عرض/عبدالحافظ الصاوي
استطاع الباحث البريطاني د. ها جون تشانج، مساعد مدير دراسات التنمية في جامعة كمبريدج، في كتابه الذي عنوانه بـ "ركل السلم بعيدا إستراتيجيات التنمية والتطور قديما وحديثا" أن يسلط الضوء -بشكل منهجي تاريخي- على تجربة نمو الدول المتقدمة، إبان مرورها بتوصيف البلدان النامية، وكيف وصلت إلى ما هي عليه الآن؟ وهل طبقت من السياسات الرشيدة، والمؤسسات الجيدة، التي تطالب الآن بتطبيقها على الدول النامية حاليا؟

-الكتاب: ركل السلم بعيدا (إستراتيجيات التنمية والتطور قديما وحديثا)
-المؤلف: د. ها جون تشانج
-تقديم: مصطفى الرفاعي
-الصفحات: 238 
-الناشر: مكتبة الشروق الدولية, القاهرة
الطبعة: الأولى/2007
وقدم للكتاب الدكتور مصطفى الرفاعي وزير الصناعة والتنمية التكنولوجية الأسبق في مصر، والذي أيد ما ذهب إليه الباحث من أن الدول المتقدمة استباحت كل الوسائل والطرق للوصول إلى التقدم، وتعمل الآن على إزاحة السلم من أمام الدول النامية حتى لا تصعد إلى سدة التقدم.

والجدير بالذكر أن الوزير المصري، كان من أشد المعترضين على توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، أثناء توليه الوزارة، لما فيها من عدم مساواة في تنافسية غير عادلة بين الاتحاد الأوروبي صاحب الباع الطويل والصناعة المتقدمة، وبين الصناعة المصرية التي لم تبلغ بعد المراحل المقبولة للدخول في منافسة مع الاتحاد الأوروبي.

كيف أصبحت الدول المتقدمة دولا غنية؟
يجيب المؤلف في هذا الفصل، على سؤال كيف تحقق الغنى أو التقدم للدول الغنية أو المتقدمة؟ وذلك بتحليل وضع البلدان المتقدمة حاليا، إبان مرورها بفترة الدول النامية.

ويصل عبر أمثلة عملية لكل الدول المتقدمة الآن، بأن الغنى تحقق بواسطة انتهاجها كل السياسات التي تسميها الآن خاطئة، وتطالب الدول النامية بالتخلي عنها، وأنها لم يكن ليتاح لها تلك المؤسسات التي تطالب الدول النامية بإنشائها، وهى بلا شك مكلفة بالنسبة للدول النامية حاليا.

فحماية الصناعات الوطنية، تمت في كل هذه الدول المتقدمة، مع بداية طريقها للتقدم، كما أن التعريفات الجمركية العالية كانت شائعة بينها، بل كان نظام المنع من استيراد سلع ومواد خام معينة معمولا به أيضا لدى هذه الدول. كما أن دعمها للصادرات ظل لفترات طويلة، وحتى وقت متأخر.

كما أن الدول المتقدمة الآن، لم تعترف بأهمية حقوق الملكية الفكرية إلا مؤخرا، بل سلكت ما يعرف بالتجسس الاقتصادي، وتشجيع هجرة العمال المهرة من بلدانهم، وفي بعض الأحيان تم خطف هؤلاء العمال المهرة، كما عمدت بعض الدول للتضحية بالصناعات في مستعمراتها من أجل حماية صناعاتها في بلدانها.

ولم تقدم واحدة من الدول المتقدمة على تشجيع حرية التجارة أو التوقيع على اتفاقيات حماية الملكية الفكرية إلا بعد أن توافر لها قدر من المنافسة يسمح لصناعاتها بإعمال قواعد حرية التجارة، ووجود قواعد بحثية علمية لديها تمكنها من مساندة الصناعة بها.

فكيف تستبيح الدول المتقدمة لنفسها، عندما كانت تصنف بدول نامية، بالحصول على مزايا ممارسة سياسات معينة، والعمل في ظل مؤسسات بشكل وحجم معين، وتطالب بحرمان الدول النامية الآن من ممارسة مثل ما فعلته سابقا؟

إن غنى الدول المتقدمة تحقق عبر ممارسات تحاول منع الدول النامية من الأخذ بها الآن.

نماذج لممارسات الدول المتقدمة

"
من أجل بناء النهضة الصناعية وتحقيق التنمية اعتمدت الدول المتقدمة سياسة دعم الصادرات وحماية الصناعات الوليدة, وهي سياسة انتهجتها بريطانيا وأميركا وفرنسا وروسيا والسويد وهولندا وبلجيكا واليابان ودول جنوب شرق آسيا
"
يتناول الكاتب الكثير من النماذج لممارسات الدول المتقدمة، في بناء نهضتها الصناعية والتنمية، واعتمادها على سياسات الحماية وغيرها مما يسمى الآن بالسياسات الخاطئة.

ففي بريطانيا كانت حماية الصناعة الوطنية بأوامر ملكية، بعد أن لمس ملوكها تقدم صناعة الصوف في بلجيكا، فمنعوا استيراد الملابس من الخارج، كما ساعدوا صادراتهم إلى المستعمرات، ومنعوا المستعمرات من ممارسة صناعة المنسوجات، كما حدث في الهند.

وفي بعض المراحل، فرضوا ضرائب على الصناعات المحلية في المستعمرات، من أجل وضع تنافسي للصادرات البريطانية في هذه المستعمرات.

ويذكر الكاتب العبارة الآتية ليلخص موقف بريطانيا من حرية التجارة "نلاحظ أن بريطانيا تبنت التجارة الحرة بأسلوب بطيء ومؤلم، لقد استغرق الأمر نحو 84 سنة".

ومع ذلك لم تتبن بريطانيا التجارة الحرة بشكل دائم ولكن على فترات قصيرة، وعادت بعدها في مطلع القرن العشرين لحماية شبه كاملة.

ونفس المنهج اتخذته أميركا بفرض معدلات عالية على الواردات الصناعية، وحرصها على سلوك المجال الصناعي ورفضها لنصائح أبي الاقتصاديين آدم سميث، بألا يقدموا أي دعم للصناعات، وأن يظلوا بلدا زراعيا، فماذا لو أن الأميركيين أصغوا لنصائح آدم سميث؟

ويذكر المؤلف ما أطلقه المؤرخ الاقتصادي البارز بول باروخ عن أميركا بقوله "أميركا الدولة الأم وحصن الحمائية الحديثة". ولم تتجه أميركا إلى حرية التجارة إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وثبات تقدمها الصناعي.

فرنسا فعلت نفس الشيء فقد ظلت تفرض الحماية الكبيرة على صناعتها، وعرف عنها التجسس الصناعي، وكانت تسمي من يقوم بالتجسس الصناعي "مفتش الصناعات الأجنبية" وهو ما أطلق عليه المؤلف تعبير "تلطفا".

ولم يقتصر هذا السلوك على فرنسا فقط بل مارسته دول عديدة منها روسيا والسويد وهولندا وبلجيكا. وحتى التجارب الحديثة لليابان ودول جنوب شرق آسيا اعتمدت على سياسات دعم الصادرات، وتعريفات جمركية وفق منهج "حماية الصناعات الوليدة".

ممارسة المؤسساتية وعلاقتها بالتنمية
كثيرا ما تطالب اليوم الدول المتقدمة، بأن تتبع الدول النامية إنشاء مؤسسات معينة وبشكل وحجم معين، وآلية عمل معينة.

ويرى المؤلف أن وجود هذه المؤسسات وإن كان ضروريا، إلا أنه ينبغي أن يكون حسب احتياجات الدول النامية نفسها، ووفق متطلبات برامجها التنموية.

ويذهب المؤلف ليقارن بين وضع الدول النامية الآن وما تمتلكه من مؤسسات، وما كانت عليه الأوضاع في الفترة التي كانت فيها الدول المتقدمة تمر بنفس الظروف، ويصل لنتيجة أن أوضاع الدول النامية الآن أفضل بمراحل.

ويضرب لذلك مثلا بمؤسسة الديمقراطية، وكيف أن عملية التصويت مرت بمراحل عدة في البلدان المتقدمة في بداية مشوارها الديمقراطي، حيث كان حق التصويت مقتصرا على مجموعة من الذكور أولا، ثم شمل كافة الذكور البالغين، ثم بعد ذلك وفي وقت متأخر سمح للنساء بالتصويت في الانتخابات العامة.

بينما في الدول النامية الآن حصل جميع الأفراد البالغين على حق التصويت والانتخاب في فترة وجيزة.

ففي فرنسا على سبيل المثال لا الحصر كان في منتصف القرن التاسع عشر لا يعطى حق الانتخاب إلا للذكور البالغين ثلاثين عاما، ودفعوا ضرائب مباشرة بلغت ثلاثمائة فرنك.

والأمر الآخر في وضع البنوك المركزية ودورها، أو أجهزة منع الاحتكار وتنظيم التنافس، ففي بريطانيا صدر قانون ينهي الاحتكار وينظم المنافسة في منتصف القرن العشرين، أي بعد فترات طويلة من الممارسات التجارية الخاطئة.

أما مسألة عمالة الأطفال، وكيف أنها استغرقت وقتا طويلا في الغرب، طوال القرن التاسع عشر، والدول الغربية واحدة تلو الأخرى تصدر قوانين منظمة لعمل الأطفال من حيث الأنشطة التي يجب أن يعملوا فيها، وكذلك شروط العمل، وظروفه, إلى أن وصلت إلى حد التجريم.

بينما تذهب الدول المتقدمة الآن لإصدار عقوبات من قبل منظمة التجارة العالمية ضد الدول النامية التي يعمل بها أطفال.

"
عملية ركل السلم بعيدا تتم عبر سيناريوهين، الأول ما يمكن أن نطلق عليه "حسن النوايا" ويكون ذلك مبنيا على جهل من يتبنى هذه السياسة بمعرفة تاريخ البلاد المتقدمة, والثاني أن يتم عبر ما يسمى "سوء النوايا" وينبني على إطار المصلحة من بقاء هذا الفارق بين الدول المتقدمة والنامية
"
ركل السلم
وفي سياق تاريخي أيضا للدول النامية حاليا، وجد المؤلف أن معدلات النمو لهذه البلدان في مرحلة الستينيات وحتى ثمانينيات القرن العشرين، كانت أفضل مما هي عليه الآن، على الرغم من أنها تمت في ظل ما يسمى السياسات الخاطئة.

ويصل المؤلف بعد مناقشة قضايا الكتاب في الفصول الثلاثة الأولى، إلى أن عملية "ركل السلم بعيدا" التي تمارسها الدول المتقدمة الآن حتى لا تستخدمه الدول النامية لتصل للتقدم، واقع ملموس، ودلل عليه بكثير من الشواهد.

ولكنه يفترض أن هذه العملية تتم عبر سيناريوهين، الأول ما يمكن أن نطلق عليه "حسن النوايا" ويكون ذلك مبنيا على جهل من يتبنى سياسة "ركل السلم بعيدا" بمعرفة تاريخ البلاد المتقدمة عندما كانت نامية، وكيف وصلت للنمو عن طريق ما يسمى الآن بالسياسات الخاطئة.

والثاني، أن ذلك يتم عبر ما يسمى "سوء النوايا" وينبني ذلك على إطار المصلحة من بقاء هذا الفارق بين الدول المتقدمة والنامية، حتى تعظم الدول المتقدمة من مصالحها.

ويطالب المؤلف بأن يتم تعديل في شروط التمويل التي يقدمها صندوق النقد الدولي للدول النامية، بحيث لا يكون هذا التمويل مصحوبا باتباع سياسات بعينها قد لا تتوافق ومصالح الدول النامية.

وأيضا يطالب بأن يتم تعديل شروط اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، بحيث يسمح بقواعد التعريفات الجمركية والدعم للصناعات الوليدة في الدول النامية، حتى تصل لمراحل منافسة في ظل حرية التجارة التي تطالب بها اتفاقيات منظمة التجارة العالمية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك