عرض/الحسن السرات
اقتحم زكي مبارك بكتابه حول "أصول الأزمة في العلاقات المغربية الجزائرية" ميدانا يحتاج إلى شجاعة كبيرة وموضوعية عالية، لكثرة الألغام والقنابل الموقوتة فيه. فالعلاقات المغربية الجزائرية ساءت كثيرا مع مجيء الاستعمار، وازدادت سوءا مع رحيله، ولم يستطع السياسيون في البلدين التحرر من بقايا الاستعمار ومشاكله، ولا تجاوز الأزمة.

-الكتاب: أصول الأزمة في العلاقات المغربية الجزائرية
-المؤلف: زكي مبارك
-عدد الصفحات: 321
-الناشر: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط
-الطبعة: الأولى/2007

والعودة إلى أصول الأزمة هو عين الصواب لفهم أي مشكلة، فكيف إذا كانت المشكلة عويصة تولدت عنها مشاكل أخرى مثل العلاقات بين المغرب والجزائر.

وزكي مبارك من الباحثين المغاربة الأوائل الذين اشتغلوا بتاريخ المقاومة المغربية وجيش تحرير المغرب العربي واستقلال المغرب، وهو حاصل على دبلوم اللغة العربية والترجمة وليسانس في التاريخ والجغرافية ودبلوم العلوم السياسية في العلاقات الدولية.

كما أن لديه دكتوراه الدولة في التاريخ المعاصر وهو مدير لمجلات وطنية ورئيس تحرير لمجلات جامعية ورئيس شعبة التاريخ بوحدة البحث في تاريخ الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير بالمعهد الجامعي للبحث العلمي. وهو مؤسس ومدير مجلة "ملفات في تاريخ المغرب".

أزمة متراكمة
يستهل المؤرخ كتابه بعبارة بليغة لا يمكن لأحد أن يردها فيقول: "إن الأزمات التي تندلع بين الأمم والشعوب لا تأتي فجأة من السماء، ولم تنبت من الأرض كالطفيليات دفعة واحدة، وإنما هي نتيجة أفعال وأعمال وأحداث تاريخية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو جغرافية.

ويمكن اعتبار الأزمة المغربية الجزائرية النموذج الأمثل في هذا الباب، إذ تتفاعل العوامل الجغرافية والتاريخية والسياسية وتتداخل وتتشابك وتتقاطع كلها خلال مسافات زمنية تتباعد وتتقارب، اندلعت خلالها أزمة تلو أخرى من حرب إيسلي إلى حرب الرمال (1844-1963) وما زالت تداعياتها حاضرة وبكل قوة في مسيرة العلاقات بين الشعبين الشقيقين".

ويتوقف المؤلف عند بعض المحطات التي تراكمت فيها الأزمات بين المغرب والجزائر وتعقدت حتى صارت ورما خبيثا يصعب علاجه.

"
من أبرز الأحداث التي عمقت الأزمة بين البلدين الاختطاف الجوي الذي قامت به فرنسا لزعماء الثورة الجزائرية بعد مغادرتهم اجتماعا بين المغرب وتونس لمؤازرة الجزائر
"
أم الأزمات
يقصد بأم الأزمات "حرب إيسلي"، وهي المعركة العسكرية التي واجهت فيها المقاومة المغربية جيش الاحتلال الفرنسي تضامنا مع الجزائر الشقيقة ومع مجاهدها البطل الأمير عبد القادر الجزائري يوم 14 أغسطس/آب 1844. وآزر المغاربة إخوانهم الجزائريين بعد أن أحسوا بخطورة الاحتلال واعتبروه بمثابة تجديد لجرح الأندلس وآلامها التي لا تنسى.

غير أن المغرب مني بهزيمة أمام القوات الغازية فرضت عليه الدخول في مفاوضات مع فرنسا، وشعر المغرب إثرها بأنه أصيب في كبريائه وطعن طعنة عميقة.

وفرضت فرنسا من موقع القوة على المغرب التوقيع على معاهدتين، معاهدة طنجة في 10 سبتمبر/أيلول 1844 ومعاهدة للامغنية في 18 مارس/آذار 1845.

وأرغم الفرنسيون المغاربة على التخلي عن مساندة المجاهد عبد القادر الجزائري واعتباره خارجا عن القانون، ومطاردته وإلقاء القبض عليه وتسليمه، ولم يكن أمام المغرب سوى أن يقبل شروط المستعمر المنتصر أو تحمل تداعيات الرفض.

وبهذا الموقف المغربي ولدت "أم الأزمات" كما سماها زكي مبارك، إذ لم يكتف الفرنسيون بهذا، بل اقتطعوا أراضي من المغرب وألحقوها بالتراب الجزائري، وتركت مناطق صحراوية مجرد مراع لسكان البلدين دون تحديد تبعيتها لأي منهما رغم أن سكانها كانوا يدينون بالطاعة والولاء لسلطان المغرب.

وهذا الأمر قاد إلى خلافات متتالية بين المغرب والجزائر طيلة قرن أو أكثر، وكان من نتائجه السيئة حرب الرمال التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 1963.

زرع الحزازات
وعند احتلال فرنسا للجزائر هربت كثير من الأسر الجزائرية إلى المغرب على عهد السلطان المغربي مولاي عبد الرحمن، فآواها السلطان وعاملها معاملة حسنة، غير أن الحال تغير بعد بسط فرنسا سيطرتها على المغرب، مستعينة بخدمات بعض هؤلاء المهاجرين الجزائريين حيث اختارت أسوأهم خلقا وأكثرهم خشونة وأقلهم تدينا لتسلطهم على المغاربة.

وأطلق المغاربة على هؤلاء الجزائريين لقب "دوزييم فرنسيس" أي الفرنسيون من الدرجة الثانية. وبالمقابل أطلق هؤلاء الجزائريون على المغاربة لقب "شعب سيدي".

ومن أبرز الأحداث التي عمقت الأزمة بين البلدين الاختطاف الجوي الذي قامت به فرنسا لزعماء الثورة الجزائرية بعد مغادرتهم اجتماعا بين المغرب وتونس لمؤازرة الجزائر.

وقد اتهم الزعيم بن بلا جهات في القصر الملكي المغربي بالمشاركة والتواطؤ في عملية الاختطاف يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول 1956، رغم تنديد المغرب القوي بتلك القرصنة الجوية.

"
زعماء الثورة الجزائرية تصرفوا حسبما تمليه أهداف ثورتهم ومسيرة كفاحهم "فسعوا في سبيل هذه الغاية إلى تشجيع الجهات والأطراف المغربية والمنظمات السياسية لمساندة الثورة الجزائرية، حتى وإن أدى ذلك إلى المساس بالمصالح العليا للمغرب
"
حرب الرمال
عندما اندلعت الثورة الجزائرية وظهر دعمها للمغرب، فكرت فرنسا في دق إسفين بين البلدين، فاقترحت على المغرب إرجاع ما اقتطعته من أراضيه وضمته إلى الجزائر سابقا، مقابل تخليه عن دعم الثورة الجزائرية، لكن ملك المغرب رفض الاقتراح الفرنسي مفضلا التفاهم المباشر مع زعماء الثورة.

وقد تعهد فرحات عباس رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة آنذاك كتابيا بأن "الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تعترف من جهتها بأن مشكلة الأراضي التي أقرت فرنسا حدودها بصفة جائرة، سيتوصل إلى حل في شأنها عن طريق المفاوضات بين حكومة المملكة المغربية وحكومة الجزائر عندما تحصل الجزائر على استقلالها".

وبعد تغلب بن بلا على منافسيه وترؤسه للجزائر بدعم من المغرب ومصر، انتظرت الحكومة المغربية أن تفي الجزائر بوعدها دون جدوى، بل ساءت العلاقات بين البلدين بسبب مواقف المعارضة المغربية الناشئة، وكانت معارضة يسارية اشتراكية تميل إلى الجزائر.

وتبنت الجزائر سياسة إضعاف جارها المغرب، حتى استفحل الأمر بين الحكومتين فاندلعت حرب الرمال في أكتوبر/تشرين الأول 1963، وسالت فيها دماء الأشقاء، دماء صفوة من رجالات الكفاح الوطني والجهاد التحرري، وبذلك دشن البلدان تاريخا من المد والجزر والتوتر في العلاقات.

وثائق وشهادات
يوشك الكتاب أن يكون مجموعة من الوثائق الهامة والنصوص النادرة والشهادات المؤثرة والصور التاريخية، فقد جمع الكاتب منها عددا كبيرا أغنى كتابه وجعله مصدرا ومرجعا لكل من يريد فهم ما جرى بين المغرب والجزائر.

الكتاب مهاد لرؤية تحليلية وتركيبية يمكن أن يقوم بها مختصون، وكفى المؤلف أنه أعد المادة الخام لذلك.

يبدأ الكتاب بنص رسالة خطية من الأمير عبد القادر الجزائري إلى السلطان المغربي مولاي عبد الرحمن بن هشام، تتلوها رسالة السلطان الجوابية.

وفي الفصل الأول عرض المؤلف بعض الوثائق حول العلاقات الجزائرية المغربية خلال معركة التحرير بين 1942 و1956 واعتمد فيه على أبحاث قدمها في ندوات تاريخية نظمت في كل من تونس والجزائر والمغرب احتضنتها مؤسسات جامعية ومراكز للبحوث التاريخية والاجتماعية.

وعزز الفصل بشهادات نخبة من المجاهدين والوطنيين عاشوا الأحداث وكانوا من صناعها، منهم عبد السلام الهاشمي الطود المتطوع في حرب فلسطين سنة 1948 وكان ضمن أول بعثة عسكرية للأمير عبد الكريم الخطابي إلى بغداد بين 1948 و1951، وهو أيضا أول ضابط مغربي تولى تدريب اللبنة الأولى من جنود جيش التحرير المغاربي بالقاهرة، ومبعوث عبد الكريم الخطابي لتنسيق الكفاح المسلح بين الأقطار المغاربية سنة 1952.

وقد روى الهاشمي الطود بأسلوب مؤثر التحولات التي أحاطت بحركة الجهاد والتحرير التي قادها الخطابي ومشاركة بعض المنتفعين والوصوليين في إذكاء المشاكل وزرع الخلافات وإجهاض مشروع المقاومة وتوحيد حركات التحرير المغاربية.

ومن الوثائق المهمة رسالة محمد بوضياف إلى حمدون شوارق حول البدايات الأولى للتعاون بين المقاومة المغربية والمقاومة الجزائرية.

"
لا بد من قراءة تحليلية ونقدية متحررة من رواسب الماضي ونزعة التعالي، للأحداث التاريخية التي أدت إلى حدوث هذه الأزمات لتستفيد منها أجيال الحاضر الموكل إليها بناء مستقبل الشعبين
"
الملكية والجمهورية
الفصل الثاني من الكتاب خصصه المؤلف لدعم المغرب المستقل للثورة الجزائرية، واستعرض فيه مواقف محمد الخامس والحسن الثاني والدعم الشعبي للثورة الجزائرية مع شهادات مغربية وجزائرية.

أما الفصل الثالث فقد عنونه بـ"نصوص في مقدمات أزمة حرب الرمال"، وقدم فيه عرض الدكتور عبد الكريم الخطيب ونداء علال الفاسي إلى الشعب الجزائري ورسائل وشهادات أخرى.

وعلق زكي مبارك على تلك الوثائق والنصوص فقال "من خلال هذه الوثائق والنصوص والشهادات يتضح جليا أن موقف بعض قادة الثورة وممثليها، حتى داخل المغرب، أصبح عدائيا واحترازيا تجاه عناصر مقربة من الحاشية الملكية تتهمها بالتواطؤ في مؤامرة اختطاف طائرة الزعماء الخمسة في أكتوبر 1956، وقد حلوا ضيوفا بالمغرب على ملكه وحكومته وشعبه".

كما قال الباحث إن زعماء الثورة الجزائرية تصرفوا حسبما تمليه أهداف ثورتهم ومسيرة كفاحهم وما يخدم بالدرجة الأولى إستراتيجيتهم التحريرية، "فسعوا في سبيل هذه الغاية إلى تشجيع الجهات والأطراف المغربية والمنظمات السياسية لمساندة الثورة الجزائرية، حتى وإن أدى ذلك إلى المساس بالمصالح العليا للمغرب وتأزم العلاقات المغربية الفرنسية".

أمان وآمال
في ختام كتابه أعرب المؤلف عما يتمناه كل مغربي وكل جزائري شريف وعاقل ومحب لوطنه ولشعبه، من طي للصفحات الماضية السوداء وفتح صفحات جديدة بيضاء. لكن متى سيتحقق ذلك؟

أجاب زكي مبارك بأن ذلك "سيتحقق عندما يتحمل المفكرون والمؤرخون والمثقفون النزهاء، من مغاربة وجزائريين قبل غيرهم من السياسيين والعسكريين، ورجال المال والأعمال مسؤوليتهم التاريخية والوطنية بعقد حوار فكري وتاريخي مشترك لاستخلاص الدروس والعبر من هذه الأزمات التي عطلت مسيرة البلدين الإنمائية، وأضرت بالمصالح الحيوية للشعبين".

وخلص المؤلف إلى أنه لا بد من قراءة تحليلية ونقدية متحررة من رواسب الماضي ونزعة التعالي، للأحداث التاريخية التي أدت إلى حدوث هذه الأزمات لتستفيد منها أجيال الحاضر الموكل إليها بناء مستقبل الشعبين.

المصدر : الجزيرة

التعليقات