عرض/هيثم أبو زيد
تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يمثل صيحة إنصاف للإسلام تصدر عن صوت غربي مرموق, في وقت أصبحت الذهنية الغربية تستدعى كل معاني التطرف والعنف بمجرد ذكر الإسلام أو الحديث عن المسلمين, بعد حملة التشهير التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001.

- الكتاب: إسلام بلا خوف
- المؤلف: ريموند وليام بيكر
- المترجم: منار الشوربجى
- الصفحات: 350
- الناشر: المركز العلمي للدراسات السياسية، عمّان
- الطبعة: الأولى/2008

وقد أراد صاحب الكتاب أن يوجه رسالة مفادها أن الإسلام ليس هو القاعدة أو جماعات العنف, وأن فضاء الفكر الإسلامي أوسع كثيرا مما تم الترويج له في الغرب.

فالمؤلف ريموند بيكر أستاذ العلوم السياسية بكلية ترينيتى الأميركية اختار ستة من كبار المفكرين الإسلاميين المصريين المؤثرين جدا في مصر والمنطقة العربية، ليوضح للعالم المعالم البارزة لمشروع الوسطية الإسلامية متمثلا في رؤى وأفكار هؤلاء المفكرين الذين اعتبرهم أصحاب مشروع تجديدي واحد تضافرت جهودهم على إخراجه ونشره على مدار ربع القرن الأخير.

والمفكرون الستة هم الراحل الشيخ محمد الغزالي, والشيخ يوسف القرضاوي, والقاضي طارق البشري, والمحامى محمد سليم العوا, والصحفي فهمي هويدي, وأستاذ القانون أحمد كمال أبو المجد.

وفى رأى منار الشوربجي التي قامت بترجمة الكتاب إلى العربية، أن هذه هي المرة الأولى منذ قرون التي يبرز فيها في وقت واحد عدد من الرموز الفكرية التي تقوم معا بالعمل على تقديم مشروع حضاري متكامل.

ففي السابق كانت الوسطية تحظى بين الحين والآخر برمز فكرى أو حركي يجدد أفكارها ويضيف إليها، أما مجموعة الإسلاميين الجدد فقد ظهروا في مصر في وقت واحد، واستطاعوا أن يقدموا عبر أعمالهم المنفردة والمشتركة مشروعا متكاملا.

ومن خلال ستة فصول يعرض المؤلف معالم المشروع التجديدي للإسلاميين الجدد، فيبدأ بمساهماتهم في إصلاح التعليم، فيقول: أخذ الإسلاميون الجدد عن تيار الوسطية -خاصة أعمال الشيخ محمد عبده- الفكرة المحورية المتعلقة بأولوية الثقافة في الكفاح من أجل الاستقلال، والالتزام بإصلاح التعليم كخطوة أولى نحو إعادة البناء الثقافي، والإيمان بأن كلا من الإسلام الصحيح والديمقراطية في إطار إسلامي حضاري من شأنهما أن يقدما معا المحرك لعملية التغيير الاجتماعي والثقافي طويل الأجل.

وفى هذا الصدد يكثر المؤلف من النقل عن إسهامات هويدى المطالبة دوما بإصلاح حقيقي للتعليم والثقافة، كما ينقل عن القرضاوي قوله: إنه بالرغم من أن الأسباب السياسية والاقتصادية كانت وراء سقوط الحضارة الإسلامية، فإن السبب الأول يرجع لفشل نظام التعليم الذي لم يشع الابتكار والتفكير المستقل.

الفنون
وفى مجال الفنون اختار المؤلف أن يبين موقف الإسلاميين الجدد من خلال مجموعة منتقاة من النقول عن المفكرين الستة، بدأها بتفاصيل الزيارة التي قام بها الغزالي للأديب نجيب محفوظ في المستشفى عقب تلقيه طعنة في الرقبة من أحد المتطرفين، حيث أعلن الغزالي موقفه بقوله إنها جريمة ضد الإسلام.

"
الفهم الخاطئ للنصوص القرآنية والنبوية تسبب في ممارسات عملية سيئة تجاه قطاعات هامة في المجتمع لاسيما غير المسلمين والمرأة
"
ولبيان مكانة الفن في إسهامات المفكرين الجدد، ينقل المؤلف عن أبو المجد قوله "أنا أسأل من هو الفنان؟ إنه شخص آتاه الله نعمة خاصة وملكة متميزة، وموهبة خلاصتها أنه يستقبل الأشياء بحساسية ليست لغيره، ويخرج التعبير عنها بدقة وثراء ليسا لغيره".

ثم يشرح المؤلف طبيعة الموقف الوسط الذي اتخذه الإسلاميون الجدد من مسألة الفنون، إذ قد رفض هؤلاء مواقف علمانية متطرفة تريد إطلاق الفنون من أي ضابط قيمي أو أخلاقي، حيث يقول هويدي: إن تحقيق التقدم في مجتمع إسلامي لا يعنى التخلي عن كل القيم الأخلاقية النابعة من التاريخ والثقافة.

أما موقفهم من الغلو المقابل الرافض للفنون باسم الدين، فيتلخص في موقف القرضاوي الذي يقول إنه لا يوجد في القرآن أو السنة أي دليل صحيح يشير إلى تحريم الفنون.

ولا يفوت المؤلف أن يذكر بموقف القرضاوي من قيام حركة طالبان الأفغانية بهدم التماثيل البوذية الشهيرة.

الجماعة الوطنية
ومما لا شك فيه أن الفهم الخاطئ للنصوص القرآنية والنبوية تسبب في ممارسات عملية سيئة تجاه قطاعات هامة في المجتمع, لاسيما غير المسلمين والمرأة.

ويستعرض بيكر الجهود الكبيرة التي بذلها المفكرون الستة في هذا الشأن، فينقل عن الغزالي قوله: الخطورة تجيء من أنصاف المتعلمين وأنصاف المتدينين.

ويشير إلى الضجة التي أحدثها الغزالي بإصداره كتاب السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، واتهام البعض له بأنه يخاصم السنة، بينما اعتبره المؤيدون ثورة فكرية قوضت الأساس الفكري الذي يرتكز عليه المتشددون.

ويرى المؤلف أن جهد الغزالي كان جزءا لا يتجزأ من جهود مدرسة الإسلاميين الجدد التي تسعى إلى تقديم مفهوم وسطى لطبيعة المجتمع الإسلامي الذي يحتفي بالاختلاف، ويدعو إلى النهوض بالمرأة، ويضمن حقوق غير المسلمين وأمنهم.

ويقول إن دراسات الغزالي المهمة مثلت النواة الأساسية للدراسات الإسلامية المعاصرة والجادة بشأن المرأة، بل إن كتابات الإسلاميين الجدد تذهب في رأى المؤلف إلى ما هو أبعد بكثير من أي شيء أنتجه جيل عبده أو البنا.

أما في الدفاع عن حقوق غير المسلمين، فينقل بيكر أمثلة لجهود مجموعة المفكرين، فيشير إلى كتاب القرضاوي "غير المسلمين في المجتمع المسلم" وكتاب هويدي "مواطنون لا ذميون" وكتاب العوا "الأقباط والإسلام".

ويضيف المؤلف: لقد اتخذ الإسلاميون الجدد موقفا واضحا مؤداه أن صحيح الإسلام يدعو إلى المشاركة الكاملة لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي, ويقولون إن المصريين كشعب مكون من المسلمين والأقباط، وهم معا ورثة تاريخ وثقافة مشتركة فريدة، ويتحتم أن يكونوا متساوين كمواطنين.

"
النصوص وحدها هي الملزمة للمسلمين، فلا هم ملزمون بتفسيرات بعينها لتلك النصوص، ولا هم مقيدون بالخبرات التاريخية للمسلمين
"
في السياسة
وفى المجال السياسي تتجلى بقوة معالم المشروع التجديدي لمجموعة الإسلاميين الجدد، وتتضح في مجموعة من المواقف العملية والاجتهادات الفقهية لمسائل شائكة وحساسة طالما وقفت حائلا بين اندماج الإسلاميين في الجماعة الوطنية.

فهويدي يكتب مقاله الشهير عام 1995 "فلننتخب الأقباط" ثم يكرره في انتخابات عام 2000، ويدين الحزب الحاكم لأنه عام 95 لم يقدم اسما قبطيا واحدا للترشيح للبرلمان، كما يدين قصر نظر الإخوان المسلمين الذين تساووا مع الحزب الحاكم في الموقف من الأقباط.

بل إن هويدي اعتبر انتخاب الأقباط مهمة وطنية ملحة، للتأكيد على أن مسيحيي مصر جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع.

لكن مجموعة الإسلاميين الجدد لم تكتف بهذا بل خطت خطوة عملية كبيرة حينما وقع معظم رموزها على بيان يؤكد على الأسس الشرعية لانتخاب المسلمين للمرشحين الأقباط، وكان الغزالي والقرضاوي والعوا على رأس الموقعين على البيان.

وفى دائرة الفقه، تأتى فتوى القرضاوي عام 1993 عن الديمقراطية والتعددية، حيث أعلن تبنيه الكامل للتعددية السياسية بما فيها المنافسة بين الأحزاب السياسية.

كما يذكر المؤلف اجتهاد العوا فيما يخص ولاية المرأة وغير المسلم، حين أعلن بوضوح أن القيود على الحقوق السياسية للمرأة وغير المسلمين تنبع من مفهوم الولاية الذي لم يعد له وجود، وينبغي التخلي عنه.

ويصر الإسلاميون الجدد على أن النصوص وحدها هي الملزمة للمسلمين، فلا هم ملزمون بتفسيرات بعينها لتلك النصوص، ولا هم مقيدون بالخبرات التاريخية للمسلمين، ويصلون من وجهة نظرهم إلى نتيجة مؤداها أن الإسلام لا يحدد نظاما سياسيا بعينه للحكم.

ثمرة حركية
وقد أتى هذا الجهد الفكري والفقهي من مجموعة الإسلاميين الجدد بنتيجة حركية للمرة الأولى بداية عام 1996 حينما أعلن عدد من شباب الإخوان المسلمين البارزين عن التقدم رسميا بطلب إنشاء حزب سياسي باسم حزب الوسط، متعاونين في ذلك مع عدد من النساء والأقباط.

ويؤكد بيكر أن أفكار هذه المجموعة حملت بوضوح بصمات الفكر السياسي الذي كان الإسلاميون الجدد قد طوروه على مدار ربع قرن الأخير، ويضيف: من المستحيل قراءة برنامج حزب الوسط دون أن تسمع بين السطور أصوات رموز الإسلاميين الجدد.

"
أعمال الإسلاميين الجدد تجسد أمل الوسطية الإسلامية وهى تعبر عن القلب الإسلامي السمح الذي يمد يده لكل الوسطيين على اختلاف تياراتهم في مصر وحول العالم من أجل مستقبل إنساني أكثر عدلا
"
ويوضح برنامج الوسط بجلاء، كيف نقل أولئك المفكرون الإسلاميون الوسطيون إلى جيل جديد رؤاهم حول الكيفية التي يمكن بها للإسلام الحضاري أن يتعامل مع الاحتياجات المعاصرة للمصريين.

ويؤكد المؤلف أن الناشطين في حزب الوسط قد استوعبوا رؤية القرضاوي القائلة إن الإسلام أوسع من مجرد كونه دينا، ورؤية أبو المجد التي يقول فيها إن الإسلام الحضاري يقدم الأساس الأكثر رحابة لخلق مشروع وطني تعددي وجامع، وتأثروا برؤية البشرى الذي يشرح أهمية التمييز بين الثابت والمتغير في التراث الوطني مما يعطى للمصلحين المرونة اللازمة لتقديم التنازلات بشأن الكثير من القضايا الثانوية مع الاحتفاظ بكل ما يتعلق بثوابت الأمة.

ثم يوضح المواقف العملية للإسلاميين الجدد في مساندة فكرة الحزب الوليد، فيقول إنه في الوقت الذي كان فيه رد فعل الإخوان المسلمين تجاه حزب الوسط عنيفا، إذ هاجمت قيادتهم الحزب الجديد بضراوة، وعملت بكل جهدها على تدميره، واعتبرت القيادة المسنة للإخوان أن ما فعله النشطاء الشباب يُعد خرقا للنظام ويهدد الهيكل التنظيمي والبيروقراطي للجماعة، فإنه على العكس من ذلك تماما رحب الإسلاميون الجدد بالمبادرة الجريئة للشباب كعلامة على الحيوية والأمل.

ويضيف أن القرضاوي وضع كل ثقله ومكانته وراء دعم الوسط منتقدا بشدة موقف الإخوان منه، كما وجد أبو المجد في الحزب الجديد تأكيدا معاصرا على أهمية تيار الاعتدال الذي أثبت وجوده من داخل الصحوة الإسلامية، واعتبر فكرة الوسط تمردا على جمود تنظيم الإخوان.

كما اعتبر العوا مبادرة مؤسسي الوسط اجتهادا من الشباب يستحق الدعم من النشطاء والمفكرين الإسلاميين، كما وقف محاميا عن الحزب أمام القضاء ضد لجنة الأحزاب التي رفضت الترخيص للحزب الجديد، ثم انتقد قيادة الإخوان بشدة لتعاونها مع الحكومة في قمع الحريات السياسية.

ويختم بيكر كتابه الهام بقوله إن أعمال الإسلاميين الجدد تجسد أمل الوسطية الإسلامية، وهى تعبر عن القلب الإسلامي السمح الذي يمد يده لكل الوسطيين على اختلاف تياراتهم في مصر وحول العالم من أجل مستقبل إنساني أكثر عدلا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك