عرض/ كمال حبيب
هذا هو التقرير السنوي الذي يصدر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، ويتضمن خمسة أقسام رئيسية هي التفاعلات الدولية والتفاعلات الإقليمية والقضية الفلسطينية والنظام الإقليمي العربي ثم جمهورية مصر العربية، فضلا عن الافتتاحية والمقدمة.

الافتتاحية والمقدمة
ناقشت الافتتاحية موضوع "العولمة والأزمات المالية" وتساءلت: هل يشهد الاقتصاد العالمي أزمة مالية قريبة؟ وهي تفترض أن الأزمات المالية ليست ظاهرة حديثة، كما أن الأزمات لها صور متعددة منها أزمة العملات والأزمات المصرفية وأزمات المديونية.

-الكتاب: التقرير الإستراتيجي العربي 2006/2007
-المؤلف: مجموعة من الخبراء والباحثين
-الصفحات: 498 
الناشر: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية, الأهرام
الطبعة: الأولى 2007
وتشير إلى تأثير العولمة على "نظام بريتون وودز"، حيث فقد الاقتصاد الأميركي حيويته وقدرته التنافسية وهو ما عمق الأزمة المالية الدولية، وأحدثت تدفقات الأموال الخاصة إلى البلدان النامية طفرة كبيرة في أسواق العقارات والأوراق المالية.

فهناك انفصام بين معطيات الاقتصاد الحقيقي والأسعار الاسمية التي تحددها المراهنات المسعورة والمحمومة، وهو ما أفقد النظام المالي الحالي القدرة على إدارة المخاطر المالية المحتملة.

وناقشت المقدمة "حوار الثقافات وحل الأزمات في المنطقة الأورومتوسطية"، وهي ترى أن منظور التفاوض لوضع سياسة للتعاون بين الدول الأورومتوسطية هو الكفيل بتنمية إمكانيات الشراكة بين هذه الدول.

وأضافت أن حدث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 سيؤرخ به للقرن الواحد والعشرين لتأثيره الهائل علي ملامح لوحة المستقبل العالمي، فهو أيقظ النزعة المسكونة بأشباح الحروب الصليبية في العقل الغربي، ومن هنا لا بد من مبادرة عربية تقوم على أساس القناعة الكاملة بأن حوار الحضارات أساس صياغة النظام العالمي الجديد.

التفاعلات الدولية
ناقش هذا الجزء المهم "التطورات الداخلية في الولايات المتحدة الأميركية"، والاتحاد الأوروبي وقضايا الشرق الأوسط، وسياسة الصين الخارجية وتعزيز الدور الدولي، وصعود اليسار في أميركا اللاتينية، واستمرار تعافي الاقتصاد العالمي.

استحوذ الاحتلال الأميركي للعراق على القسط الأكبر من الاهتمام الداخلي في أميركا، وشاعت قناعة قوية لدى قطاع عريض من الدوائر السياسية الأميركية أن واشنطن في المرحلة الراهنة تفتقد القدرة السياسية والعسكرية على احتواء الموقف المتأزم في العراق.

كما توجد فجوة هائلة بين ما تسعى إدارة بوش لتحقيقه وبين ما تم تخصيصه من موارد سياسية وعسكرية واقتصادية ومخابراتية وبشرية.

ومن ثم فإن الإستراتيجية الأميركية تستوجب تغيرا في أهدافها من بناء دولة مستقرة إلى احتواء الأزمة العراقية عند مستوى معين ووقف تأثيرها على الحدود العراقية منعا من وصولها إلى بقية الإقليم.

ولعب الشأن العراقي الدور الرئيسي في سقوط الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس ونجاح الحزب الديمقراطي الذي شكل أغلبية الكونغرس رقم 110 وحصوله على أغلبية حكام الولايات، وهو ما قد يرفع أسهمه في انتخابات الرئاسة المقررة هذا العام 2008.

وجاءت نتائج الانتخابات لتعلن بداية أفول نجم المحافظين الجدد من دوائر التأثير ومراكز صناعة القرار السياسي، وجاء دور لجنة بيكر–هاملتون محاولاً الوصول إلى نوع من الاتفاق بين الأطراف السياسية الداخلية الأميركية (الديمقراطيون والجمهوريون) حول المأزق الأميركي في العراق.

"
الاحتلال الأميركي للعراق استحوذ على القسط الأكبر من الاهتمام الداخلي في أميركا، وشاعت قناعة قوية لدى قطاع عريض من الدوائر السياسية أن واشنطن في المرحلة الراهنة تفتقد القدرة السياسية والعسكرية لاحتواء الموقف المتأزم في العراق
"
وطرح الرئيس بوش "إستراتيجية التقدم إلى الأمام" التي بدت كأنها محاولة تحفيز يصر عليها لتنفيذ سياساته في العراق دون أي تغيير جوهري.

وبالنسبة للاتحاد الأوروبي وقضايا الشرق الأوسط فإن العقيدة الأمنية الجديدة لأوروبا بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001 ترى أن أزمات الحكم في دول الجنوب هي المصدر الأساسي لمشكلات الأمن بالمعني الشامل، ومن ثم الدعوة لإصلاح نظم الحكم في منطقة الشرق الأوسط وتحديثها.

أما سياسة الصين الخارجية فإنها تسعى لزيادة دورها العالمي وتأمين مصالحها عبر العالم، وتولي أهمية للعلاقات الاقتصادية مع كافة الدول وخاصة فتح الأسواق أمام صادراتها واستثماراتها، وتأمين مصادر النفط والمواد الخام لضمان استمرار عجلة التنمية في الداخل.

التفاعلات الإقليمية
تضمن هذا الجزء قضايا استراتيجية مثل المتغيرات الدفاعية والتصورات المطروحة لأمن الشرق الأوسط والموجة الثالثة لمشكلات الانتشار النووي وإشكالية العلاقة بين السنة والشيعة وتطورات تركيا وإيران من الداخل.

ويشير إلى أن الشرق الأوسط أصبح مسرحاً للمواجهات الإستراتيجية الدولية وهو تحول -بفعل ما جرى ويجري في العراق وأفغانستان- إلى إقليم في حالة توتر وتحول سريع على المستوى السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي.

ويرجح أن التخطيط العسكري الأميركي سيبنى على أساس وجود عسكري أكثر كثافة ومرونة في المنطقة مقارنة بفترة الحرب الباردة، مع الترتيب لتدخل سريع بواسطة قوات للدعم قادمة من مناطق قريبة من البحر المتوسط.

أما بالنسبة للموجة الثالثة للانتشار النووي المرتبطة باحتمالات امتلاك إيران أسلحة نووية فإنها ستؤدي إلى حدوث تغير إستراتيجي في المنطقة ينتقل بها من حالة الاحتكار النووي الإسرائيلي إلى حالة الانتشار النووي المستندة إلى نموذج القطبية الثنائية في الإقليم.

وشهدت البلدان العربية بداية موجة من الانتشار النووي المدني وكأن ثمة ماراثونا نوويا يجري في الشرق الأوسط في ظل مقولات جديدة تماما تتعلق بالعلاقة بين القدرة النووية والقوة النووية.

فرغم أن تلك الموجة لن تؤدي بالضرورة إلى تداعيات عسكرية، فإن المؤكد أنها ستدفع باتجاه ظهور تأثيرات إستراتيجية لا تزال الأفكار الخاصة بها تحت التشكيل.

كما أن الإشارة إلى إعلان إسرائيل دولة نووية من جانب رئيس وزرائها إيهود أولمرت تعبير عن سياسة جديدة فحواها أنه على العالم الاعتراف بالأمر الواقع والخاص ببعض الدول خارج نطاق تصنيف معاهدة منع الانتشار النووي، وهو ما يعني أن ملامح نووية جديدة ستضاف إلى الوجه الإستراتيجي للإقليم بما يؤثر على اللاعبين الرئيسيين.

وبالنسبة للدلالة السياسية لإشكالية العلاقة بين السنة والشيعة فقد فجرها بشكل رئيسي السياسات التي اتبعتها الإدارة الأميركية في ترتيب تحالفاتها الداخلية وإدارة صراعاتها الإقليمية وبخاصة مع إيران.

"
الدلالة السياسية لإشكالية العلاقة بين السنة والشيعة فجرها بشكل رئيسي سياسات الإدارة الأميركية في ترتيب تحالفاتها الداخلية وإدارة صراعاتها الإقليمية وبخاصة مع إيران
"
وجاء إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين فجر يوم 30 ديسمبر/ كانون الأول 2006 الموافق لأول أيام عيد الأضحى، ليعبر عن عمق المشاعر الطائفية لدى الشيعة في مواجهة السنة في العالم.

ويرجح التقرير أن مستقبل النزاعات والصراعات المذهبية في المنطقة تتجه نحو الاستمرار في ظل استمرار السياسات الأميركية والإيرانية.

أما بالنسبة لتركيا من الداخل فإن فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية يشير إلى أنه أصبح أكثر مدنية وتقدما من جميع الأحزاب الكمالية الأخرى وأنه أثبت ذلك بالممارسة العملية.

وبالنسبة لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي فإن الاعتبارات الدينية والحضارية والثقافية هي المحدد الرئيسي لذلك، والرفض الأوروبي لتركيا يعني أنه لا بديل عن عودتها إلى فضائها الإسلامي.

وبالنسبة لإيران من الداخل فإن عودة ملف الأقليات خاصة مع دق طبول الحرب الأميركية، يعني إمكان توظيفها للتمرد في مواجهة النظام.

القضية الفلسطينية
مثل فوز حماس يوم 25 يناير/ كانون الثاني 2006 في الانتخابات التشريعية الفلسطينية انقلابا في المعادلة السياسية الفلسطينية.

وجاء تشكيل حماس للحكومة بمفردها في مارس/ آذار 2006 ليقود نحو انحدار الصلات والتفاعلات بين شركاء النظام الفلسطيني إلى درك أسفل من الاتهامات والتباغض والتنافر التي امتدت إلى تضاعيف المجتمع الفلسطيني ومؤسساته المدنية والسياسية والأمنية بما أفسد المناخ الفلسطيني كله.

ثم جاء تشكيل حكومة وحدة وطنية في مارس/ آذار 2007 ليكشف أنها لم تعد مسألة فلسطينية داخلية، بل أصبحت مجالا للضغوط الأميركية والأوروبية والإسرائيلية وبعض الدول العربية.

ولم يمنع اتفاق مكة يوم 8 فبراير/ شباط 2007 فرقاء القضية الفلسطينية من العودة إلى الاقتتال مرة أخرى يوم 11 مايو/ أيار 2007 لأنه لم يكن أكثر من ممر إجباري إلى مشهد مشوش يميل إلى اللون الرمادي ولا يستقر على وجهة معينة.

وتبدو معضلة غياب الفلسفة الواضحة للمؤسسة الأمنية والتحديات الخارجية الأميركية والإسرائيلية التي تصر على الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف والالتزام بالاتفاقيات الموقعة معها، أكبر التحديات التي تواجه بناء حوار فلسطيني يخرج بالقضية الفلسطينية من المحنة الخطيرة التي يواجهها النظام.

الإقليمي العربي
يناقش هذا الجزء من التقرير تفاعلات النظام العربي ومؤشراته، والتطورات السياسية والأمنية في العراق، والأزمة السودانية، والصومال منذ هيمنة المحاكم الإسلامية إلى الاحتلال الإثيوبي، والجزائر وتحولات البيئة السياسية، والتطور الديمقراطي في موريتانيا، والتطورات الاقتصادية في الدول العربية.

ويذهب إلى أن النظام يواجه حالة اختراق غير مسبوقة من الخارج، وعجز مؤسساته عن التفاعل بالكفاءة المطلوبة مع تحديات النظام. وبدون عمل عربي جماعي يستند إلى قاعدة حقيقية للقوة وليس دبلوماسية التصريحات، لن يكون ميسورا مواجهة معضلات المستقبل.

"
التطور الديمقراطي في موريتانيا جاء استثناء في تفاعلات النظام العربي, فقد التزم المجلس العسكري الحاكم بالإقدام على التأسيس لحالة ديمقراطية نادرة تمثلت في إجراء تعديلات على الدستور تضمن عدم الانتكاس على العملية الديمقراطية مستقبلا
"
ويعد التطور الديمقراطي في موريتانيا استثناءً في تفاعلات النظام العربي فقد التزم المجلس العسكري الحاكم بالإقدام على التأسيس لحالة ديمقراطية نادرة تمثلت في إجراء تعديلات على الدستور تضمن عدم الانتكاس على العملية الديمقراطية مستقبلا.

وأجرى انتخابات برلمانية ومحلية نزيهة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2006 فاز بها المستقلون ولم تستبعد القوى الإسلامية، ثم شهدت البلاد انتخابات رئاسية تنافسية في مارس/ آذار 2007 أسفرت عن فوز المرشح المستقل سيدي ولد الشيخ عبد الله بعد انتخابات إعادة للمرة الأولى في تاريخ البلاد، إذ كان الحسم يتم في الجولة الأولى عادة، وهو ما جعل رئيسة بعثة المراقبين الأوروبيين تقول "عندما كنت أستمع لنتائج الجولة الأولى من الانتخابات لاحظت أنها لا تختلف في شيء عن الأرقام والمؤشرات المألوفة في بلداننا الأوروبية".

جمهورية مصر العربية
يتضمن هذا الجزء من التقرير الحديث عن التعديلات الدستورية الـ34 التي عرفها الدستور المصري وتفاعلات الأحزاب والقوى السياسية وانتخابات النقابات العمالية وقضايا السجال العام في مصر، والأزمة بين الجماعة القضائية والسلطة التنفيذية والتعليم والاقتصاد.

جرى الاستفتاء على التعديلات الدستورية يوم 26 مارس/ آذار 2007 بنسبة مشاركة هي 27%، ومثل عزوف الناس عن المشاركة تعبيراً عن عدم الاهتمام والتأكد مسبقا أن النظام السياسي سيفعل ما يريد وإدراكهم أن مشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية لن تحلها الانتخابات ولا الاستفتاءات.

وكشفت انتخابات النقابات العمالية أن هناك أزمة هيكلية في التنظيم النقابي الرسمي الذي يبدو جزءًا من الجهاز الإداري للدولة، ومن ثم يتطلب الأمر وجود حريات نقابية وضم عمال القطاع الخاص إلى التنظيم النقابي وعودة الدور الحيوي للجان النقابية.

وتكشف أزمة القضاة عن تغول السلطة التنفيذية وامتلاكها أدوات حساسة للتأثير على مؤسسات القضاء، أما وضع التعليم فإنه خطير ويحتاج إلى إصلاح من الجذور في إطار بيئة جاذبة لرأس المال البشري وعبر إصلاحات سياسية ودستورية حقيقية.

ويبدو لنا أن التقرير هذا العام حاول بقدر إمكانه أن يضع عين القارئ على مسارات الأحداث المستقبلية، كما أنه ذخيرة مهمة لأحداث العام الماضي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك