها قبل كل الولايات الأخرى.

ويعطي هذا الترتيب مزية نسبية لهاتين الولايتين الصغيرتين نسبيا من حيث عدد السكان يفوق وزنهما الانتخابي توضحه المؤلفة بقولها: فبمجرد الفوز في أيهما يحصل المرشح على تغطية إعلامية مجانية تتمثل في تركيز الأضواء عليه، الأمر الذي يعطي حملته قوة دفع تلقائية، قد تحمله إلى النصر في ولايات أخرى، ولهذا السبب تحديدا سعت عدة ولايات إلى تقديم موعد الانتخابات التمهيدية بها حتى تحصل على نفس النفوذ، إذ إن تسليط الأضواء عليها في بداية الحملة يجبر المرشح على الاهتمام بها وبمطالب ناخبيها.

وقد كان من نتيجة ذلك أن تركزت الانتخابات التمهيدية في شهور قليلة مما يفرض على المرشح وضعا بالغ الصعوبة، فعليه أن يختار بين بديلين كلاهما صعب, إما التركيز على عدد محدود من الولايات مما يعني المخاطرة في ولايات أخرى، أو الانتقال بحملته بسرعة بين الولايات المختلفة، وهو أمر لا يقدر عليه سوى المرشح الذي يملك من التمويل ما يمكنه من ذلك، وهو سلوك ينحاز بنظر المؤلفة للمرشح صاحب المال وشبكة العلاقات المتسعة مقارنة بغيره.

الإعلام يصنع المرشح ويدمره
وليس لدى المواطن الأميركي العادي غير المسيس الوقت ولا الرغبة في بذل جهد كبير في جمع المعلومات اللازمة لاتخاذ قراره الانتخابي، ومن ثم فهو يبحث دوما عن ما يشبه الكبسولة التي تقدم له في وقت قصير ما يريد من معلومات، لذلك يلعب التلفزيون -أكثر من أي وسيلة إعلامية أخرى- دورا بالغ الأهمية في تحديد اختيار الناخب.

وتضيف منار الشوربجي لعل أهم الانتقادات التي وجهت إلى الإعلام الأميركي في تغطية الحملات الانتخابات، هي أن هذه التغطية تركز على السباق أكثر مما تركز على مضمونه، وعلى شخص المرشح أكثر من برنامجه الانتخابي.

فالتغطية الإعلامية للحملة عادة ما تستفيض في إعطاء جمهورها صورة عن خريطة الانتخابات، وكأنها سباق خيل من الذي يحتل موقع الصدارة؟ أي المرشحين يعاني حاليا من كبوة؟ من الذي يبدو وكأن لا أمل في تقدمه؟

"
الذي جاء ببوش إلي البيت الأبيض كان في الحقيقة مجموعة من الإجراءات المعقدة وأحكام المحاكم التي حسمت المعركة لصالح بوش ضد آل غور دون أن يستيقن أحد حتى الآن من منهما كان صاحب الأصوات الأعلى؟
"
وتقول المؤلفة لقد أثبتت الدراسات أن 71% من التقارير الإعلامية في حملة 2000 الرئاسية كانت في الواقع عن "السباق لا عن المضمون".

أما الباب الثاني من الكتاب فقد خصصته المؤلفة بالكامل لرصد واقع الحملات الانتخابية الرئاسية الأربع الأخيرة في الولايات المتحدة.

فالحملة الانتخابية لعام 2000 أسفرت في رأي المؤلفة عن (اختيار) جورج بوش وليس عن انتخابه، فالذي جاء ببوش إلى البيت الأبيض كان في الحقيقة مجموعة من الإجراءات المعقدة وأحكام المحاكم التي حسمت المعركة لصالح بوش ضد آل غور دون أن يستيقن أحد حتى الآن من منهما كان صاحب الأصوات الأعلى؟

في الحملة الحالية
ترى المؤلفة أن باراك أوباما نال كل هذا الزخم الذي أحاط بحملته لأسباب متعددة أهمها أنه يطرح نفسه كحركة تغيير تتخطى الأطر الحزبية، ففي الخطاب الذي ألقاه لتدشين حملته الانتخابية أكد أوباما على أنه يسعى للتغيير الذي ينفذ إلى جوهر العملية السياسية ذاتها من خلال العمل "غير الحزبي".

كما أكد أوباما دوما على أنه يمثل "جيلا جديدا آن الأوان ليتولي المسؤولية"، وقد لاقى ذلك النوع من الخطابات ترحيبا من الأجيال الشابة خاصة من تقل أعمارهم عن الثلاثين عاما.

وفي تعليل هذا الالتفاف من الشباب حول أوباما تقول المؤلفة لقد دخل هؤلاء الشباب المعترك السياسي لأول مرة بفضل حملة أوباما، فقد وصلوا لسن الرشد في عهد بوش الابن وهالهم التقويض المنظم للأسس الدستورية للديمقراطية الأميركية، فضلا عن فشل إدارة بوش في العراق وفي إدارة الاقتصاد.

كما انجذبت هذه الشريحة العمرية لمعنى آخر عبرت عنه حملة أوباما حين قدمته باعتباره المرشح العابر للإثنيات والعرقيات، الأمر الذي أعطاهم الأمل في إدارة السياسة بشكل جديد يوحد أميركا بكل طوائفها وأعراقها.

وفي نهاية كتابها ترفض منار الشوربجي طرح السؤال المعتاد، من الأفضل لنا؟ فالمؤلفة تعتبر هذا السؤال من تجليات سوء الفهم، إذ إنه يحمل في طياته ما يعني أننا أمة مفعول بها، ليس أمامها إلا أن تنتظر أن يمن الله عليها بفوز المرشح الأفضل لها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك