عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض الكتاب رؤية حداثية لدى مفكرين إسلاميين يحاولون توظيف منتجات الحداثة والتقدم والمناهج العلمية المعاصرة في فهم النصوص والتجارب الإسلامية وتطبيقها.

فإسلام المجددين وفق رؤية المؤلف محمد حمزة هو محصلة التفاعل بين الإسلام والفلسفات والمكتسبات العلمية والمنهجية التي حققتها الحضارة الإنسانية، أو هو الخطاب الإسلامي في بيئة من الحداثة القائمة اليوم.

الحداثة الدينية

-الكتاب: إسلام المجددين
-المؤلف: محمد حمزة
-عدد الصفحات: 275
-الناشر: دار الطليعة، بيروت
-الطبعة: الأولى/2007
يعرض المؤلف للحداثة الفكرية والفلسفية التي سادت في القرن التاسع عشر وتبلورت في القرن العشرين، ومثلت وضعا فلسفيا ووجوديا وتاريخيا جديدا كان له رؤى مغايرة في تفسير الظاهرة الدينية وفي التفاعل معها في الحياة المعاصرة اعتقادا وتطبيقا.

ويقول المؤلف إن الحداثة تتميز على المستوى المعرفي بتطوير طرق وأساليب جديدة في المعرفة، قوامها الانتقال التدريجي من "المعرفة التأملية" إلى "المعرفة التقنية"، التي تعتمد على العقل بمعناه الرياضي، وتسعى إلى السيطرة الداخلية والخارجية على الإنسان والطبيعة، هكذا صارت العقلانية إحدى مرتكزات الحداثة، حتى أصبح الكون كله صورة للعقل.

وقد أدت الثورات المعرفية الكبرى التي حصلت منذ نهاية القرن الماضي في الفكر الغربي إلى فصل المعنى عن الوعي، والمعرفة عن اليقين، والمعنى عن التمثل، ولعل مبدأ الذاتية هو أهم السمات الفلسفية للحداثة تجسيدا لما يسمى بالنزعة الإنسانية بما يعني من مركزية الذات الإنسانية وفاعليتها وحريتها وعقلانيتها.

وكما أن الحداثة تتجسد في مفهوم الذاتية فهي تتجسد في مفهوم لا يقل أهمية هو مفهوم الحرية، عندما يصبح الإنسان صانع تاريخه، ويتوق إلى المغامرة نحو المستقبل والانفلات من قيود الحاضر وماضيه.

وقد شهدت المجتمعات العربية منذ العشرينات انهيار الأنظمة الاجتماعية والسياسية والثقافية التقليدية، ويمكن القول إن الحداثة كانت شاهدة على معطيات سياسية واقتصادية جديدة، هي بروز الدولة الوطنية بحدودها الجغرافية الثابتة، وسيادة التشريعات الوضعية وعلاقة أسس تتجاوز المصالح المحلية والقطرية، وشيوع التعامل بين البشر بالوسائل الرمزية، وانتشار القيم التي تتجه إلى الفرد بعد أن كانت تتجه إلى المجموعة، وتطور الخطاب الإصلاحي التجديدي إلى السياق الإصلاحي المرتبط بعلاقة مخصوصة مع الآخر الغربي.

فالغرب في منظور المجددين ليس غربا واحدا، بل هو متعدد ولا بد من التعامل معه باستحضار وجوهه المتعددة، لذلك هم لا ينكرون فضل الدراسات الاستشراقية في فتح الباب أمام استخدام أدوات منهجية جديدة ومقاربات لا عهد للفكر الإسلامي بها.

"
إسلام المجددين يسعى إلى تقديم خطاب بعيد كل البعد عن الرقابة الذاتية، ورغم أن هذا التيار لا يمثل الأغلبية فإنه يعكس التعبير عن الوضع القلق لدى العديد من الفئات الاجتماعية
"
ويلاحظ المؤلف أن توظيف العلوم والمناهج الغربية في دراسة الظاهرة الدينية أدى إلى مواجهة فكرية ونشوء تيار جديد من المفكرين والمصلحين ينتمون إلى واقع ثقافي واجتماعي وسياسي جديد يحاول إعادة فهم الإسلام، وهو ما يمكن وصفه بإسلام المجددين.

فإسلام المجددين -كما يقول المؤلف- يسعى إلى تقديم خطاب بعيد كل البعد عن الرقابة الذاتية، فهو خطاب يبشر بموات القيم السائدة التقليدية، وبالرغم من أن هذا التيار لا يمثل الأغلبية وربما لا يعبر عن الانسجام والتوافق مع العقائد السائدة، لكنه يعكس التعبير عن الوضع القلق لدى العديد من الفئات الاجتماعية التي غادرها الاطمئنان، والتي لم تعد راضية عن أنماط التدين التقليدي، وعن الحلول التقليدية التي يوفرها لهم علماء الدين.

النص في إسلام اليوم
دأبت فئة معينة في كل ديانة على تحديد قواعد لعملية القراءة وضبط من له أهلية القراءة، ولكن المشروع التأويلي الجديد ينفتح على قطاع متنوع من القراء ذوي مشارب مختلفة، مثل كتابات محمد الطالبي، وعبد المجيد الشرقي، ومحمد الشرفي، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، وعلي شريعتي وغيرهم.

وهم يطبقون مناهج حديثة، ويعتمدون أدوات قراءة متنوعة مستمدة من حقول معرفية شتى، كالإنثروبولوجيا بفروعها، وعلوم اللسان بمدارسها، أو هم على الأقل يدعون إلى الانفتاح على مكتسبات العلوم الإنسانية وإلى تجديد أدوات القراءة، وأهم ما يميز الفكر الحديث هو نزع التعالي عن النصوص الدينية وإخضاعها لسنن القراءة شأنها في ذلك شأن بقية النصوص.

فالموقف النقدي الذي يبلوره إسلام المجددين للنص يقوم على مراجعة مفهوم النص الإسلامي، وعدم التقيد بالحدود التي يصفها المؤلف باللاهوتية، ويقول إن القدامى جعلوها سياجا حول النص، ثم ارتكزوا على توسيع حدود النص ليشمل إلى جانب النص الرسمي النصوص الهامشية التي أقصاها الإسلام الرسمي وأهملها.

وهذا الموقف يعكس رأيا مبدأيا لا يرى الإسلام ممثلا في المقالة الرسمية فحسب، مثلما يرى المؤسسة الدينية هي الطرف المخول بضبط النص الصحيح وحدوده.

ومن مرتكزات الموقف النقدي لإسلام المجددين أنه ينظر في المستوى التأويلي، أي علاقة النص الديني بقراءته، لأن النص القرآني برأي التيار التجديدي كان عرضة لمختلف ضروب القراءة الإسقاطية، سواء بالاحتجاج بأجزاء من آيات لا آيات كاملة، أو باقتطاع آيات من سياقها التاريخي وسياقها النصي.

"
العديد من الأحكام التي أحاطت بفهم المسلمين لطبيعة النص ووظيفته في الحياة الروحية للمسلمين لا تعدو أن تكون أحكاما تاريخية، فهي بالتالي أحكام قابلة للمراجعة وللمساءلة وللنقض
"
وبرأي هذا التيار فإن العديد من الأحكام التي أحاطت بفهم المسلمين لطبيعة النص ووظيفته في الحياة الروحية للمسلمين لا تعدو أن تكون أحكاما تاريخية، فهي بالتالي أحكام قابلة للمراجعة وللمساءلة وللنقض، خاصة أن القراءة التقليدية للنصوص المقدسة تتبنى الإيمان بواحدية المعنى وثباته، واعتبار كل اختلاف في المعنى قصورا، وتعتبر التفسير الرسمي للنص المقدس هو التأويل الوحيد المطابق للمعنى الأصلي.

إن القراءة الحديثة للنص تقوم على سؤال مركزي، هل الإنسان هو الذي ينتج المعنى أم أنه معطى إلهي فوقي بصاحب الكتاب المقدس، وما على الإنسان إلا الاهتداء بنور الله لملامسة المعنى النهائي؟

يؤكد إسلام المجددين على أن معرفة العالم وإنتاج المعنى هما مسؤولية الإنسان وحده، وهذا يعني نزع كل أسطورة عن النصوص أيا كانت منزلتها، وإسناد الأهلية للإنسان لفهم هذه النصوص وتدبرها، فإن الرؤية الحديثة لمسألة القراءة تتصل اتصالا وطيدا بمسألة تعدد المعنى، وخصوصا فيما يتعلق بالنص الديني باعتباره نصا مجازيا.

فالنص القرآني الذي نعتبره من النصوص الثرية الراقية التي تستعمل الإشارة والإيحاء والرمز والمجاز، يحتمل عددا غير محدود من وجوه التأويل، وهي ثمرة التفاعل الخصب بين النص وقرّائه على اختلاف نفسياتهم وثقافتهم وظروفهم.

فهناك علاقة جدلية بين المجتمع وقيمه من ناحية ومستوى المعرفة السائدة فيه ونوعيتها، والقارئ لا ينفك وهو يقرأ يؤول وينتج المعنى بما يتلاءم مع ظروفه العامة والخاصة، والمعرفة البشرية ليست معطى جامدا بل هي إبداع مستمر متدفق تدفق الحياة، متناغم مع حركة التاريخ في بطئها أو تسارعها.

ويقترح محمد الطالبي المنهج المقاصدي لقراءة النص الديني، وجوهر هذا المنهج الاعتماد على التحليل الاتجاهي للنص، ويستشهد الكاتب هنا بالمنهج التاريخي والمقاربي للباحث عبد المجيد الشرفي، الذي يجمع بين النظر التاريخي الصارم، وأخلاقية قوامها المسؤولية العلمية.

وينادي الشرفي بصياغة نظرة علمية للتراث التي قوامها الأخذ بعين الاعتبار تغير وضعية الدين، الذي أصبح خاضعا للتفسير واستقلت عنه العلوم، مثلما تخلت المؤسسات المجتمعية عن تبريراته، ثم إخضاع الفكر الديني لقوانين عامة يمكن أن تشترك فيها مختلف الديانات، وخاصة الديانات التوحيدية.

"
أركون يسعى إلى نقد العقل الإسلامي بوضع التجربة الثيولوجية في الإسلام على محك النقد التاريخي الصارم عبر النظر في التركيبات الثيولوجية في الإسلام بكل أنواعها من تفسير وحديث وعلم كلام وفقه باعتبارها نتاجا بشريا يحق للدارس نقدها وتفكيكها
"
وأهم خصائص هذا المنهج الذي يقترحه الشرفي أنه ينهض على بلورة قراءة تأويلية حديثة تتجاوز منهج الانتقاء، أو التقيد بالقراءة التفسيرية التقليدية التي لم تعد تفي بمقتضيات البحث والشروط المنهجية، ويستفيد الشرفي من الدرس المقارن الذي لا يفاضل بين التأويلات التي تم القضاء عليها بقوة السيف والسلطان لا بقوة الحجة في أحيان كثيرة.

أما فيما يتعلق بالتعامل مع النص القرآني فتنهض منهجية الشرفي على قراءة النص في كليته بعيدا عن ضروب الإسقاط والانتقائية، واعتماد القراءة المقاصدية للنص وتجاوز الرؤية الحرفية له.

أما محمد أركون فيسعى إلى نقد العقل الإسلامي بوضع التجربة الثيولوجية في الإسلام على محك النقد التاريخي الصارم عبر النظر في التركيبات الثيولوجية في الإسلام بكل أنواعها من تفسير وحديث وعلم كلام وفقه باعتبارها نتاجا بشريا يحق للدارس نقدها وتفكيكها وتجاوزها.

ويدعو إلى الانخراط الواعي والمسؤول في حداثة فكرية حقيقة، مثلما يرصد العوائق الحائلة دونها، وأهمها فيما يتصل بالفكر الإسلامي هيمنة المعجم الاعتقادي القديم، وغلبة الخطاب اللاهوتي التقليدي الذي يعمل على تأييد مبدأ الثبات والاستمرارية والتجانس.

فيدعو أركون إلى "العقل المنبثق حديثا" الذي يعتمد فكرة التنازع بين التأويلات بدلا من الدفاع عن فكرة واحدة في التأويل، ومن شروط هذا العقل ألا يتورط في بناء منظومة معرفية تؤصل للحقيقة، لأن نتاجات هذا العقل ستنقلب بدورها إلى سياج دوغمائي مغلق.

ويتبنى أركون النقد المنفتح على آخر مكتسبات علوم الإنسان والمجتمع، ويطبق القراءة الحية والمتحركة، لأنها قراءة تشكل ما هو بديهي، وتزحزح المفاهيم التقليدية من مواقعها لتفكيكها من النسق الذي ركبت عليه في الوعي الإسلامي.

فهو يحاول أن يخضعها باستمرار للتحديات التي تطرح على التاريخ المقارن للأديان، ويقترح أركون إعادة النظر في العلوم الإسلامية التي شكلت منهجا وسبيلا إلى فهم النص القرآني ومن بينها علم الناسخ والمنسوخ، وعلم أسباب النزول وغيرهما، التي تكشف برأيه عن التلاعبات الخطيرة التي يقوم بها العلماء.

القيم الحديثة وإسلام المجددين
يتميز العصر الحديث الذي اخترقته الحداثة أخلاقيا واجتماعيا واقتصاديا وحتى جماليا ورمزيا، بانتشار قيم جديدة قامت على نقيض القيم القديمة وأهمها قيم المساواة والحرية والتسامح والديمقراطية.

وجعلت الثورة الاتصالية التي يشهدها العالم القيم الحديثة تتجاوز الحدود الجغرافية لها وتكتسب بعدا كونيا، واتجهت نحو الفرد بعد أن كانت تتجه إلى المجموعة، حتى صارت القيم الحديثة وبالخصوص قيم المساواة والتسامح وحرية الفكر والحرية الدينية مطلبا ملحا في الضمير الديني الحديث.

"
المؤلف يرى إسلام المجددين يبدو واعدا ومتنوعا يعمل على تقديم أجوبة لأسئلة تطرح نفسها بحدة على الضمير الديني الحديث، ويشكل مصالحة مع الذات ومع الوعي التاريخي الحديث
"
إنها ليست ترفا يدعو إليه بعض المثقفين، بل ضرورة من المقتضيات اللازمة للمعاصرة، حتى أصبحت مقولة الإسلام صالح لكل زمان ومكان لا تتعارض لدى العديد من المفكرين مع منطق تحديث الفكر الإسلامي، ذلك أنه من الممكن الاحتفاظ بها لكن بشرط تحديد بعض العناصر التي من شأنها أن تكون قيما خالدة لا تشكل عقبة في وجه الرسالة واستجابتها للمقتضيات المعرفية وتعبيرها عن نزعة الضمير الديني الحديث إلى المواءمة بين موروثه الديني والقيم الحديثة.

وأخيرا لقد مثل خطاب التجديد ثورة فكرية حقيقية وعدولا عن العديد من الحلول التي ارتضاها القدماء، ونقيضا صارخا لكل ما انطوى عليه الفكر الإسلامي المحافظ من تقليد، وأكد على أن المعرفة الدينية شأنها في ذلك شأن بقية المعارف.

ووفق هذا المفهوم فإن المؤلف يرى إسلام المجددين يبدو واعدا ومتنوعا يعمل على تقديم أجوبة لأسئلة تطرح نفسها بحدة على الضمير الديني الحديث، ويشكل مصالحة مع الذات ومع الوعي التاريخي الحديث، فهو يبدو واثقا من الأرضية التي يقف عليها ويتحمل مسؤولية الأخطار الإبستمولوجية والاجتماعية التي يمكن أن تنتج عن خطابه.

وهو اتجاه حسب محمد الطالبي يشكل دعوة إلى المعاصرة الواعية التي يسهم فيها المسلم، ودعوة إلى مجابهة الإنسان مسؤولية الوضعية التأويلية التي يحياها، و"أن يعيش المسلم عصره ويحيا المعاصرة بإيمان وإخلاص، لا الاكتفاء بالتفرج والتحسر".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك