عرض/منتصر حمادة
لماذا تعذَّر على الدول الوطنية المغاربية المستقلة أن تنتقل من مرحلة التضامن والتآزر النضاليين إلى مرحلة إنشاء وبناء علاقات جماعية أو ثنائية تقوم على تبادل المنافع والاعتماد المتبادل وعلى التواصل الإيجابي بين شعوبها، وصولا إلى مؤسسات العمل المشترك، لا تأثرا بالمزاج السياسي لهذا الزعيم أو ذلك أو لهذه الظرفية السياسية أو تلك؟

-الكتاب: الوحدة المغاربية في ذاكرة الحركات الوطنية والتحريرية
-المؤلف: علي الإدريسي وآخرون
-الصفحات: 315
-الناشر: منشورات فكر, الرباط
-الطبعة: الأولى/2008
وما العوائق التي حالت، ولا تزال تحول، دون تحقيق مثل هذه الطموحات التي كانت تعبر عن المشاعر العامة للشعوب المغاربية أيام الاحتلال؟

ولماذا لم يعط تنسيق النضال بين مكونات مكتب المغرب العربي النتائج المرجوة منه؟ ولماذا لم تنجز أهداف ومقاصد لجنة تحرير المغرب العربي في القاهرة؟

ضيف هذا العرض، كتاب "الوحدة المغاربية في ذاكرة الحركات الوطنية والتحريرية"، مساهمة محمودة للرد على مجمل هذه الأسئلة، ومساهمة أيضا للحفر في السؤال السياسي/الإستراتيجي الأبرز في المنطقة: "لماذا فشلت الوحدة المغاربية؟" بالصيغة التي توقفت عندها مجموعة من الدراسات التي حفِل بها العمل المشترك.

ونخص هنا بالذكر الدراسات التالية: "وحدة العمل المسلح أمام اختبارات المسارات المنفردة" لمحمد العربي المساري (إعلامي وقيادي مغربي من حزب الاستقلال وزير الاتصال المغربي الأسبق)، و"الكفاح المغاربي من التحرير إلى البناء والتشييد" للباحث المغربي محمد قنطاري، و"حركة التحرير المغربية وأبعادها الوحدوية المغاربية" بقلم الغالي العراقي (أحد ممثلي رموز المقاومة المغربية)، و"الوحدة المغاربية من طموح الحركات الوطنية إلى واقع الدول القطرية" بقلم علي الإدريسي أحد أبرز الباحثين المغاربة المختصين في متابعة مسار المجاهد الأمير عبد الكريم الخطابي (صدر له هذه السنة كتاب في الموضوع يحمل عنوان: عبد الكريم الخطابي: التاريخ المحاصر" في 419 صفحة من الحجم الكبير)، و"كفاح المغرب العربي من الأمير عبد القادر إلى عبد الكريم الخطابي" بقلم المقاوم عبد السلام غازي، و"دعم العراق لحركة التحرر الوطني في المغرب" بقلم رحيم كاظم محمد الهامشي من جامعة التحدي بليبيا، ودراسة بالإسبانية للباحث يوسف أكمير جاءت تحت عنوان "المغرب في العقل السياسي للاستعمار الإسباني" (أشرف على تنسيق العمل محمد الدرويش).

إخفاق الوحدة المغاربية
بالعودة إلى الأجوبة التفصيلية على الأسئلة التي افتتحنا بها هذا العرض، وإجمالا يمكن حصر أهم أسباب إخفاق الرؤية الوحدوية للمناضلين المغاربيين الرواد الأوائل في أربع مقدمات: تبعات الانتقال من مبادئ النضال المغاربي المشترك إلى منطق الدولة الوطنية، وتأثير منهجيات استرجاع الاستقلال على توجهات الدول الوطنية المستقلة، وتأثير التوجيهات السياسية للدول الوطنية في قيام الثقافة القطرية، وأخيرا أثر غياب مسألتي الديمقراطية وحرية الإعلام في تكريس الفرقة المغاربية، بالصيغة التي توقف عندها باقتدار مبحث علي الإدريسي، والذي يُعفي القارئ من الاطلاع التفصيلي على ما جاء في أغلب الدراسات التي حفل بها العمل، لأسباب عدة، أهمها الجرأة في الطرح والابتعاد عن تحرير لغة رسمية أقرب إلى لغة الخشب والدبلوماسية منها للغة علمية رصينة وصريحة وجريئة في تسمية الأمر بمسمياتها الحقيقية.

ونبدأ بإكراهات الخضوع لمنطق الدولة الخارجة للتو من الاستعمار، والذي كان مخالفا لمنطق العاطفة الوطنية، على اعتبار أن منطق الدولة سياسي بعيد عن منطق النضال والكفاح، ونقرأ في العمل مجموعة من التصريحات التي تندرج ضمن هذه الإكراهات.

على أن ما حدث في صبيحة الاستقلال من توجه للأقطار المغاربية نحو البحث عن هويتها السياسية في ظل دولها الوطنية لم يكن وحده السبب الحاسم في عدم الوفاء للطموحات الأولى للحركات الوطنية.

فالعصب الأكثر تأثيرا في الدول، الحديثة منها وغير الحديثة، التنظيم الإداري وبناء القاعدة الاقتصادية والبحث عن منهجيات التسيير الملائمة.

بالنسبة لتأثير منهجيات استرجاع الاستقلال على توجهات الدول الوطنية المستقلة، فلاشك أن المتتبع لأدبيات الحركات الوطنية المغاربية لن يظفر بالشيء الكثير في موضوع مشروع المستقبل المشترك وكيفية تفعليه في برامج تلك الحركات، إلا ما كان من تنسيق ظرفي بينها أحيانا، أو ما حفلت به تصريحات أو بيانات أو توصيات تتطلبها المناسبة.

"
لم يكتب لمحاولات تأسيس جيش يقوم بتحرير أقطار المغرب العربي النجاح لأن الحركات الوطنية السياسية اكتفت في العمق بالبحث عن الوسائل التي تخولها الحصول على الاستقلال الخاص بأقطارها دون تجاوز ذلك إلى تصور مشاريع وطنية كبرى
"
ولذلك فشلت محاولات لجنة تحرير المغرب العربي في تأسيس جيش يقوم بتحرير أقطار المغرب والجزائر وتونس، في وقت واحد وبمنهجية واحدة، بل أخفقت محاولة تأسيس جيش التحرير المغربي الجزائري في صيف 1955، وتكوين قيادة مشتركة لمرحلة ما بعد التحرير.

لم يكتب لهذه المحاولات النجاح لأن الحركات الوطنية السياسية اكتفت في العمق بالبحث عن الوسائل التي تخول لها الحصول على الاستقلال الخاص بأقطارها دون تجاوز ذلك إلى تصور مشاريع وطنية كبرى تترجم وتحقق الأماني المشتركة للوجدان المغاربي.

ومن أمثلة ذلك، أن تونس اتبعت منهجية رأت فيها خلاصها الوطني، وهي المنهجية القائمة على "سياسة خطوة خطوة"، بالاعتماد على حل سلمي يتم عبر مراحل بمساعدة فرنسا نفسها وتحت إشرافها، أما الحركة السياسية المغربية فقد ركزت كفاحها على عودة محمد الخامس إلى عرشه والنضال من أجل اعتراف فرنسا برغبة المغاربة في الاستقلال أكثر من اهتمامهم بأن تمنحه إياهم فورا.

في الحالة الجزائرية، وبعد قيام الدولة المستقلة، فإن ميثاق الجزائر لعام 1964 تجنب الإشارة إلى مرحلة النضال المغاربي المشترك.

أما ميثاق عام 1976، فقد اقتصر على التنصيص على ما كان قد ترسخ كثقافة سياسية رسمية في الجزائر بقوله: "ساهمت الثورة الجزائرية بطريقة غير مباشرة في استقلال بلاد المغرب وبقية أفريقيا"، وفي معرض حديثه عن السياسة الخارجية الجزائرية للجزائر يشير إلى "وجوب بناء مغرب الشعوب"، والمفارقة أن تلك العبارة كتبت عقب طرد 45 ألفا من أعضاء الجالية المغربية المقيمة في الجزائر في خريف عام 1963، جوابا على إبعاد جزائريين من المغرب أثناء حرب الرمال في خريف 1963.

الوطن مجسَّدا في السلطة
بدهي أن "آفة الوطنية الضيقة" اكتسحت كل أقطار المغرب العربي، وإن اتخذت أساليب مختلفة في تطبيقاتها، وبدأت التوجسات التي كانت مستترة تظهر على السطح في شكل اتهامات متبادلة بإحداث اختلال في التوازن في المنطقة، وبدأت الآمال المشتركة للشعوب المغاربية تتلاشى لتتحول المنطقة إلى ميدان للصراع والمزايدة باسم المصالح الوطنية.

ففي المغرب، كانت الأجواء مشحونة بشتى الانفعالات عقب توقيف جيش تحرير الجنوب، وإعلان استقلال موريتانيا، وإلغاء النظم الملكي في تونس، وتنامي المعارضة الراديكالية للنظام بين صفوف مناضلي الحركة الوطنية السابقة، قبل أن تتعقّد الأمور أكثر غداة استقلال الجزائر، حيث تبنى الرئيس أحمد بن بلة ورفاقه شعارات القومية العربية تتبني أسلوب اللغة الثورية نحو جيرانهم، إضافة إلى التحالف الظرفي بين القيادة الجزائرية والمعارضة المغربية.

"
كل معارضة للتوجهات السياسية والثقافية للقيادة السياسية تعد خيانة للوطن، بحيث يصبح الوطن مجسَّدا في السلطة والسلطة مجسدة في الزعيم، وهو سلوك ثقافي نكوصي مارسته أوروبا في زمن الثورة على الكنيسة، وكذلك فعلت الزعامات الوطنية في أقطار المغرب العربي
"
وأخيرا، فقد جاء العامل الأبرز الذي ساهم في الانسلاخ عن مبادئ الحركات الوطنية من تقوقع الدول الوطنية على نفسها بحجة أولوية بناء وتحصين الدولة/الأمة، وتبنّي النظام الشمولي وفرض إعلام موجَّه، واحتكار السلطة لمصادر الثورة ولمسالك الارتقاء في درجات السلم الاجتماعي ولدهاليز الامتيازات.

لم تجد الثقافة الديمقراطية -السماح بالاختلاف والتعدد في التصور- الأرضية الخصبة في عهد الدولة الوطنية، بل استعيض عنها بثقافة المواجهة الناجمة عن تبني أيديولوجية وحدة التصور والعمل، والتي ستتحول مع مرور الزمن إلى قناعة وطنية رسمية.

كما تم توظيف آليات لإقناع الرأي العام الوطني بسلامة الاختيارات الأيديولوجية الوطنية، أو قمعه عند إبداء أي معارضة لتوجهات الزعيم أو الحزب بدعاوى مثل مصلحة الوطن العليا أو وحدة التصور والعمل الوطنيين.

وتبعا لذلك، فإن كل من خالف تلك الأيديولوجية اعتبر خائنا للوطن وللمصلحة العليا. وكنتيجة حتمية لمنطق وحدة التصور والعمل، تم الدمج بين المصلحة العليا للوطن وبين قرارات السلطة الحاكمة، أي الدمج بين السلطة الحاكمة والدولة، إذ تعد كل معارضة للتوجهات السياسية والثقافية للقيادة السياسية خيانة للوطن، ليصبح الوطن مجسِّدا في السلطة والسلطة مجسدة في الزعيم، وهو سلوك ثقافي نكوصي مارسته أوروبا في زمن الثورة على الكنيسة، وكذلك فعلت الزعامات الوطنية في أقطار المغرب العربي عبر آلية التربية السياسية والوطنية.

غياب الإرادة السياسية
في خلاصات المبحث القيم الذي يتطرق لكفاح المغرب العربي من الأمير عبد القدر الجزائي إلى عبد الكريم الخطابي، يلاحظ الباحث عبد السلام غازي أن الدم المغربي امتزج مع الدم الجزائري أثناء الثورة الجزائرية، تأسيسا على مسَلَّمة شعبية مفادها أن كفاح الشعوب المغاربية اتسق على الدوام بالوحدة والتآخي والتكامل، وأن العيب القائم اليوم ليس حاصلا من شعوب المنطقة بقدر ما هو موصوف بحكامهم وزعمائهم السياسيين الذين طغت عليهم الأنانية الذاتية، وأنه لو سمح للشعوب المغاربية أن تعبر عن نفسها وما تختاره لاختارت الوحدة ولاختارت وحدة تكامل اقتصادها وتوحيد برامجها التعليمية وتوحيد سياستها الخارجية، وأن ما ينقص اليوم الوحدة المغاربية هو غياب القرار السياسي الذي لم يتحرر بعد من الضغوط الخارجية.

نعتقد أنه من حق الجيل الحالي ومن حق كل من يسعى إلى "عودة التاريخي" وإلى الاستجابة لنداء المستقبل أن يسأل: هل نقتنع بوطنياتنا الصغرى، ونستسلم لانتمائنا لتراثنا الثقافي القبلي تحت شعار بناء الدولة الوطنية وتحصينها، وتنغلق كل دولة مغاربية على نفسها في زمن العولمة ورياحها الجارفة، أم نسترجع ما تبقى لنا من مرجعية نضالية مشتركة ومن رؤية براغماتية غير ملفوفة في أي نزعة قبلية أو اعتقادات وهمية؟

"
الخطوة الأولى في الاتجاه المؤدي إلى المستقبل المشترك تمر عبر تأسيس لاستعداد من أجل القيام بعملية نقد ذاتي للإطار الثقافي الذي وضعت فيه كل دولة مغاربية نفسها، وللمنهج والأسلوب اللذين فرضتهما
"
وواضح أن الخطوة الأولى في الاتجاه المؤدي إلى المستقبل المشترك تمر عبر تأسيس لاستعداد من أجل القيام بعملية نقد ذاتي للإطار الثقافي، الذي وضعت فيه كل دولة مغاربية نفسها، وللمنهج والأسلوب اللذين فرضتهما على العاملين في ميدان الثقافة العمومية والحقل الإعلامي، والاجتهاد في التخلص بالتدريج من النرجسية الوطنية.

وإذا لم نفعل سنجد أنفسنا ذات يوم قريب على هامش التاريخ نتشكل وفق إرادة الآخرين.

يروي محمد العربي المساري في خاتمة دراسته عن وحدة العمل المسلح في دول المنطقة حكاية لقاء جمع بين المقاوم المغربي حمادي العزيز مع المقاوم الجزائري والطالب الأزهري محمد بوخروبة، على كأس قهوة الأميركيين بالقاهرة، في عز حقبة الاستعمار والتنسيق لطرده من دول المنطقة، وكان واردا في ذهن كل من المغربي والجزائري أن المغرب قد يسبق الجزائر في تحقيق غايته الوطنية.

وكان هناك سؤال لا مفر منه "إذا سبقتمونا هل ستستمرون في دعمنا؟ وكان الجواب بدهيا، وكما كان يمكن أن يعطيه أي مغربي أو تونسي: وكيف لا؟ وهل يمكن للمغرب أو تونس أن تعتبر أنها مستقلة ما دامت الجزائر محتلة؟".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك