عرض/غازي دحمان
يهدف هذا الكتاب إلى تسليط الضوء على المشكلات والأزمات التي تنخر في بنية المجتمعات المقهورة نتيجة للعنف والاستبداد لأمد طويل، والدور الإيجابي وما يمكن أن يضطلع به علماء الاجتماع لمعالجة الأنماط السلوكية غير السوية في المجتمعات المقهورة.

ويقدم تلك المعالجات بعيدا عن الحلول الجاهزة، وما ينتهجه السياسي من أساليب غير علمية تعقد سبل المعالجات العلمية السليمة لإنقاذ المجتمعات المقهورة من أمراضها النفسية والاجتماعية، التي تسببت بها السياسات غير المسؤولة للسلطات السياسية المستبدة.

الدولة والسلطة: نشوء الدولة وتطورها
يعالج الكاتب في الفصل الأول مسألة نشوء الدولة والسلطة، ويخلص إلى وجود اختلاف كبير بين مفهوم نشوء الدول القديمة والحديثة في العالم.

ـ الكتاب: سلطة الاستبداد والمجتمع المقهور
ـ المؤلف: صاحب الربيعي
ـ عدد الصفحات: 112
ـ الناشر: صفحات للنشرـ دمشق
-الطبعة: الأولى/2007 

حيث تستند الدول القديمة إلى مبدأ العصبية القبلية لفرض سطوتها على المجتمع وإخضاعه لنهجها القبلي، وتهدف إلى تحقيق مصالحها على حساب المجتمع، وتسخير موارد الدولة المالية لتطوير أجهزتها القمعية وشراء الولاءات من أجل بقائها في السلطة أمدا طويلا، متخذة مبدأ التوريث للحكم أساسا لنهجها وتحالفاته، من دون أن يكون لديها هدف لتحقيق رغبات أفراد المجتمع.

كما أن هذا النوع من الدول يستمد شرعيته من الأعراف والقيم القبلية المتوارثة عبر الأجيال, في حين يستند نشوء الدولة الحديثة إلى نظام مؤسسي يقر بالحقوق والواجبات بين الدولة والمجتمع.

ويتركز كذلك على أساس العقد الاجتماعي والسياسي بين الدولة والمجتمع، ويحق للمجتمع فسخ العقد عند الإخلال بشروطه القاضية بتحقيق مصالحه والحكم بمبادئ العدل والمساواة بين المواطنين.

وبرأي الكاتب فإن الاختلاف في طبيعة النشأة بين هذين النوعين من الدول يتجلى بوضوح في واقع وطبيعة التكوينات السياسية فيهما.

ففي حين يرتكز نشوء الأحزاب السياسية في دول العالم النامي على أساس العصبية القومية أو العصبية الأيديولوجية الممثلة لمصالح طبقة أو فئة اجتماعية أو عشائرية، نجد أن الأحزاب السياسية في المجتمعات المتحضرة ترتكز في تشكيلتها على معيار المواطنة وتحقيق المصالح، مع أن بعضها تغلب عليه العصبية الأيديولوجية، ولكن المنافسة بين الأحزاب لكسب أصوات الناخبين لا يحددها الأساس الأيديولوجي وإنما البرامج الانتخابية، أي أن المعيار الأساس هنا مصالح الموطنين والقدرة على تلبية حاجاتهم.

وبالرغم من أن الكاتب يقر بأن السلطة عموما هي مفهوم إكراهي وتحتكر وسائل العنف لتنظيم سلوك المجتمع، إلا أنه يحدد الشرعية معيارا لاستخدام العنف، أي مدى شرعية السلطة التي تمارس العنف، الأمر الذي ينعكس تاليا في طبيعة الأهداف المراد تحقيقها.

حيث يهدف استخدام العنف والاستبداد ضد المجتمع في النظام الشمولي إلى الحفاظ على السلطة أمدا طويلا عبر بناء شبكات الأجهزة الأمنية.

فنجد أن معظم ميزانية الدولة تذهب إلى تقوية الأجهزة القمعية وتعزيزها على حساب قطاعات التنمية، ويختلف الأمر في الأنظمة الديمقراطية، فالمبالغ المالية المرصودة لأجهزة القمع في تناقص مستمر، وتقتصر مهمتها على المحافظة على النظام وتوفير الحدود القصوى من الأمان للمواطن، كما أن أجهزة القمع هنا مؤطرة بشبكة من القوانين والتشريعات التي تحد من ممارساتها غير المشروعة ضد المجتمع.

النهج الاستبدادي ومنظومة القيم في المجتمع
ينتقل الكاتب في الفصل الثاني إلى سلطة الاستبداد والمجتمع والنهج الاستبدادي ومنظومة القيم في المجتمع، حيث يرجع تفشي أنماط السلوك غير السوي في المجتمعات المقهورة إلى ممارسات العنف والاضطهاد والسلطة الاستبدادية لفترات طويلة، ويرصد الكاتب في هذا الإطار عدة مظاهر منها:

"
المجتمعات التي تخضع للاستبداد والعنف المفرط أمدا طويلا تتعزز في ذاتها أنماط من السلوك غير السوي تتنافى وسماتها الأساسية للحفاظ على ذاتها المستلبة من الهلاك
"
1- أنماط السلوك الاجتماعي: حيث تعمل آليات القهر على ترسيخ مفاهيم الإذعان والخنوع في وجدان الإنسان المقهور من أجل شل حركته المضادة، كما تعمل حالة الشعور بالتهديد المتواصل وعدم الاستقرار إلى جعل الإنسان المقهور في موقف الدفاع الدائم والحذر الشديد من أي شيء يمت بصلة إلى السلطة.

2- السلوك المتوارث للإذعان والخنوع في المجتمع: فالمجتمعات التي تخضع للاستبداد والعنف المفرط أمداً طويلاً تتعزز في ذاتها أنماط من السلوك غير السوي تتنافى وسماتها الأساسية، للحفاظ على ذاتها المستلبة من الهلاك.

3- تماهي الإنسان المقهور بسلطة الاستبداد: حيث يتحول الإنسان المقهور من ضحية إلى معتدي على أمثاله الأضعف والأقل خطورة، وهذا التحول يجعله أداة بطش بيد المتسلط نتيجة معاناته من حالة وهم القيمة والاعتبار الذاتيين، ما يدفعه إلى "الاستزلام" لدى المتسلط ويتماهى بعدوانه.

وينتقل المؤلف بعد ذلك ليشرح التأثيرات السلبية للاستبداد في بنية المجتمع، حيث تعمل سلطة الاستبداد على إثارة الفتن العرقية والمذهبية استعداء الأديان المخالفة لتأجيج حالة التناحر بين فئات المجتمع عبر الاستعانة بفئة اجتماعية، ومنحها الامتيازات والصلاحيات، لضرب فئات اجتماعية أخرى.

وهذا يؤدي إلى خلق حالة من الكراهية والحقد فيما بينهم، وتلك الحالة تذكيها الأعراف العشائرية الثأرية والانتقامية لتمهيد الأرضية لنشوب الحرب الأهلية، التي تستفيد منها سلطة الاستبداد لإحكام سيطرتها على الجميع أمدا طويلا.

ويعتقد الكاتب أنه لإزالة آثار العنف ومسبباته يجب إشاعة مفاهيم التسامح وإحلال مبادئ العدالة والمساواة في المجتمع، وفسح المجال لعلماء الاجتماع للنهوض بمهمة التوعية ووضع برامج خاصة لاستئصالها من وجدان المجتمع.

تنامي ظاهرة الحقد والكراهية في المجتمعات المقهورة
في الفصل الثالث يرصد الكاتب ما يعانيه المجتمع من أمراض اجتماعية تؤثر في مسيرة حياته العامة، خاصة ما يتعلق منها بنتائج استخدام العنف والاضطهاد، من كراهية وحقد كامن ينعكس على نمط العلاقة بين أفراده.

ففي حين تمارس السلطة المستبدة العنف المفرط ضد السكان المسالمين غير القادرين على مواجهة العنف بالعنف المضاد، تحتقن ذاتهم بالحقد والكراهية بانتظار الفسحة الملائمة لتفريغها على شكل عنف مضاد للقصاص من رموز سلطة الاستبداد.

"
العنف المضاد يأخذ أنماطا متنوعة من الانتقام يصعب السيطرة عليها لتفريغ شحنات الحقد والكراهية، كما يأخذ الانتقام شكله العشوائي لينال من كامل جسد السلطة المستبدة
"
ويأخذ العنف المضاد أنماطا متنوعة من الانتقام يصعب السيطرة عليها لتفريغ شحنات الحقد والكراهية، كما يأخذ الانتقام شكله العشوائي لينال من كامل جسد السلطة المستبدة، وتعد أخطر أنماط الكراهية تلك المغلفة بالصمت، والمتوائمة مع نهج سلطة الاستبداد بانتظار الفسحة الملائمة للانتقام والتشفي.

من جهة أخرى فإن ما يواجهه الإنسان في المجتمعات المتخلفة من عنف وقهر يولد نوعا من الخيبة والانكسار والعجز عن تغيير الواقع المستبد، ومع الزمن تبرز الآثار المدمرة في كينونته عبر أنماط متعددة من الحقد والعدوانية ضد الآخرين.

ويتطرق الكاتب إلى مسببات انهيار منظومة القيم في المجتمعات المقهورة، فهناك مسببات عديدة لانهيار منظومة القيم الاجتماعية والدينية التي تتحكم في سلوك أفراد المجتمع وتصرفاتهم، ومن دونها تضعف أواصر العلاقة فيما بينهم وتحل مكانها قيم تتعارض مع منظومة القيم الاجتماعية المتشكلة تاريخيا.

ومنها أن مظاهر الفقر في المجتمع تشجع حالة التنافس لتوفير الحاجات الغذائية بصور شتى للحفاظ على الحياة، وقد تتعارض طرق الحصول على الغذاء مع الكثير من القيم الاجتماعية، لكنها تعد مشروعة في ظل سيادة القيم الجديدة، وتتعاظم حالة الفساد الاجتماعي بهيمنة عناصر القاع على السلطة السياسية الذين ينشرون الفساد في جميع مفاصل الدولة، وتسود مظاهر الجهل والتصرفات غير السوية بين أفراد المجتمع مصحوبة بحالات من القهر والظلم الاجتماعي.

أوجه الصراع السياسي في المجتمع
في الفصل الأخير يتناول الكاتب السلطة الشرعية والمجتمع، فيوضح أن القوى المقهورة تلجأ إلى أساليب نضالية متعددة للرد على إجراءات العنف والاستبداد، وما تمارسه القوى القاهرة ضدها، ونظرا لاختلاف موازين القوة بين القوى المقهورة والقاهرة، فإن آلية الرفض تأخذ أنماطا متعددة منها:

ـ عرقلة إجراءات القوى القاهرة، أيا كان شكلها، في داخل مؤسسات النظام.
ـ عدم إبداء الحرص على ممتلكات الدولة كونها ممتلكات القوى القاهرة ويجب إضعافها.
ـ الحط من قدر رجالات السلطة القاهرة عبر بث الشائعات المغرضة ونشر الفضائح الشخصية والأخلاقية.

غير أن القوى المقهورة وعند شعورها بتحقيق بعض النجاحات في مواجهة السلطة، تلجأ إلى مرحلة ثانية من النضال تمارس فيها ضغطا مصحوبا بالعنف المفرط ضد منتسبي الأجهزة القمعية لإجبارها على التخلي عن النظام، ومن ثم تشديد الضربات المتلاحقة والمؤذية لرموز النظام من أجل تحقيق هدفين هما:

ـ ترويع كل أجهزة القمع ونخب القوى القاهرة للتخلي عن النظام، ومن ثم إلحاق الهزيمة الماحقة بها، وانتزاع الخوف وما زرعته أجهزة القمع في وجدان القوى المقهورة.

ـ وعند نجاحها في تحقيق هدفها الأول على نحو منتظم. ينجز جمهورها الهدف الثاني على نحو عشوائي يصعب السيطرة عليه، وتتخلل أداءهم صور شتى من الانتقام العشوائي ضد منتسبي أجهزة القمع ومؤيدي سلطة القوى القاهرة.

"
من ضمن الآليات التي تضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع سيادة القانون، ومبادئ السنن القانونية التي تلزم بها السلطة السياسية، وكذلك الحكم بالعدالة والمساواة من أجل تحقيق الرفاهية والعيش الكريم للمجتمع
"
ويقترح الكاتب في النهاية جملة من الآليات لتطوير الأنظمة السياسية والعلاقة بين الدولة والمجتمع وذلك لإرساء حالة التضامن والاستقرار في المجتمعات، ومنها سيادة القانون، ومبادئ السنن القانونية التي تلزم بها السلطة السياسية، وكذلك الحكم بالعدالة والمساواة من أجل تحقيق الرفاهية والعيش الكريم للمجتمع، وسيادة القانون في الدولة والمجتمع.

في العموم يمكن اعتبار الكتاب إضافة مهمة في إطار البحث في مشكلة الاستبداد التي يعاني منها العالم العربي، والتي بالرغم من كونها أعقد المسائل التي تواجه تطور الحياة السياسية، وتقف عائقا أمام عملية التطور الديمقراطي، إلا أنها لم تحظ حتى الآن بالجهد البحثي الكافي لتحليل آلية عملها واشتغالها، وكذلك آثارها السلبية المدمرة على الواقع العربي، غير أن ذلك لا يعفي الكاتب من ذكر بعض الهنات التي شابت كتابه ومنها:

1- الاضطراب المنهجي الذي ظهر في صياغة الكتاب، فضلا عن التكرار وفقدان السياق التسلسلي بين أفكاره، الأمر الذي جعل من الكتاب مجموعة آراء ومبادئ ينقصها الترابط المحكم والرؤية الفلسفية المتسقة والموجهة لآرائه.

2- الكتاب عبارة عن قراءة تاريخية للتجربة العراقية، إلا أن المؤلف سعى إلى تعميم حيثيات التجربة ونتائجها على كل المجتمعات التي تعاني من ظاهرة الاستبداد، دون أي اعتبار للفوارق السياسية والاجتماعية، والمتغيرات الدولية التي لها أثر مهم في استمرار ظاهرة الاستبداد أو إنهائها.

المصدر : الجزيرة