عرض/عبد الحافظ الصاوي
يضم قطاع التعليم في مصر، حسب بيانات عام 2006-2007، نحو 19 مليون طالب وطالبة، وهو ما يمثل نحو 26% من السكان، وينتظم هؤلاء الطلاب في نحو 45 ألف مدرسة في التعليم قبل الجامعي، ويقوم على شأن تعليمهم نحو مليون مدرس، ناهيك عن نحو 1.7 مليون طالب في التعليم الجامعي موزعين على أربع عشرة جامعة حكومية بخلاف الجامعة الأميركية والجامعات الخاصة.

-الكتاب: كم ينفق المصريون على التعليم؟
-المؤلف: عبد الخالق فاروق
-الصفحات: 227
-دار النشر: دار العين, القاهرة
-الطبعة: الأولى/2008
وفي دولة كمصر باعتبارها من دول العالم النامي، نجد أن الاهتمام بقضية التعليم يأتي في قمة أولويات الأجندة الاجتماعية والسياسية سواء بالنسبة للحكومة أو القطاع العائلي.

ولكن الملاحظة المهمة في هذه القضية هي أن الحلول أتت في الإطار الذاتي والشخصي، وليس في التقاء كل من الحكومة والقطاع العائلي من أجل ترشيد النفقات والحصول على تعليم أفضل، فالقطاع العائلي اتجه لعلاج أوجه القصور في العملية التعليمية (سواء في المدارس العامة أو القطاع الخاص) بالدروس الخصوصية، وهي الوسيلة السلبية التي تستنزف موارد القطاع العائلي وتؤثر على رفاهية ومستوى الأسرة المصرية اقتصاديا واجتماعيا.

وأي إنفاق لا يحقق مردودا إيجابيا يمثل نوعا من الهدر لموارد المجتمع سواء كان مصدر هذا الإنفاق الحكومة أو القطاع العائلي. ونجد أنه في مجال التعليم يصبح هذا المبدأ أكثر أهمية لأنه يتعلق ببناء الإنسان وإعداده لمعترك الحياة.

وكتاب "كم ينفق المصريون على التعليم؟" يأتي ليلقي الضوء على قضية مهمة من قضايا التعليم في مصر، وهي الوقوف على وجه الدقة على تكلفة التعليم في مصر، سواء كان ذلك متمثلا في حجم الإنفاق الحكومي أو إنفاق القطاع العائلي.

وعبر الأسلوب الإحصائي والتحليل العلمي، يتوصل الكتاب لأرقام دقيقة يمكن قبولها، وهو ما يمثل إضافة لم تتوصل إليه الدراسات السابقة التي كانت تعتمد على أرقام تقديرية أو توهمات غير علمية، وقد اشتمل الكتاب على سبعة فصول لمعالجة قضيته.

مسيرة التعليم في مصر
يتناول الكتاب مسيرة التعليم في مصر الحديثة منذ عهد محمد علي، والذي كان بداية التوسع في التعليم المدني، إلا أن فشل مشروعه النهضوي بسبب الاستعمار وسيطرة الإنجليز على مصر أعاد التعليم إلى وضعه الذي كان عليه من قبل.

ولكن في الحقبة الناصرية وبعد أن نالت مصر استقلالها، تم التوسع مرة ثانية في إنشاء المدارس ولم يعد التعليم قاصرا على أبناء الأغنياء بل أتيح لأبناء الفقراء، واعتبرت مجانية التعليم من أهم إنجازات ثورة يوليو/تموز.

غير أنه بعد نحو خمس عشرة سنة من ثورة يوليو/تموز حلت هزيمة 1967، فتراجع الاهتمام بالتعليم من حيث إنشاء المدارس وزيادة نفقات الحكومة على التعليم، وانتشرت ظاهرة التسرب من التعليم، وبقيت نسبة الأمية مرتفعة.

"
منذ منتصف سبعينيات وحتى أوائل تسعينيات القرن العشرين عانى قطاع التعليم من مظاهر سلبية تمثلت في ضعف البنية الأساسية للتعليم وزيادة كثافة الطلاب بالفصول وبروز وانتشار الدروس الخصوصية
"
ويرى الكاتب أنه منذ منتصف سبعينيات وحتى أوائل تسعينيات القرن العشرين، عانى قطاع التعليم من مظاهر سلبية تمثلت في ضعف البنية الأساسية للتعليم، وزيادة كثافة الطلاب بالفصول وبروز وانتشار الدروس الخصوصية.

لكن زلزال عام 1992 أعاد اهتمام الحكومة المصرية مرة أخرى بقطاع التعليم ومشكلاته، بعدما تبين أن هناك نحو 50% من المدارس العامة غير صالحة للاستخدام (12 ألف مدرسة في ذلك الوقت)، فضلا عن المشكلات المادية للمدرسين في ظل تدني الأجور واستمرار ظاهرة التضخم وارتفاع الأسعار.

وقد دفع الاهتمام الحكومي بقطاع التعليم في هذه الحقبة لتحقيق بعض الإنجازات، منها زيادة نسب الالتحاق والاستيعاب بالمراحل التعليمية المختلفة، وزيادة حركة صيانة وبناء المنشآت المدرسية، وانخفاض نسبة الأمية، وتركيز الضوء على تدني الإنفاق الحكومي على التعليم والذي كان في بداية التسعينيات لا يزيد عن 2.8 مليار جنيه فوصل في العام 2006-2007 لنحو 24 مليار جنيه.

ولكن على الرغم من الاهتمام الحكومي بقطاع التعليم في عقد التسعينيات، فقد لوحظ أن هناك توسعا كبيرا من قبل القطاع الخاص في قطاع التعليم وصفه الكاتب بأنه استثماري الطابع وربحي الهدف.

حجم الإنفاق على التعليم في مصر
يتناول الكتاب هذا الجانب عبر تقسيمه الإنفاق إلى حكومي وعائلي، وسمات كل منهما. فقد بلغ الإنفاق الحكومي الفعلي في العام المالي 2004-2005 نحو 26 مليار جنيه، بينما بلغ إنفاق القطاع العائلي (الرسمي وغير الرسمي) نحو 36 مليار جنيه، وإذا أضيفت للإنفاق العائلي جوانب أخرى مرتبطة بالعملية التعليمية مثل نفقات الملابس والانتقالات والتغذية ومصروف الجيب للتلاميذ والطلاب، نجد أن حجم هذا الانفاق يصل إلى 54 مليار جنيه، وهو ما يعني أن الإنفاق على التعليم بشقيه الحكومي والعائلي في مصر يتراوح بين 63 و80 مليار جنيه، وهو ما يمثل 15% من حجم الناتج المحلي الإجمالي لنفس العام.

ويصف الدكتور حامد عمار (شيخ التربويين المصريين والعرب) هذا الحجم من الإنفاق على التعليم في تقديمه لهذا الكتاب بأنه "إنفاق مذهل وعائد هزيل!!".

"
نصيب الطالب من الإنفاق الحكومي في المرحلة الابتدائية بلغ 282 جنيها مصريا، وفي الإعدادية 405 جنيهات، وفي المرحلة الثانوية 1489 جنيها، وفي الجامعة يتراوح بين 3500 و5000 جنيه
"
ويتمثل الإنفاق الحكومي على التعليم في الأجور والمرتبات، التي تستحوذ على ما نسبته 93 و95% من مخصصات التعليم في المرحلة ما قبل الجامعية، ثم هامش ضئيل تتراوح نسبته بين 5 و7% للأبنية ومصروفات التشغيل.

وبين الكتاب أن نصيب الطالب من الإنفاق الحكومي في المرحلة الابتدائية بلغ 282 جنيها مصريا، وفي الإعدادية 405 جنيهات، وفي المرحلة الثانوية 1489 جنيها، وفي الجامعة يتراوح بين 3500 و5000 جنيه.

وبشكل عام تبلغ نفقات التعليم الحكومي ما نسبته 14% من حجم الإنفاق العام بالموازنة العامة للدولة، وهي نسبة متدنية عند مقارنتها بدول نامية أو متقدمة أخرى يصل فيها هذا المعدل لنحو 20 و22%.

الإنفاق العائلي
قسم الكتاب هذا الإنفاق إلى عدة شرائح منها الرسوم المدرسية في المدارس الحكومية أو الخاصة أو مدارس اللغات أو الجامعات العامة والخاصة. والقسم الثاني تناول الإنفاق على الكتب الدراسية ومجموعات التقوية بالمدارس والدروس الخصوصية والدورات الخاصة.

وكان القسم الثالث لإنفاق القطاع العائلي على ما يرتبط بالعملية التعليمية من نفقات الملابس والانتقالات والتغذية ومصروف الجيب للتلاميذ والطلاب. وقد تمثل الإنفاق في العام الدراسي 2004-2005 على البنود السابقة في الآتي:

• بلغ حجم إنفاق الأسر المصرية على أبنائها بالمدارس الحكومية والقومية والتعليم الفني والمعاهد المتوسطة والجامعات الحكومية ما يتراوح بين 1.1 و1.7 مليار جنيه.

• تكاليف مجموعات التقوية بالمدارس الحكومية في المتوسط 164.6 مليون جنيه.

• نفقات الاشتراك في مجموعات التقوية بالجامعات الحكومية في المتوسط 128.7 مليون جنيه.

• يقدر حجم إنفاق الأسر المصرية على التعليم الخاص ما قبل الجامعي بنحو 11 مليار جنيه، ويزداد هذا المبلغ سنويا بنسبة تتراوح ما بين 5 و10% بخلاف الدروس الخصوصية.

"
الدروس الخصوصية التي تناولتها الدراسة  وضعت لها ثلاثة سيناريوهات للتكلفة كانت في إطار السيناريو المنخفض 4.3 مليارات جنيه، والسيناريو المتوسط 5.3 مليارات، والسيناريو المرتفع 15.6 مليارا
"
• قدر حجم إنفاق المصريين على التعليم بالجامعات والمعاهد الخاصة بما يتراوح بين 875.5 مليون جنيه ومليار جنيه.

• بلغ حجم إنفاق الأسر المصرية على الكتب الخارجية 625 مليون جنيه.

• أما الدروس الخصوصية التي تناولتها الدراسة (في بعدها الجغرافي "ريف وحضر"، ونوع التعليم "عام أو خاص" وداخل التعليم الخاص "عربي ولغات" أو على المستوى الجامعي) فقد وضعت لها ثلاثة سيناريوهات للتكلفة كانت في إطار السيناريو المنخفض 4.3 مليارات جنيه، والسيناريو المتوسط 5.3 مليارات، والسيناريو المرتفع 15.6 مليارا.

سياسة جديدة لتمويل التعليم في مصر
يخلص الكتاب في فصله السابع الأخير إلى وضع تصور لتمويل التعليم في مصر يتلافى مشكلات النظام التمويلي الحالي، الذي كان سببا ونتيجة لمشكلات التعليم المصري.

وتتمثل هذه السياسة التمويلية المقترحة في الآتي:

- ضرورة توفير أجر مناسب للمعلمين يوفر لهم حياة كريمة بما لا يقل حده الأدنى عن ألف جنيه شهريا، وأن يتم بناء نحو 1200 مدرسة في السنوات الخمس القادمة للتخفيف من حالة التكدس التي تعاني منها المدارس العامة.

ويتطلب ذلك توفير مبلغ يتراوح بين 5 و6 مليارات جنيه كاعتمادات إضافية لمخصصات التعليم، ويسهل الحصول على هذا المبلغ من خلال خطاب سياسي وإعلامي إيجابي يستنفر المجتمع المصري من أجل رد الاعتبار للتعليم الحكومي عبر المشاركة المجتمعية.

- يشكل بند المكافآت للمدرسين حوالي 40% من مخصصاتهم المالية، والملاحظ أن هذه المكافآت لا تصرف إلا في نهاية العام لأعمال الامتحانات والمراقبة، وتأخر صرفها لنهاية العام يفقدها دورها في التحفيز على حسن الأداء، ويقترح توزيعها على شهور السنة بما يخفف من الضغوط المالية على المدرسين، ويتطلب ذلك إعادة تدوير الإيرادات العامة بالموازنة، خاصة تلك المتعلقة بموارد مصر من النفط والغاز، وكذلك إعادة النظر في التعامل الضريبي مع كبار رجال الأعمال.

- يقدر الكتاب الطاقة المالية للمجتمع المتمثلة في قدرته على دفع تبرعات وهبات للمدارس والجامعات بنحو 15 مليار جنيه سنويا، لكن ذلك يتطلب إعادة الثقة بين المواطنين والأجهزة الحكومية، ويرى الكتاب أن إعادة عملية الثقة مهمة حكومية محضة.

- يشكل الإداريون نحو 40% من العاملين بقطاع التعليم، ومن الضروري اتباع سياسات تمييز إيجابية لصالح المدرسين داخل قطاع التعليم من حيث المزايا المتعلقة بالأجور والمرتبات، ومن الممكن تحقيق ذلك على المدى المتوسط والطويل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك