عرض / بدر محمد بدر
يناقش هذا المؤلف مواقف اليسار المصري بكل فصائله, من القضايا والمشكلات المرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي, في الفترة من عام 1947 وحتى 1978 وهو العام الذي تم فيه عقد اتفاقية كامب ديفد, كما يبحث في دور الأجانب عموماً واليهود خصوصاً في قيادة التنظيمات السياسية اليسارية, وأثر ذلك على مواقف هذا التيار من الصراع في المنطقة.

والمؤلف هو باحث يهودي ينتمي إلى اليسار الإسرائيلي ويعمل حالياً محاضراً في قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة بن جوريون في النقب المحتل, وتولى رئاسة المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة بين عامي 97 -2001, مما أتاح له فرصة التعرف على الاتجاهات السياسية في مصر.

ويتكون الكتاب من فصول سبعة, الأول يتحدث عن الإشكالية اليهودية لدى اليسار المصري حيث يرى أنها أثرت كثيراً على تطوره واتجاهاته, وكانت مصدراً للتوترات الشديدة داخل الحركات اليسارية.

وازدادت هذه التوترات أواخر الأربعينيات, نظراً لظهور كوادر مصرية الأصل في الجماعات اليسارية, اعتبرت نفسها الأحق بتسلم زمام الأمور في هذه الحركات. ومن أهم أسباب زيادة التوتر في تلك الفترة إعلان قيام دولة إسرائيل, ومشاركة الدول العربية بما فيها مصر في حرب فلسطين.

تعداد اليهود في مصر 

-الكتاب: اليسار المصري والصراع العربي الإسرائيلي -المؤلف: يوسي أميتاي
-المترجم: عمرو زكريا وعبد الحميد عثمان
-الصفحات: 472
-الناشر: دار ابن لقمان, مصر
-الطبعة: الأولى/2008
ويقدر المؤلف عدد اليهود في مصر عام 1840 بنحو سبعة آلاف نسمة, وازداد هذا العدد طبقا للتعداد الرسمي عام 1947 إلى نحو 65 ألفاً, وكانوا عبارة عن جماعات متعددة الأجناس والمصالح.

فإلى جانب الأثرياء كانت هناك الطبقة المتوسطة والفقيرة, ولم تزد نسبة اليهود في مصر في أي فترة عن 0.4% من إجمالي السكان, إلا أن تأثيرهم كان كبيراً على اقتصاد البلاد في مجالات الصيرفة والبورصة وشركات التأمين والتجارة والعقارات والاستيراد والتصدير, بل وفي مجالات الزراعة والصناعة.

ويشير المؤلف إلى انخراط عدد من هؤلاء اليهود في تأسيس بل وقيادة بعض الحركات اليسارية, منهم يوسف روزنتال وهو صائغ يهودي يقيم في الأسكندرية وكان نشيطاً في تأسيس الاتحادات العمالية, كما ساعد في تأسيس وتنظيم الحزب الشيوعي المصري, ومنهم قنسطنطين فايس زوج شارلوت ابنة روزنتال, وهناك هنري كورييل الذي تولى زعامة الاتحاد الديمقراطي نهاية الثلاثينيات, ثم حمتو وحدتو نهاية الأربعينيات.

وهناك أيضاً شحاتة هارون وهو من أصل سوري, وكذلك أحمد صادق سعد (الذي أسلم بعد ذلك) وكان عضواً في الخلية السرية الماركسية داخل اتحاد أنصار السلام، ثم انسحب نهائيا من النشاط السياسي بعد حل التنظيمات الشيوعية المصرية لنفسها عام 1965.

ويؤكد المؤلف أن العلاقة بين ظهور الفاشية في أوروبا وبين المشاركة الكبيرة لليهود في تأسيس وزعامة جماعات ماركسية في مصر, واضحة بدرجة لا يختلف عليها أحد من مؤرخي اليسار المصري.

وانتهى الأمر نهاية عام 1950 وبداية 1951 بطرد الصف الأول من قادة الجماعات اليسارية المصرية من اليهود, وكذلك بعض عناصر الصف الثاني والثالث, وكان واضحاً أنه تم حل المشكلة اليهودية لدى اليسار المصري إلى حد ما, بعد حرب فلسطين عام 48 وبواكير الثورة المصرية.

تقسيم فلسطين

"
مجموعات اليسار المصري أيدت قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر يوم 29/11/1947 بشأن تقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين إحداهما عربية فلسطينية والأخرى يهودية, وكان معنى ذلك تأييد إقامة دولة يهودية على جزء من أراضي فلسطين
"
وفي الفصل الثاني يستعرض الكتاب مواقف فصائل وجماعات اليسار المصري فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية, ويقرر أن مجموعات اليسار أيدت قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر يوم 29/11/1947 بشأن تقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين إحداهما عربية فلسطينية والأخرى يهودية, وكان معنى ذلك تأييد إقامة دولة يهودية على جزء من أراضي فلسطين.

ويشدد المؤلف على أننا لسنا بصدد تيار يساري واحد ومتجانس من الناحية التنظيمية والفكرية, بل عاش اليسار منذ الأربعينيات وطوال الخمسينيات في انقسامات وصراعات مستمرة, وبالتالي فالكتاب يتناول مواقف اليسار المصري كأفراد ومجموعات وليس ككتلة واحدة واضحة.

وكانت معظم مجموعات اليسار قد أيدت تقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين, باعتباره أحسن الحلول السيئة، واستنكرت كل الجماعات اليسارية تدخل الجيش المصري في حرب فلسطين عام 1948, واعتبرتها حرباً دينية في خدمة الإمبريالية البريطانية.

ويناقش المؤلف في الفصل الثالث ما يطلق عليه كفاح الحركات والجماعات اليسارية من أجل البقاء بين عامي 49 و1956، وهي الفترة التي امتدت من حرب فلسطين حتى معركة السويس.

ويشير إلى أن العوامل التي يبدو أنها أثرت أكثر من أي شئ آخر على حجم تعبير اليساريين المصريين عن مواقفهم من الصراع العربي الإسرائيلي, تمثلت في عمليات التفتت والكفاح من أجل البقاء, وهذا هو سبب غموض المواقف وعدم تطابقها.

وخلال تلك الفترة تمسكت فصائل اليسار بتأييد قرار التقسيم, بالرغم من طرد الزعماء اليهود لجماعات اليسار من مصر, بل إن بعض رجال اليسار المصري ومنهم يوسف حلمي أجروا لقاءات مع شخصيات يسارية إسرائيلية, ودعوا إلى حوار مصري إسرائيلي لحل الصراع الشرق أوسطي بالطرق السلمية.

لكن التصعيد السريع في العلاقات المصرية الإسرائيلية عام 56 وضع مواقف اليسار المصري في صورة حرجة, أدت إلى إعادة النظر في القضية الإسرائيلية في فكر اليسار المصري, وظهر تشدد ملحوظ في أسلوب ومضمون تطرق اليسار إلى إسرائيل وفرص التسوية معها.

وفي الفصل الرابع يناقش المؤلف الفترة من 1957وحتى 1967 والتي تميزت بالحالة المعنوية المرتفعة التي سادت المجتمع المصري وقيادته, إثر فشل العدوان الثلاثي على مصر, وتميزت هذه الفترة كذلك باجراءات الوحدة والانقسام, وبحملة قمع عنيفة من قبل النظام السياسي ضد اليسار, وأيضاً بالحل الطوعي لمنظمات اليسار وانخراطها في هياكل النظام, واعترت أعضاء اليسار لهجة متشددة, اعتبرت إسرائيل حليف الإمبريالية العالمية وقاعدتها الأمامية بالشرق الأوسط, وبرز في حالات معينة إنكار صريح لمجرد وجود دولة إسرائيل.

لهجة متشددة

"
اليسار أيد بوضوح المقاومة الفلسطينية المسلحة, وخلال فترة حرب الاستنزاف أجرى أعضاء اليسار حوارات حول شرعية الحل السلمي للصراع في الشرق الأوسط, وأيدوا حلا من هذا النوع بشرط انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة
"
ولم ينبع اشتداد اللهجة تجاه إسرائيل فقط من حرب 1956 ونتائجها السياسية, بل يرى البعض أنها كانت رد فعل لمرحلة هيمنة الهوية اليهودية التي صاحبت نمو حركات اليسار المصري حتى منتصف الخمسينيات.

وفي أعقاب انهيار الوحدة المصرية السورية عام 1961وبداية التحول الاشتراكي بمصر, بدأ هدوء نسبي بمواقف اليسار المصري تجاه الصراع العربي الإسرائيلي, وانتهى هذا الهدوء عام 1965 في ظل تصاعد الصراع بالعالم العربي بين التقدميين والمحافظين, وبداية العمليات الفدائية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية ضد أهداف إسرائيلية والتي اعتبرت فيما بعد عداً تنازلياً لحرب يونيو / حزيران 1967.

وتحت عنوان "الهزيمة وحساب النفس" يتحدث الكتاب في الفصل الخامس عن فترة السنوات الست (67-1973) حيث شارك اليساريون بفاعلية في المناقشات التي أعقبت هزيمة يونيو/ حزيران من خلال وسائل الإعلام, بفضل المراكز التي تمتعوا بها على يد النظام الناصري بعد حل التنظيمات الشيوعية لنفسها عام 1965 وخاصة من خلال مجلة الطليعة التي جمعت حولها مجموعة من المفكرين الماركسيين الذين استطاعوا العمل تحت رعاية صحيفة الأهرام ومحمد حسنين هيكل شخصياً.

وبشكل عام ساد الاتفاق بين أعضاء اليسار بشأن أهداف حرب 1967 التي اعتبرت عدوانا إسرائيليا في خدمة الاستعمار العالمي, كذلك لاقت الدعوة لاستمرار الصراع لاسترجاع الحقوق العربية والفلسطينية ومحو آثار العدوان تأييداً بالاجماع.

كما أيد اليسار المصري بوضوح المقاومة الفلسطينية المسلحة, وخلال فترة حرب الاستنزاف أجرى أعضاء اليسار حوارات حول شرعية الحل السلمي للصراع في الشرق الأوسط, وأيدوا حلاً من هذا النوع بشرط انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة, وتطبيق الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني, دون تحديد أو تفصيل لهذه الحقوق أو لمعنى تحقيقها إزاء استمرار وجود دولة إسرائيل.

بعد حرب 1973
ويناقش الفصل السادس الفترة من 73 إلى 1977 التي أعقبت حرب أكتوبر/ تشرين الأول, وظهر في مصر وقتها إجماع وطني شامل منح تأييداً كاملاً للمعركة ولم يغب اليسار المصري عن هذا الإجماع.

وساد بين المتحاورين من اليسار بشكل عام الاتفاق حول ضرورة التمسك بالحد الأدنى لشروط التسوية السلمية مع إسرائيل: انسحاب إسرائيل من كل الأراضي العربية المحتلة, والحصول على الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني, واعتقد أعضاء اليسار أن مرحلة الحرب مع إسرائيل لم تنته بعد, وأن هناك احتمال مبادرة إسرائيلية لاستئناف القتال, وظهر اهتمام كبير بين المتحاورين بشأن ما يحدث داخل المجتمع الإسرائيلي, وأجريت محاولات لتقييم فرص إسرائيل في استمرار بقائها وصمودها بالمستقبل القريب والبعيد.

"
انقسم اليسار المصري إزاء السلام مع إسرائيل إلى ثلاثة اتجاهات: الأول رافض لتوجهات السادات, والثاني أيد توجهات عقد سلام مع إسرائيل, والثالث دعا إلى التعاون الاقتصادي مع إسرائيل وجيرانها  بشكل يؤدي في النهاية إلى دمجها بالمنطقة
"
لكن الخلافات بدأت في صفوف اليسار مرة أخرى, بعدما لاحت فرص تسوية سلمية سياسية بين مصر وإسرائيل في أعقاب اتفاقيتي فصل القوات 74-1975 بين ثلاثة توجهات: الأول يساري متطرف ويمثله لطفي الخولي الذي عارض تماماً توجهات السادات, والثاني يساري براغماتي يمثله عبد الستار الطويلة الذي أيد توجهات الرئيس المصري في عقد سلام مع إسرائيل على أساس خطوط ما قبل حرب الأيام الستة ومن خلال إدراك أن وجود دولة إسرائيل يستند إلى شرعية دولية واسعة, أما الثالث فكان مزيجاً بين الاثنين ويمثله محمد سيد أحمد الذي دعا لحل الظلم القائم في أساس وجود دولة إسرائيل على أشلاء الشعب الفلسطيني عن طريق التعاون الاقتصادي بينها وبين جيرانها العرب والفلسطينيين بشكل يؤدي في النهاية إلى دمجها بالمنطقة.

معارضة المسيرة السلمية
ويناقش المؤلف في الفصل السابع والأخير مواقف اليسار المصري عامي 77 و1978 حيث أعلن الرئيس السادات أمام مجلس الشعب يوم 9 /11/1977 استعداده للذهاب إلى أقصى العالم وحتى الكنيست لدعوة الشعب الإسرائيلي للسلام, ثم القيام بزيارة إسرائيل بالفعل بعد نحو عشرة أيام, ثم توقيع اتفاقية كامب ديفد يومي 17و18/9/1978.

وشهدت تلك الفترة قيام حزب التجمع الوحدوي الذي انضوى تحته عدد كبير من الماركسيين واليساريين, وشهدت أيضاً أحداث انتفاضة الخبز يومي 18 و19/1 / 1977 واشتداد قبضة النظام السياسي ضد اليسار عموما, وإغلاق مجلة الطليعة بعد 12 عاماً من صدورها.

وقد تعاظمت الخلافات في هذه الفترة بين عناصر اليسار حول قضايا الصراع العربي الإسرائيلي في ضوء عملية السلام, وبلور حزب التجمع بمختلف تياراته ومؤسساته إجماعاً معارضاً تماماً لزيارة السادات للقدس وللمسيرات السياسية التي أعقبتها, لأنه رأى فيها انتقاصاً للسيادة الوطنية المصرية واندماجاً بالإستراتيجية الإقليمية للإمبريالية الأميركية, وخدمة للطموحات التوسعية الإسرائيلية.

وقد اتسم نقد اليسار المصري لمسيرة السلام بالحدة المتصاعدة مع تشدد المواجهة بين حزب التجمع والنظام السياسي, وعلى العكس اجتهد عدد من أعضاء اليسار خارج التجمع في الدفاع بحماس عن المسيرة السلمية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك