عرض/محمود محارب

دأب قادة إسرائيل -وفي مقدمتهم شمعون بيريز- في العقدين الأخيرين, على الإعلان بين الفينة والأخرى أن بوسع إسرائيل رفع معدل إنتاج الفرد السنوي فيها, في الزمن المنظور, ليضاهي مثيله في الدول الأكثر تطورا في العالم، بيد أن هذا التطلع ظل بعيد المنال حتى الآن.

يعالج كتاب "اقتصاد إسرائيل في عصر العولمة: التأثيرات الإستراتيجية" هذه المسألة بالذات, حيث يقارن اقتصاد إسرائيل مع اقتصاد عشرين دولة الأكثر تطورا في العالم, ويستعمل معدل إنتاج الفرد السنوي معيارا أساسيا لقياس مدى التطور الاقتصادي, ويحلل بعمق العوامل التي تؤثر على وتيرة نمو معدل إنتاج الفرد السنوي في إسرائيل, وتلك التي تكبحه وتحد من تطوره.

مؤلفا هذا الكتاب الذي صدر عن معهد أبحاث الأمن القومي في يوليو/تموز من هذا العام, هما رجل الأعمال الإسرائيلي بيني لاندا والدكتور شموئيل إيفن المستشار الاقتصادي وعضو معهد أبحاث الأمن القومي بتل أبيب.

يتألف الكتاب من مقدمة وثلاثة فصول وخلاصة، ويحلل في الفصل الأول العلاقة بين القوة الاقتصادية والقوة القومية في زمن العولمة، أما الفصل الثاني فيقارن خلاله النمو الاقتصادي ومعدل إنتاج الفرد السنوي في إسرائيل مع عشرين دولة الأكثر تطورا في العالم، ويحلل الفصل الثالث العوامل الكابحة لنمو معدل إنتاج الفرد في إسرائيل.

- الكتاب: اقتصاد إسرائيل في عصر العولمة
- المؤلف: بيني لاندا وشموئيل أيفن
- الصفحات: 80
- الناشر: معهد أبحاث الأمن القومي، جامعة تل أبيب
- الطبعة: الأولى/يوليو 2007

العولمة سلاح ذو حدين
يؤكد المؤلفان أن العولمة هي إحدى العوامل الهامة التي تؤثر على الاقتصاد الإسرائيلي في العقود الأخيرة وأن هناك علاقة قوية, في عصر العولمة, بين قوة الدولة الاقتصادية والأمن واستقلال القرار السياسي والاستقرار الداخلي.

فالعولمة تفتح فرصا واسعة ولكنها تحمل أيضا في الوقت نفسه مخاطر كثيرة، إذ هي تمكن الشركات الدولية من استثمار أموالها أو تأسيس مصانع إنتاجية في تلك الدول والمناطق التي تدر عليها أعلى نسبة من الأرباح, وتفتح المجال للعمال المهرة والمتعلمين والأخصائيين للانتقال والهجرة إلى تلك الأماكن التي يحصلون فيها على رواتب أعلى مقابل تخصصاتهم.

وهي كذلك توسع الفجوة بين دخل أولئك الذين يعملون في "الهاي تك" وأولئك الذين يعملون في الصناعات التقليدية، وفي بعض الأحيان تسبب العولمة أضرارا وخيمة حين تسهل نقل المصانع ونقل الأموال وهروب الأدمغة إلى دول أخرى بسرعة فائقة.

يؤكد المؤلفان أنه رغم التحسن الذي طرأ على معدل إنتاج الفرد السنوي في إسرائيل, في السنوات الأخيرة, فلا يزال الاقتصاد الإسرائيلي بعيدا من اللحاق باقتصاد عشرين دولة الأولى في العالم.

ففي حين كان معدل إنتاج الفرد السنوي في إسرائيل عام 2005 18 ألفا وأربعمئة دولار, بلغ مثيله في عشرين دولة الأولى ثلاثين ألفا وسبعمئة دولار في نفس العام. وبالرغم من الزيادة في دخل الفرد السنوي في إسرائيل عام 2006, حين أصبح 19 ألفا وثمانمئة دولار فإن معدل إنتاج الفرد في عشرين دولة الأولى لا يزال أعلى بـ60% من مثيله في إسرائيل.

يقارن الكتاب معدل إنتاج الفرد في إسرائيل في العقد الأخير مع معدل إنتاجه في العقود السابقة في إسرائيل ليستخلص أن معدل نمو دخل الفرد في العقد الأخير كان أقلها نموا مقارنة بالعقود الأربعة الماضية.

ففي العقد الممتد من 1967 إلى 1976 ارتفع معدل دخل الفرد السنوي بـ55.2%، وفي العقد الممتد من 1977 إلى 1986 ارتفع معدل دخل الفرد السنوي بـ14.5%، وفي العقد الممتد من 1987 إلى 1996 ارتفع معدل دخل الفرد السنوي بـ26.8%، وفي العقد الممتد من 1997 إلى 2006 ارتفع معدل دخل الفرد السنوي بـ10.9%.

ولا يمكن أن نثق بأن معدل النمو المرتفع في السنوات الثلاث الأخيرة سيستمر في السنوات القادمة، ويقول المؤلفان إنه حتى إذا استمر النمو على هذه الوتيرة المرتفعة, فإن إسرائيل بحاجة إلى سنوات عديدة أخرى لكي تعيد نفسها إلى المكان الذي كانت فيه في العام 2000, قبل تفجر الانتفاضة الفلسطينية وسقوط صناعات "الهاي تك" فيها.

في مقابل عوامل القوة في الاقتصاد الإسرائيلي وأبرزها المستوى الرفيع في المعرفة والخبرة التكنولوجية وتوفر قوة عمل نوعية والمبادرة, علاوة على العلاقات الخاصة مع أميركا وأوروبا, يقول المؤلفان إن هناك خمسة كوابح أساسية تحد من النمو الاقتصادي في إسرائيل وتقف عائقا أمام تطوره وتقلل من مقدرته التنافسية مقارنة مع الدول العشرين المتطورة.

وهذه الكوابح هي:
١- عدم استنفاد قوة العمالة في إسرائيل وخاصة تدني نسبة الذين يعملون مقارنة مع أولئك الذين لا يعملون ويعتمدون في معيشتهم على الذين يعملون.
٢- الوضع الأمني والسياسي.
٣- اتساع حجم القطاع العام مقارنة بالقطاع الخاص.
٤- ديون الدولة.
٥- الضرائب المرتفعة.

"
إسرائيل لا تستطيع زيادة معدل إنتاج الفرد السنوي دون زيادة نسبة العمالة وتقليص نسبة البطالة وإدخال قطاعات من المجتمع الإسرائيلي داخل دائرة العمل, مثل قطاع اليهود المتدينين الحراديم الذين هم في سن العمل
"
انخفاض المشاركة في العمل
في إسرائيل 37% من مجموع السكان فقط يعملون, والبقية تعتمد في معيشتها عليهم، وهذه النسبة منخفضة جدا, وخاصة عند مقارنتها مع الدول العشرين الأولى, حيث يبلغ معدل الذين يعملون فيها 47% من مجموع السكان.

يعيد المؤلفان انخفاض هذه النسبة في إسرائيل إلى سببين أساسيين, هما: أولا, ارتفاع نسبة الذين لا يعملون وهم في جيل العمل (15 – 65)، وثانيا, انخفاض نسبة من هم في جيل العمل من مجموع السكان وذلك أساسا لسرعة وتيرة ازدياد السكان في إسرائيل, بسبب نسبة التكاثر الطبيعي المرتفعة والهجرة اليهودية إليها.

تبلغ نسبة الذين لا يعملون في إسرائيل وهم في جيل العمل 19% من مجموع من هم في جيل العمل, في حين أن معدل مثيلتها في الدول العشرين الأولى تصل 16% فقط.

أحد أهم الفوارق الأساسية بين إسرائيل والدول العشرين هو نسبة المواطنين الذين هم خارج دائرة العمل, أولئك الذين تقل أعمارهم عن 15 عاما أو أولئك الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاما. فنسبة الأطفال دون سن 15 عاما في إسرائيل تبلغ 28% من مجموع السكان, في حين أن تلك النسبة في الدول العشرين تبلغ 18% فقط.

وأما نسبة كبار السن الذين تزيد أعمارهم عن 65 سنة فتبلغ نسبتهم في إسرائيل 10% من مجموع السكان, في حين أن تلك النسبة في الدول العشرين تبلغ 15%.

الفرق بين إسرائيل والدول العشرين لا يقتصر على معدل إنتاج العامل السنوي, بل يتعداه إذ يبلغ معدل إنتاج العامل السنوي في إسرائيل 49 ألف دولار في حين يبلغ مثيله في الدول العشرين 64 ألفا وثلاثمئة دولار.

يؤكد المؤلفان أن إسرائيل لا تستطيع زيادة معدل إنتاج الفرد السنوي بدون زيادة نسبة العمالة وتقليص نسبة البطالة وإدخال قطاعات من المجتمع الإسرائيلي داخل دائرة العمل, مثل قطاع اليهود المتدينين الحراديم الذين هم في سن العمل، إذ لا تشارك نسبة مرتفعة للغاية منهم في العمل "لتفرغها" لدراسة التوراة والعبادة.

في عام 2005 بلغ عدد السكان الذين يعملون في إسرائيل 2.58 مليون من مجموع السكان البالغ عددهم 6.91 ملايين نسمة، أي أن 4.33 ملايين من مجموع السكان كانوا لا يعملون ويشكلون عبئا اقتصاديا على الذين يعملون ويعيلونهم.

أي أن كل مليون عامل في إسرائيل يعيل 1.68 مليونا لا يعملون وهي نسبة مرتفعة تزيد عن 62% عن مثيلتها في الدول العشرين حيث معدل ما يعيله مليون عامل فيها هو 1.04 مليون نسمة.

"
إسرائيل تسير في دائرة مفرغة لأنها من أجل أن تزيد معدل إنتاج الفرد عليها أن تخلق وظائف نوعية تدر رواتب مرتفعة، وذلك بحاجة إلى أن تستثمر في التعليم بشكل ملائم وبصورة ناجعة وفعالة, الأمر الذي من الصعب القيام به دون رفع معدل إنتاج الفرد السنوي
"
اقتصادان مختلفان

يشير المؤلفان إلى أن اقتصاد إسرائيل يشبه إلى حد كبير اقتصاد دولتين مختلفتين: اقتصاد دولة متطورة ومزدهرة وغنية، واقتصاد أخرى ضعيفة وفقيرة وتنتمي إلى العالم الثالث.

وتتفاقم المشكلة أكثر في إسرائيل وتزداد حدتها لأن الانتماء إلى الاقتصاد المتطور والغني أو الفقير والضعيف يسير وفق حدود إثنية أو دينية وخاصة فيما يتعلق باليهود المتدينين "الحراديم" وقطاع واسع من اليهود الشرقيين الذين ينتمون إلى الاقتصاد الفقير.

فوفق الإحصاءات الرسمية الإسرائيلية الصادرة عن مؤسسة التأمين الوطني عام 2005 و2006, يعيش 33.1% تحت خط الفقر, بدون حساب المساعدات الاجتماعية.

وبعد حساب المساعدات الاجتماعية التي يتلقاها الفقراء من التأمين الوطني يبقى 1.63 مليون من مجموع سكان إسرائيل تحت خط الفقر، وهذه نسبة مرتفعة للغاية وتعتبر أعلى نسبة في أوروبا.

يشير المؤلفان إلى أن معدل إنتاج سنوي الفرد منخفض يقود ليس إلى مستوى معيشة منخفض فحسب وإنما أيضا إلى استدامة أمد الفقر, ويشكل عبئا على المجتمع ويقلص من إمكانية تخصيص ميزانيات للبنية التحتية والأمن والتعليم والصحة.. إلخ.

فمثلا بلغت نسبة ميزانية التعليم في السنوات الأخيرة في إسرائيل 7.5% من مجمل الإنتاج المحلي، وهذه النسبة تشابه نسبة ميزانيات التعليم في عشرين دولة الأكثر تطورا، ولكن عندما تترجم هذه النسبة إلى كلفة التلميذ يتضح أن إسرائيل تخصص 4200 دولار سنويا في حين أن معدل ما تخصصه الدول العشرون الأكثر تطورا في العالم للتلميذ يبلغ 7800 دولار سنويا.

أما الطالب الجامعي فيكلف إسرائيل مبلغ 5300 دولار بينما يكلف الطالب الجامعي في الدول العشرين الأكثر تطورا 9700 دولار سنويا وهو ما يزيد عن إسرائيل بـ80%.

يعتقد المؤلفان أن إسرائيل تسير في دائرة مفرغة، لأنها من أجل أن تزيد معدل إنتاج الفرد عليها أن تتبع خطوات في مقدمتها أن تخلق وظائف نوعية تدر رواتب مرتفعة، وهذه الوظائف بحاجة إلى موظفين متعلمين وأخصائيين، وهؤلاء يمكن الحصول عليهم فقط عندما تستثمر إسرائيل في التعليم بشكل ملائم وبصورة ناجعة وفعالة, الأمر الذي من الصعب القيام به بدون رفع معدل إنتاج الفرد السنوي.

والأمر نفسه يمكن قوله بالنسبة للمصروفات الإسرائيلية على الخدمات الطبية, حيث تصرف 6.1% من مجمل الإنتاج المحلي وهي أقل بقليل من 6.8% التي تصرفها الدول العشرون الأولى من مجمل الإنتاج المحلي.

ولكن نسبة ما تصرفه إسرائيل على الخدمات الطبية تبلغ ألف دولار للفرد في العام, في حين أن معدل ذلك عند الدول العشرين الأولى يبلغ 2100 دولار في السنة.

"
حتى وإن قلصت إسرائيل من ميزانية الدفاع, فإنها لن تتمكن من الاقتراب ولا اللحاق بالدول العشرين الأولى في العالم دون إجراء تغييرات عميقة في بنية اقتصادها تتعلق بمعالجة الكوابح التي تعوق وتحد من نمو اقتصادها
"
الوضع السياسي والأمني
يؤكد المؤلفان أن الوضع السياسي والأمني يؤثر على النمو الاقتصادي بشكل واضح، ففي فترات الهدوء الأمني أو فترات التقدم في العملية السلمية, تشهد إسرائيل نموا اقتصاديا واضحا كما حصل مثلا في الأعوام من 1992 إلى 1995 وذلك في أعقاب مؤتمر مدريد واتفاقيات أوسلو, حين ازداد معدل إنتاج الفرد في هذه الفترة بـ14%.

أما في أوقات الأزمات السياسية وتدهور الأوضاع الأمنية فإن النمو الاقتصادي يتقلص ويتدهور, كما حدث بعد انتفاضة الأقصى حين انخفض معدل إنتاج الفرد في إسرائيل في 2001 و2002 بنسبة 5.3%.

بلغت المصروفات الأمنية في إسرائيل 11.5 مليار دولار في عام 2006, وهي تشمل المساعدات الأمنية الأميركية. وتبلغ نسبة المصروفات الأمنية في إسرائيل 8.1% من مجمل الإنتاج المحلي.

وتعتبر هذه النسبة مرتفعة عند مقارنتها مع الدول الأوروبية ولكنها تعتبر منخفضة إذا ما قورنت مع نسبة ما كانت تنفقه إسرائيل من مجمل إنتاجها المحلي في عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

علاوة على العبء الأمني تشكل الضرائب المرتفعة واتساع القطاع العام وقطاعات الخدمات وديون الدولة عبئا على النمو الاقتصادي الإسرائيلي.

ويشير المؤلفان إلى حجم ديون حكومة إسرائيل الكبير إذ بلغت 540 مليار شيكل (دولار واحد = 4.4 ش) في يونيو/حزيران 2006, 401 مليار شيكل منها ديون داخلية و139 مليار شيكل ديون خارجية.

وهذا يعني أن معدل دين كل مواطن في إسرائيل يبلغ 17.500 دولار, ومعدل دين كل رب أسرة 63 ألف دولار، أما نسبة الديون من مجمل الإنتاج المحلي الإسرائيلي فبلغت في عام 2006 89% وهي نسبة مرتفعة كثيرا. ويتضح حجم عبء الديون الإسرائيلية من مبالغ تسديد الديون وفوائدها، فقد سددت في عام 2005 مبلغ 33 مليار شيكل تمثل 6% من مجمل الإنتاج المحلي.

يستخلص المؤلفان أنه حتى وإن قلصت إسرائيل من ميزانية الدفاع, وهو أمر مستبعد, فإنها لن تتمكن من الاقتراب ولا اللحاق بالدول العشرين الأولى في العالم, بدون إجراء تغييرات عميقة وجذرية في بنية اقتصادها تتعلق بمعالجة الكوابح التي تعيق وتحد من نمو الاقتصاد الإسرائيلي, وبدون اتباع سياسة تقود إلى اجتذاب وجلب استثمارات الشركات العالمية لإنشاء مصانع ومشاريع إنتاجية جديدة وليس شراء شركات إسرائيلية قائمة كما حصل حتى الآن.

المصدر : الجزيرة