عرض/كمال حبيب
يعبر هذا الكتاب عن رؤية الإخوان للأقباط التي هي مثار جدل وتنازع خاصة بعد حصول الإخوان على 88 مقعدا في آخر انتخابات برلمانية في مصر عام 2005، وهذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها مؤلف بهذا الشأن، والعنوان الفرعي للكتاب "من يطمئن من؟!" يريد أن يقول: أجاب الإخوان على تخوفات الأقباط وهواجسهم تجاه الجماعة ولها هي الأخرى هواجسها وتخوفاتها وتحتاج إلى من يطمئنها.

الإسلام والآخر
أنفق المؤلف الصحفي عامر شماخ أربعة فصول من الكتاب استند فيها إلى ما يمكن وصفه بالإطار المرجعي لرؤية الإخوان ومواقفهم من الأقباط، هذه الفصول هي "الإسلام والآخر" و"الإسلام وأهل الذمة" و"للأقباط خصوصية عند المسلمين" و"أحقاد أوروبية وغربية مقابل سماحة وعدل الإسلام".

-الكتاب: الإخوان والأقباط، من يطمئن من؟!
-المؤلف: عامر شماخ
-الصفحات: 175 
-الناشر: مكتبة وهبة, القاهرة
- الطبعة: الأولى/2008
وفي هذه الفصول أكد المؤلف حرية الاعتقاد والمساواة بين المسلمين وأهل الذمة، ورصد العديد من المنظمات والهيئات الغربية التي جندت عملاء مسيحيين مصريين لخدمة الأهداف التبشيرية، ومنها "هيئة الرؤية العالمية" و"هيئة البحارة" و"هيئة المعسكر الصليبي للمسيح" و"هيئة شباب له رسالة" و"هيئة صانعي الخيام" و"كنيسة المسيح ببوسطن"، و"هيئة بلان" و"نوادي الروتاري" و"الليونز" و"جمعية الحمير المصرية" و"السوروبتسمت" و"النساء القديسات" و"قوة الصداقة" و"جمعية تضامن المرأة العربية".

ولم يتوقف الحقد الغربي على الإسلام والمسلمين، فقد قامت الدنيا ولم تقعد بسبب تصريحات رئيس أساقفة كانتربري روان ويليامز بشأن أخذ بعض مواد الشريعة الإسلامية في الاعتبار حين القضاء بين الأقليات المسلمة، بينما لم تهتز شعرة في رأس العالم الأوروبي عندما دفن الآلاف من أبناء البوسنة المسلمين أحياء واغتصبت خمسون ألف امرأة.

الإخوان والوحدة الوطنية
يؤمن الإخوان بمبدأ المواطنة باعتباره أصلا إسلاميا، فهم لا يميزون بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الدين أو الجنس أو اللون، ويعتبرون مصر دولة لكل مواطنيها الذين يتمتعون بجنسيتها.

وناقش الإخوان في برنامج حزبهم دور الكنيسة باعتبارها أحد مكونات المجتمع المصري ولها دورها في الإصلاح والتغيير وفي دعم القيم الثقافية وعملية التنشئة بدعم قيم المشاركة والإيجابية والتصدي للأزمة الأخلاقية والقيمية التي تهدد المجتمع وتركيز جهودها كمؤسسة دينية روحية في دعم رسالتها الروحية بين المسيحيين وتقوية علاقتها بالمجتمع الأهلي ودعم الفئات المعوزة.

ويدرك الإخوان أن المستفيد من الفتنة الطائفية هم أعداء الأمة، وأن هناك نقاط تلاق مع الأقباط منها الوقوف في وجه التيارات الإلحادية المعادية للأديان وتيارات الإباحية والانحلال الخلقي والوقوف في وجه الصهيونية البغيضة.

مرشدو الإخوان والأقباط

"
كان لويس فانوس أحد زعماء الأقباط من الحريصين على حضور درس الثلاثاء للبنا، وشارك ثلاثة من الأقباط في اللجنة السياسية المركزية للإخوان التابعة لمكتب الإرشاد, ودعا البنا الأقباط للمشاركة في نصرة فلسطين باعتبارها قضية المسلمين والمسيحيين  
"
*عندما ذهب مرشد الجماعة الأول حسن البنا لمدينة طنطا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لعقد المؤتمر الوطني الكبير اصطحب معه أحد المتخصصين الأقباط ليتحدث في قضية قناة السويس واسمه ناصف ميخائيل، وكتب إلى البطريرك يوساب الثاني الذي تولى كرسي البطريركية بعد الأنبا يؤانس، ودعا الأقباط للمشاركة في نصرة فلسطين باعتبارها قضية المسلمين والمسيحيين، واشترك رجال دين أقباط في المظاهرة التي نظمها الإخوان المسلمون عام 1947، وتطوع أحد الأقباط في كتيبة الإخوان في حرب فلسطين، ودافع الإخوان عن المسيحيين في بيت لحم ولم يفرقوا بينهم وبين المسلمين.

وكان لويس فانوس أحد زعماء الأقباط من الحريصين على حضور درس الثلاثاء للبنا، وشارك ثلاثة من الأقباط في اللجنة السياسية المركزية للإخوان التابعة لمكتب الإرشاد، وهم وهيب دوس المحامي ولويس فانوس عضو مجلس النواب وكريم ثابت الصحفي.

ورد توفيق غالي على مقالات سلامة موسي الذي اتهم فيها الإخوان بإثارة الفتنة، وشارك مكرم عبيد في جنازة حسن البنا وذهب لمنزل والده للعزاء، وكان وكيله في لجنة الطور التابعة لدائرة الإسماعيلية حين رشح نفسه في الانتخابات النيابية عام 1944 في وزارة أحمد ماهر باشا يونانيا مسيحيا متمصرا يدعي الخواجه باولو خريستو.

* أما المرشد الثاني للجماعة الهضيبي فقد أحبط محاولة الوقيعة بين الإخوان والأقباط حينما أوحى الإنجليز لأحد عملائهم بحرق كنيسة في السويس وأشاعوا أن الإخوان هم من فعلوها فقام بزيارة البطريرك الذي نفى التهمة عن الإخوان وأهدى المرشد مسبحة من الكهرمان، وبدد مخاوف الأقباط من تحكيم الشريعة بقوله "لكم وما تدينون في الأحوال الشخصية، أما أحكام المعاملات فليس للمسيحية فيها نصوص ولذا فالأخذ بما تراه الأغلبية واجب".

* المرشد الثالث عمر التلمساني قال لم نشهد ما يسمى فتنة طائفية في مصر إلا في السنين الأخيرة.. الفتنة الطائفية شعار تسرب لمصر لزعزعة الأمن فيها، واستعانت الحكومة به في تهدئة أحداث الفتنة الطائفية بالزاوية الحمراء عام 1981.

* والمرشد الخامس مصطفى مشهور حُرف عام 1997 كلام على لسانه بخصوص الجزية بقصد رمي الإخوان بالتعصب والعنف، ورفع أحدهم قضية على المرشد وحصل على البراءة، بيد أن خطه الفكري يطمئن الأقباط بأن تطبيق الشريعة الإسلامية سيضمن لهم حقوقهم أكثر من القوانين الوضعية.

* المرشد السادس مأمون الهضيبي يقول "موقفنا من الأخوة الأقباط موقف مبدئي وثاتب مفروض على المسلمين بموجب إسلامهم وإيمانهم" و"نحن نعتبر الأقباط مواطنين شأنهم شأن المسلمين" ويضيف "أننا دعاة ولسنا قضاة ولا نفكر في إكراه أحد على غير معتقده"، وأكد حق الأقباط في الترشح لمجلس الشعب.

* والمرشد الحالي محمد مهدي عاكف يتخذ من الأقباط (رفيق حبيب) مستشارا سياسيا له، وأعلن القسم السياسي للجماعة عن مبادرة لحوار مع الأقباط، ودعمت الجماعة مرشحا قبطيا بدائرة "وادي النطرون" وأخلت بعض الدوائر لمرشحين أقباط، ويتواصل نواب الإخوان في البرلمان مع الأقباط في دوائرهم بطرق مختلفة.

تخوفات وتطمينات

"
يطمئن المؤلف المسيحيين بأن الشريعة بالنسبة لغير المسلمين لا تقدم كدين يؤمنون به ولكنها قانون اجتماعي يحارب الجريمة, وأنه لا توجد جزية على المسيحيين, وأن بطاقة الهوية التي تصدرها الدولة ألغت مفهوم الذمة القديم لأنه تترتب عليها حقوق المواطنة كاملة
"
يسوق المؤلف عددا مما اعتبره تخوفات قبطية مثل "تطبيق الشريعة الإسلامية يحوّل الأقباط لمواطنين درجة ثانية"، وأيضا "يخاف الأقباط من وصول الإخوان للحكم فهم سيطبقون الشريعة وهذا يكرس الطائفية ويجعل الأقباط منبوذين وخارجين على النظام العام للدولة الإسلامية".

 فالعلماني المسيحي لا يضيره أن يحكم بالشريعة، ومنطق الديمقراطية يقدم حق الأكثرية في العمل بشريعتها على حق الأقلية، فالدولة الإسلامية هي بديل للعلمانية التي يستخدم دعاتها ورقة الأقباط استخداما براغماتيا لتعطيل المشروع الإسلامي الذي هو مشروع الأغلبية.

* التخوف الثاني هو أن حكم الإخوان يعني فرض الجزية على غير المسلمين، ويرد المؤلف بأن الإخوان يقولون بأنه لا توجد جزية الآن وهذا هو الاختيار الفكري والفقهي للجماعة.

* التخوف الثالث هو تناقض مفهوم المواطنة مع الذمة، وبطاقة الهوية التي تصدرها الدولة ألغت مفهوم الذمة القديم لأنه تترتب عليها حقوق المواطنة كاملة، كما يذهب محمد حبيب نائب المرشد الحالي.

* التخوف الرابع من شعار "الإسلام هو الحل" الذي يميز بين المواطنين ويضفي المقدس على الشأن العام، ويشرح الإخوان بأن المقصود هنا هو الإسلام حضارة وليس الإسلام عقيدة، فالدولة الإسلامية هي دولة مدنية تنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية والمشروع الإسلامي الحضاري يحتضن المسلمين وغير المسلمين. وأصدرت محكمة القضاء الإداري حكما يقضي بحق مرشحي الإخوان في رفع هذا الشعار.

* التخوف الخامس "ستتحول مصر على أيدي الإخوان لدولة طائفية تتبنى العنف ضد الأقباط"، ويرد المؤلف بأن الجماعة لم تتورط في أي عمل ضد الأقباط منذ العام 1928 وعنف النظام الخاص كان سياسيا لمواجهة محاولات حل الجماعة.

* التخوف السادس هو فتاوى تمنع الأقباط من بناء الكنائس وترميم القديم منها، ويطمئن المؤلف بقوله إن "ما ينشر في صحف الإخوان لا يعبر بالضرورة عن اختيارهم الفقهي والاختيار الذي ارتضته الجماعة يبيح لغير المسلمين بناء دور عبادتهم وإصلاح ما تهالك منها"، ولكنه يعود فيقول "الإخوان يتخوفون من أفكار بعض الأقباط الداعية للتوسع في بناء الكنائس لتغيير وجه مصر المعماري".

الأقباط وتضخم الذات
تشير الإحصائيات –وفق المؤلف- إلى أن الأقباط أصبحوا فئة مميزة، فرغم أن نسبتهم لا تتعدى 5% فإنهم يملكون 20% من شركات المقاولات و29% من عدد رجال الأعمال و20% من وظائف المديرين بقطاعات النشاط الاقتصادي و20% من المستثمرين في المدن الصناعية.

ويشير المؤلف إلى أن الكنيسة تدفع الشباب القبطي لرفض الواقع والخروج على المجتمع بعد أن كانت صمام أمان وهو ما يعني أننا أمام مستقبل غامض للعلاقة بين المسلمين والأقباط، ويستقرئ أحداث الفتنة الطائفية منذ أحداث الخانكة عام 1972 وحتى 2008 ليستنتج أن الأقباط هم الذين يشعلونها وهم في نهاية كل حادثة يكونون الضحايا.

ويضيف المتطرفون الأقباط يحصلون على الضوء الأخضر من البابا وآباء الكنيسة الكبار ودليل ذلك جريدة "وطني" لسان حال الكنيسة، وحادث السيدة "وفاء قسطنطين" التي اختفت ولا يعرف لها أثر وهو ما أظهر الكنيسة كقوة متجبرة في مواجهة دولة منبطحة ومؤسسات إسلامية رسمية متخاذلة.

"
من أخطاء الجماعة القبطية التعالي على الآخرين بالمبالغة في المطالب القبطية واستفزاز مشاعر المسلمين بالهجوم على الشريعة الإسلامية والربط بين الإرهاب (الإسلامي) وما يحدث للأقباط من مشكلات والصعود السياسي لدور الكنيسة والاستقواء بالخارج
"
ويورد المؤلف ما أسماها أخطاء الجماعة القبطية "وهي التعالي على الآخرين بالمبالغة في المطالب القبطية واستفزاز مشاعر المسلمين بالهجوم على الشريعة الإسلامية والربط بين الإرهاب (الإسلامي) وما يحدث للأقباط من مشكلات والصعود السياسي لدور الكنيسة والاستقواء بالخارج لانتزاع الحقوق".

ويري أن أقباط المهجر الذين تبلغ منظماتهم في الخارج أكثر من 15 منظمة، هم تعبير عن تطرف مزعج بلا حدود، ولم تستنكر الكنيسة المصرية رسميا ما ينشرونه من أكاذيب حول وضع الأقباط في مصر.

وينهي المؤلف كتابه بقوله إن الأزمة في العلاقة بين الإخوان والأقباط صنعها النظام السياسي ليجعل خيارات الفريقين إما القبول بالاستبداد أو الفتنة.

الكتاب اقتحم مساحة حساسة وملغمة، ويبدو أن هذه الحساسية جعلت المؤلف يتحسب في مناقشة تخوفات ذكرها مثل حد الردة، ويعتبر المواطنة أصلا إسلاميا وهو ما يثير أسئلة.

وبعد كل ما عرضه من مخاطر يقول ليست هناك أزمة، ومنعه تحسبه من الدخول لموضوع الكتاب مباشرة فأطال في المقدمات التي كان يمكن اختصارها لفسح المجال أمام مشكلة الكتاب الحقيقية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك