عرض/ بدر محمد بدر
تعد الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت) أسرع وسائل الاتصال نمواً في التاريخ, وتمثل التقارب التقني بين كل من الهاتف والتلفزيون والحاسب الآلي, ولا تزال آثار هذه الشبكة في مراحل نموها الأولى.

هذا الكتاب يناقش بعض آثار الإنترنت على الفرد والمجتمع, وخصوصاً ما يتعلق بالجوانب الاجتماعية والعادات والمعايير الأخلاقية, سواء في مجال الحريات السياسية أو الدينية أو الاقتصادية، أو في مجال القيم الإنسانية على وجه العموم, وما إذا كانت هذه الآثار إيجابية أو سلبية.

-اسم الكتاب: أطفال الإنترنت
-المؤلف: أحمد محمد صالح
-الصفحات: 188
-الناشر: دار سطور, القاهرة
-الطبعة: الأولى 2007
  
  
مستخدمو الإنترنت
يستعرض المؤلف أحمد محمد صالح في المقدمة حجم ظاهرة الإنترنت, ويشير إلى إحصائية صادرة عن الاتحاد الدولي للاتصالات نشرت في أغسطس/ آب 2007, تقول إن عدد مستخدمي الإنترنت في العالم بلغ 983.7 مليونا, بما يعادل 15.28% من سكان الكرة الأرضية، وبلغ عدد الحواسيب 588.3 مليونا، في حين تبلغ نسبة مستخدمي الإنترنت في الوطن العربي 7.29% من عدد السكان, أي نصف النسبة العالمية.

وتشير الإحصاءات أيضاً إلى أن دولة الإمارات العربية احتلت المرتبة الأولى عربياً بنسبة استخدام 31.08% من السكان, تلتها قطر والكويت, واحتلت مصر المرتبة الأولى في عدد مستخدمي الإنترنت إذ بلغ خمسة ملايين مستخدم, واحتلت السعودية المرتبة الأولى في عدد الحواسيب إذ بلغت أكثر من أربعة ملايين حاسوب.

أبحاث قليلة
ويشير المؤلف إلى أنه رغم أن ثورة المعلومات والاتصالات عموماً -والإنترنت تحديداً- كانت سريعة جداً, فإن الأبحاث التي تناولت فهم تأثيرها تأخرت كثيراً, ثم بدأت تتدفق في تناول قضايا التغيير الاجتماعي.

ويرى أن التغيير الاجتماعي -وهو الإطار الأوسع للتغيير- أصبح معدله متسارعاً في السنوات الأخيرة, خاصة في ظل التغييرات المتدفقة في تقنية الاتصال والمعلومات.

وإذا كانت التغييرات التقنية عادة ما تتميز بوضوح آثارها لأنها في معظم الأحيان مرئية ومنظورة, ما يتيح الفرصة لأخذ التدابير للتعامل معها, فإن التغيير الاجتماعي عادة ما يكون غامضاً وغير واضح الآثار, حيث لا يلاحظ إلا بعدما تظهر نتائجه, ولكن له أهمية كبيرة في التطوير المنظم للحضارة المعاصرة.

"
الموجة الخامسة للتغيير في تاريخ البشرية بدأت من عام 1990 وحتى الآن, وملمحها الأساسي الإلكترونيات الدقيقة وشبكة الحاسوب, ووسائل اتصالها الرئيسي هي الشبكات الرقمية
"
خمس موجات للتغيير
يقول المؤلف إن هناك خمس موجات للتغيير أولها حدثت بين عامي 1780 و1840, وكان ملمحها الأساسي الثورة الصناعية. والموجة الثانية بين عامي 1840 و1890, وملمحها الأساسي طاقة البخار والسكك الحديدية, وانحصرت وسائل اتصالاتها في التلغراف والسكك الحديدية. والموجة الثالثة بين عامي 1890 و1940, وملمحها الأساسي الحديد والصلب والكهرباء, ووسائل اتصالها التلفزيون والسكك الحديدية.

والموجة الرابعة بين عامي 1940 و1990, وملمحها الأساسي الإنتاج الضخم الشامل, ووسائل اتصالها الراديو والتلفزيون وشركات الطيران والطرق السريعة. أما الموجة الخامسة للتغيير فبدأت من عام 1990 وحتى الآن, وملمحها الأساسي الإلكترونيات الدقيقة وشبكة الحاسوب, ووسائل اتصالها الرئيسي الشبكات الرقمية.

ماذا بعد الإنترنت؟
ويتساءل المؤلف عن الأعوام الخمسين القادمة: ماذا بعد ثورة الجينات وثورة الإنترنت؟ ما هي موجة التغيير القادمة؟ ويشير إلى أن اليابان بدأت بالفعل أبحاثاً جديدة لإيجاد تقنية متطورة يمكن استخدامها لإقامة شبكة دولية تحل محل الإنترنت, بعد تزايد مشكلات الشبكة الحالية.

ويتزامن ذلك مع جهود مماثلة يبذلها باحثون من أميركا وأوروبا لإعادة بناء البنية الأساسية للإنترنت, وبالتالي سيصبح تطوير التقنية اللازمة لأجهزة عصر ما بعد الإنترنت ضرورة لا مفر منها بحلول العام 2020, حيث إن شبكة الإنترنت وصلت الآن الحدود القصوى لإمكاناتها.

حجم التأثير
ولكن ما مدى تأثير تقنية المعلومات على القيم الإنسانية في الحياة والصحة والأمان والسعادة والحرية والديمقراطية والمعرفة والعدالة.. إلخ؟

البعض يرى أن تقنية المعلومات ستحدث "ثورة هائلة", لكن المؤلف يتعامل مع هذه العبارة بحذر شديد, باعتبار أن البشر بقراراتهم وسياساتهم وقوانينهم وأعمالهم هم الذين يخلقون التغييرات الاجتماعية وهم الذين سيغيرون العالم, وتقنية المعلومات مجرد أداة فقط, ومن التضليل وصف البشر بأنهم ضحايا عاجزون على طول الخط أمام فيضان تقنية المعلومات.

"
العمل من المجالات التي تأثرت بتقنية المعلومات حيث لم يعد مرتبطاً في بعض الأحيان بمكان معين أو بوقت محدد, والعديد من الأشياء التي تستعمل في العمل قد تقوم بها الأدوات والأجهزة الرقمية
"
مفاهيم تأثرت
ويستعرض المؤلف عدداً من المجالات التي تأثرت بتقنية المعلومات منها "العمل" حيث لم يعد مرتبطاً في بعض الأحيان بمكان معين أو بوقت محدد, والعديد من الأشياء التي تستعمل في العمل قد تقوم بها الأدوات والأجهزة الرقمية.

وقد تأثرت بالتالي المنافع الاجتماعية والنفسية في ممارسة وامتلاك وظيفة ما, بتقنية المعلومات عندما يقوم الشخص بالعمل من البيت أو من مكان آخر بعيداً عن الاحتكاك بزملاء أو رؤساء.

وأيضاً مفهوم "المال" فالفرد عندما يفكر في المال يتذكر الأوراق النقدية أو الشيكات وغيرها, ولكن اليوم تشكل "النقود الرقمية" أو "الإلكترونية" زخماً على شبكات الحاسب أو على البطاقات الذكية المحمولة في الجيوب, والتي بدأت تنتشر بدلاً من العملات الورقية والمعدنية.

وكذلك مفهوم "الديمقراطية" والتمثيل الديمقراطي, فبعض أعضاء البرلمانات "رُبطوا لاسلكيا" إلى ناخبيهم من خلال المواقع أو البريد الإلكتروني, وأمكن للناخبين وممثليهم في البرلمان تبادل الآراء بفورية تامة حول قضية ما, وبالتالي تغير المفهوم.

نفوذ أميركي
ويشير المؤلف إلى أن بعض الحكومات منزعجة من فكرة أن شعوبها قد تستطيع الحصول على الأنواع المختلفة من المعلومات التي لا يريد المسؤولون الحكوميون أن تصلهم.

ويقول إن للقانون الأميركي والقيم الأميركية نفوذاً غير متكافئ على الإنترنت, لأن أكثر الرسائل باللغة الإنجليزية, وأكثر من 60% من حركة المرور على الشبكة من أميركا, وهذا النفوذ لن يدوم في المستقبل لأن هناك زيادة في عدد المستخدمين باللغات الأخرى على الشبكة.

أطفال الإنترنت
وإذا كان عدد مستخدمي الإنترنت من العرب في تزايد مستمر ومتسارع, فإن الطفل العربي يواجه تحديات حقيقية تؤثر على نمط حياته ومستقبله, والحديث عن "أطفال الإنترنت" هو من قبيل التخطيط للمستقبل القريب.. هذا المستقبل أصبح واقعاً في أجزاء كبيرة من العالم.

ولابد من الاعتراف بأن الاختراعات التقنية الجديدة -خصوصاً المرتبطة بالمعلومات والاتصالات- لها تأثيرات بعيدة المدى على التربية وطرق التفكير وأنماط التعلم.

والتعلم عن طريق الحاسوب والإنترنت نوع جديد من التعلم, لأن الحاسوب كوسيلة تعليمية يتميز بمزايا كثيرة مثل حفظ البيانات واستدعائها ومعالجتها في تبسيط موضوع الدرس وتشويقه, حيث التفاعل والاحتكاك مع الصورة والصوت والكلمة والأشكال البيانية, ويعطي الطفل فرصة لحل المشكلات وتصحيح الأخطاء, ويزيد القدرة على عمق التفكير وتنمية قدرات الابتكار.

والحاسوب يسمح للأطفال بالاتصال بالآخرين حول العالم الواسع من خلال البريد الإلكتروني وصفحات الويب, ويدعم الفرصة لتحقيق سهولة الاتصال والمشاركة والتبادل لكل ما صنعه الإنسان من خلال انتشار مجتمعي واسع.

وبالتالي فهو يسمح للأطفال بأن يدخلوا مجمعاً واسعاً من الخبرات التي لم تكن متاحة من قبل, وفي هذه الحالة فإن على الآباء والأمهات إعادة النظر في مفاهيمهم للطفولة, وكذلك في طرق ومناهج التعلم التي تقدم للأطفال, وهم السادة الجدد في عصر المعلومات.

الإنترنت والمطبوعات
هل سيأتي يوم تنقرض فيه المجلات في صورتها الورقية المطبوعة؟ يقول المؤلف إن الإحصائيات العالمية تؤكد أن المجلات الثقافية الورقية تزداد توزيعاً في الأسواق التي تعرف انتشاراً واسعاً للإنترنت كالسوق الأميركية والأوروبية, ولكن أغلب الظن أن المجلات الثقافية التي لن تساير التقنية ستنقرض.

وحول حرية الإنترنت في العالم العربي يشير المؤلف إلى تقرير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان الذي يؤكد أنه لم تتح حرية نسبية لمستخدمي الإنترنت إلا في ثلاث دول هي: الأردن والإمارات العربية المتحدة وقطر, بينما الدول الباقية التي شملتها الدراسة (ثماني دول) تفرض قيوداً أمنية شائعة في العالم العربي.

"
الحكومات الاستبدادية -ومنها الحكومات العربية- سمحت للإنترنت في بلدانها تحت ظروف مسيطر عليها, وفي معظم هذه الدول تصل شبكة الإنترنت لنسبة مئوية صغيرة فقط من السكان
"
ويشير التقرير أيضا إلى أن الحكومات الاستبدادية -ومن ضمنها الحكومات العربية- سمحت للإنترنت في بلدانها تحت ظروف مسيطر عليها, وفي معظم هذه الدول تصل شبكة الإنترنت إلى نسبة مئوية صغيرة فقط من السكان.

ويقرر المؤلف أن شبكة الإنترنت وحدها لا تحدث أي آلية للتغيير, ولا يمكن تحديد نتائجها سواء السلبية أو الإيجابية مسبقاً, حيث يعتمد تأثير الإنترنت على التحولات والتغييرات الواسعة في السياق الاجتماعي والمؤسسي.

الدين حاضر بقوة
يقول المؤلف إن "الدين" حاضر بقوة على شبكة الإنترنت, وبخاصة في منتديات الدردشة ومجموعات الأخبار, وكل الأديان الرئيسية ممثلة في الإنترنت, بل كل الطوائف الكبيرة والصغيرة في تلك الأديان.. آلاف من الشيع والفرق والملل حاضرة وموجودة, وصفحات "ويب" شخصية غير معدودة تدار من قبل مؤمنين عاديين وقيادات دينية معروفة ومرشدين ودعاة ووعاظ.

هذا إلى جانب المواقع التجارية العديدة التي ترغب في الربح على حساب حاجتنا الروحية, وتبيع لنا الكتب والأشرطة والبخور والروائح, ويمكن للناس أن يقرؤوا عن الدين أو يتناقشوا مع الآخرين حول الدين على صفحات الشبكة وهكذا.

ويطالب المؤلف بالبدء في إعداد دراسات علمية حول الإنترنت لمعرفة أكثر وضوحاً وتحديداً حول المحتوى والمضمون على الشبكة, ومن الذي وضعه ولماذا؟

ولابد من مقابلة بعض صناع تلك المواقع لمناقشتهم حول المحتوى, وتحديد أعمارهم وانتمائهم الديني والعرقي والمهني وموضعهم الجغرافي.. إلخ حتى يمكن الخروج باستنتاجات حقيقية حول شبكة الإنترنت ومدى إيجابيتها أو سلبياتها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك