عرض/حسين عبد العزيز
يرى فنسان الغريب في كتابه "مأزق الإمبراطورية الأميركية" أن النظام الدولي يعيش اليوم ضمن موازين ومتغيرات متشابكة، حيث أصبحت الدولة القومية عاجزة عن تأمين الوظائف التي كانت موكلة إليها في السابق بسبب تقلص مجال تحكمها بالمجال الاقتصادي، نتيجة توسع مجال السوق وانفلاته من الضوابط والتشريعات مع اعتماد السياسة النيوليبرالية في الاقتصاد.

يعود أصل هذه التغيرات إلى تغير في شروط المنافسة بين الشركات الكبرى، حيث تحولت ساحة معارك تلك الأخيرة إلى السوق العالمية، وأصبحت هذه الشركات تحقق مصالح مشتركة في إدارة السوق العالمية تحت قيادة الولايات المتحدة التي تستخدم قوتها العسكرية للحفاظ على هذه المصالح.

أزمة الرأسمالي ومشكلة الركود
يرى الكاتب أن أزمة النظام العالمي بدأت بالظهور منذ أواسط ستينيات القرن الماضي بعد إعادة بناء اقتصاديات أوروبا الغربية واليابان، حيث استطاعت بعض الدول كاليابان وألمانيا إحياء قدراتها الإنتاجية والصناعية، وبالتالي فرض سياسات حمائية لأسواق السلع والخدمات لديها، الأمر الذي أعطاها قدرة لمنافسة الاقتصاد الأميركي.

-الكتاب: مأزق الإمبراطورية الأميركية
-المؤلف: فنسان الغريب
-الصفحات: 413
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت
-الطبعة: الأولى/2008

ومنذ تلك الفترة بدأ الاقتصاد الأميركي يعاني عجزا في كل من الميزان التجاري وميزان المدفوعات الجاري، وهو ما أدى إلى زيادة حجم العجز في اقتصاد هذا البلد.

وللحيلولة دون تدهور الاقتصاد أكثر من ذلك، قامت الولايات المتحدة وفي خطوة خطيرة بإسقاط جزء أساسي من اتفاقات بريتون وودز لناحية ربط سعر صرف الدولار بالذهب، وحق إبدال الدولار بالذهب من قبل الحكومات والمؤسسات والأفراد في العالم كي يظهر نظام سعر الصرف العائم، وهو ما تسبب بإدخال العالم في مرحلة شديدة الاضطراب والتقلب في أسعار النقد ورفع نسبة المخاطر في الأسواق النقدية.

وبعد أعوام من استمرار هذه الأجواء الاقتصادية والمالية، وصل المحافظون الجدد إلى السلطة في بريطانيا وأميركا، وقاموا بإحداث انقلاب على الفكر الكينزي وإحلال الفكر الليبرالي الجديد، أو فكر مدرسة شيكاغو الاقتصادية المحافظة، وكانت الغاية من هذا الانقلاب بحسب مؤلف الكتاب هي محاولة عكس وجهة عملية إعادة التوزيع الاجتماعية للثروة من خلال توجيهها من الطبقات الدنيا نحو العليا من المجتمع.

لقد واكبت هذه الأزمة الاقتصادية تطورات تقنية بداية السبعينيات أدت إلى نمو شبكات الاتصال والتواصل العالمية، مما أسهم في تمدد الشركات المتعددة الجنسيات وزيادة نفوذها لدى صناع القرار العالمي.

ثم بدأت مرحلة أخرى في التطور الاقتصادي تتجاوز الاحتكارات التي جسدتها الشركات العابرة للقوميات، إلى مرحلة أرقى من التجميع والتمركز، وتتميز هذه المرحلة بتقلص عنصرين أساسيين في البنية الإنتاجية هما قوة العمل ووسائل الإنتاج لحساب العنصر الثالث المتمثل في رأس المال، وبدءا من عقد الثمانينيات اتجهت رؤوس الأموال نحو المضاربة في الأسواق العالمية الكبرى في الشمال، وسببت هذه الظاهرة لبعض الدول هزات نقدية زعزعت اقتصادياتها.

وأدت إعادة البناء الهيكلية للمؤسسات والأسواق المالية إلى تسريع عملية تراكم الثروات عبر عمليات المضاربة المالية، وأصبح الثراء يتم خارج دائرة الاقتصاد الحقيقي، ومع عقد الثمانينيات تم إلغاء جزء كبير من ديون الشركات الكبرى والمصارف في الغرب وتم تحويلها إلى دين عام يدفع من حساب الطبقات المتوسطة والفقيرة، وكانت الدول في النهاية هي المتضرر الأكبر.

الأزمات البنيوية بالاقتصاد الأميركي

"
الاقتصاد الأميركي يعاني عجزا هائلا في الموازنة، والسبب الرئيسي يعود إلى التدهور في تحصيل الواردات نتيجة خفض الضرائب وتزايد النفقات العسكرية
"
ويعتقد الكاتب أن الاقتصاد الأميركي يعاني اليوم ضعفا سببته أزمات بنيوية تعبر عن تحولات أساسية في بنية هذا النظام، وأبرز سمات هذا الضعف:

- العجز في الميزانية حيث يعاني الاقتصاد الأميركي عجزا هائلا في الموازنة قدر عام 2005 بـ521 مليار دولار، والسبب الرئيسي في تفاقم هذا العجز يعود إلى التدهور في تحصيل الواردات نتيجة خفض الضرائب وتزايد النفقات العسكرية.

- العجز في الميزان التجاري حيث تجاوز هذا العجز الـ500 مليار دولار عام 2002، ومن الأسباب الأساسية لذلك تصاعد القدرة التنافسية لليابان وبلدان أخرى شرق آسيا، ودخول إدارة ريغان في مشروع الفضاء وسباق التسلح.

- تراجع التصنيع والقدرة التنافسية حيث شهد الاقتصاد الأميركي السنوات الأخيرة ظاهرة فك الارتباط بين الاقتصاد الحقيقي (الإنتاج) واقتصاد الأسواق المالية، وأدى هذا إلى تحوله من اقتصاد منتج للسلع إلى اقتصاد مستند إلى المعلومات وتعداد الوحدات، والنتائج الفعلية لهذا التحول كانت انتقال معظم النشاط الصناعي إلى خارج الولايات المتحدة، وازدياد القدرة التنافسية لمنتجات بلدان جنوب شرق آسيا، وتحول أميركا إلى دولة مستوردة للسلع.

- تضخم حجم الدين الخارجي حيث انتقلت الولايات المتحدة من دولة منتجة إلى أكبر دولة مستهلكة الأمر الذي حولها من أكبر دولة دائنة إلى أكبر دولة مديونية. ومن العوامل التي سمحت لها بالاستدانة، قبول المستثمرين الأجانب بتملك أصول محررة بالدولار، وشراء الأوراق المالية الأميركية، وعدم استقرار الأسواق المالية العالمية.

انعكاسات مأزق الاقتصاد الداخلي
وفي هذا الصدد يعتقد الغريب أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة ترتبط ارتباطا وثيقا بالسياسة الداخلية، ويمكن تبيان ذلك من خلال نظرة سريعة على المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حيث يمكن التمييز بين مرحلتين:

- الأولى: تمتد من عام 1945 وحتى 1975، وكان الاتجاه السائد في السياسة الداخلية ينحو باتجاه التغيير الاجتماعي الليبرالي، أما على صعيد السياسة الخارجية فإن البورجوازية الحاكمة كانت مؤمنة بالليبرالية العالمية، وفي جو من الازدهار الذي شهده الاقتصاد الدولة كان النظام الرأسمالي الأميركي يعتبر أن السياسة الأكثر حكمة الواجب اتباعها تكمن في اعتماد الليبرالية الاجتماعية داخليا واعتماد الليبرالية العالمية المضادة للشيوعية.

- الثانية: تبدأ مع انتهاء الحقبة الليبرالية السابقة نتيجة الضعف الذي أصاب النظام الاقتصادي الدولي الذي كانت واشنطن قد وضعته عام 1944، ويعرف بنظام بريتون وودز.

وقد أدى انهيار هذا النظام إلى مرحلة من عدم الاستقرار الاقتصادي الدولي، انعكس في السياسة الخارجية والداخلية للطبقة الحاكمة الأميركية داخليا من خلال العودة عن السياسة الاجتماعية في إعادة توزيع محدودة للثروات، وتقليص اللامساواة الاجتماعية، وعلى الصعيد الدولي باعتماد سياسة التصعيد مع الاتحاد السوفياتي عبر زيادة الضغط العسكري المتمثل بمشروع حرب النجوم.

النظام الاقتصادي العالمي

"
النظام الاقتصادي العالمي شهد مرحلتين، الأولى تميزت بنمو اقتصادي نتيجة انفتاح الأفق أمام الرأسمال الأميركي بفعل انهيار الحواجز, أما الثانية فتمثلت في السياسة التوسعية الأميركية لإنقاذ الاقتصاد ومحاولتها الإفادة من لحظة الأحادية القطبية
"
ومع انتهاء الحرب الباردة وتربع الولايات المتحدة على قمة الهرم العالمي، شهد النظام الاقتصادي العالمي مرحلتين: الأولى تميزت بنمو اقتصادي نتيجة انفتاح الأفق أمام الرأسمال الأميركي بفعل انهيار الحواجز وتحول هذا البلد إلى المركز المالي العالمي مع ازدياد انفتاح الأسواق وانتقال الرساميل إلى الولايات المتحدة، ونشوء اقتصاد وهمي جديد سرعان ما أفل وتبين أنه مجرد فورة مالية من دون أي أسس اقتصادية فعلية، والنتيجة كانت أزمات مالية أصابت كبريات الشركات الأميركية.

أما المرحلة الثانية فتمثلت بالسياسة التوسعية الأميركية لإنقاذ الاقتصاد، ومحاولتها الاستفادة من لحظة الأحادية القطبية للخروج من الأزمات الاقتصادية الداخلية وإعلان الحرب على "الإرهاب" أو بعبارة أخرى الحاجة إلى فتح مزيد من الأسواق والسيطرة على مزيد من منابع النفط.

وتهدف الإستراتيجية الأميركية (الحرب الوقائية) تحقيق هدفين اثنين: الأول تعديل الميزان التجاري من خلال توسيع التصدير، والثاني تجاوز مشكلة المديونية عبر تفعيل نشاط القطاعات الاقتصادية وتشغيل اليد العاملة الأميركية خاصة في مجال الصناعات العسكرية، ولتحقيق هذين الهدفين لا بد من تحقيق بعض الأهداف الفرعية:

- التدخل السياسي والعسكري في كافة المشكلات العالمية.
- إعادة ترتيب الوضع العسكري عالميا تحت إشرافها ووفق ما تقتضيه مصالحها.
- تشكيل تكتلات اقتصادية تحت إشرافها.
- السيطرة على الأسواق العالمية مثل احتكار أسواق جنوب شرق آسيا.
- إعطاء صندوق النقد الدولي والبنك الدوليين دورا أكبر في تحقيق هدف السيطرة.
- السيطرة المباشرة على منابع النفط.

الإستراتيجية الأميركية بالشرق الأوسط
وفي هذا المجال يقول المؤلف إن معظم المشكلات التي تعانيها الولايات المتحدة تتعلق بالاقتصاد المحلي، وليس التدخل الأميركي العسكري ضد بعض الدول إلا انعكاسا للأزمة الاقتصادية الداخلية.

ويرى أن الاحتلال الأميركي للعراق يندرج ضمن إطار السياسات النيوليبرالية الأميركية المحلية، فالسيطرة على ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم سيؤدي خدمة لمصالح الشركات الأميركية بالمنطقة، ويحافظ على معدل مرتفع لمعيشة المواطن الأميركي.

والسؤال الأشمل الذي لا يجيب عنه معظم المحللين حسب المؤلف، هو الصلة بين المغامرات العسكرية الأميركية في الخارج والاتجاهات الجديدة في الاقتصاد العالمي المعولم.

ويرى الغريب وكثير من الباحثين أن الاقتصاد العام يميل في مرحلة نضج الرأسمالية نحو الركود حيث تضاؤل القدرة الإنتاجية واضح بالأرقام، وكنتيجة لذلك أجبرت الشركات الأميركية على الاستثمار في الخارج، وبهدف حماية تلك الاستثمارات تتبع الولايات المتحدة سياسة عدوانية وتدخلية.

"
الرفض الأميركي للبرنامج النووي الإيراني ليس لامتلاك طهران القدرة النووية في حد ذاتها، وإنما يكمن  في أن إيران نووية ستقضي على خطط بوش للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط وإعاقة مشروع إعادة تنظيم تراتبية القوى في المنطقة
"
ولا يمكن إخراج الخلاف بين واشنطن وطهران عن تلك الأسباب الاقتصادية، فبالإضافة إلى امتلاك إيران نسبة 0.1% من احتياطات النفط العالمية وسدس احتياطات الغاز الطبيعي، يحتل هذا البلد موقعا إستراتيجيا متقدما يتيح له مراقبة مجمل منطقة الشرق الأوسط والنقاط الإستراتيجية في الخليج العربي، أما حدودها الشمالية التي تشهد الأراضي العقارية فيها تنافسا شديدا فهي تمتد من القوقاز إلى بحر قزوين وآسيا الوسطى.

إن الصين التي يعتمد اقتصادها بشكل حيوي على منطقتي الخليج العربي ووسط آسيا لإمدادها بالنفط، وروسيا التي ترتبط مصالحها بقوة مع إيران ومنطقتي وسط آسيا والقوقاز، ستنافسان الولايات المتحدة في السيطرة على منطقة الخليج في المستقبل القريب، وبالتالي فإن بقاء السيطرة الأميركية الأطول على هاتين المنطقتين سيعطي مكسبا كبيرا لواشنطن لمواجهة منافسيها.

وهنا يرى المؤلف أن الرفض الأميركي للبرنامج النووي الإيراني ليس لامتلاك طهران القدرة النووية في حد ذاتها، وإنما يكمن الاعتراض الحقيقي في أن إيران نووية سيجبر الإدارات الأميركية على اعتماد سياسة تهدئة مع طهران وبالتالي القضاء على خطط بوش الهادفة إلى تثبيت الهيمنة السياسية والاقتصادية الأميركية على منطقة الشرق الأوسط، وإعاقة مشروع إعادة تنظيم تراتبية القوى في المنطقة لصالح الولايات المتحدة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات