عرض/نبيل السهلي
يحاول هذا الكتاب إظهار السياسات الأميركية الرامية إلى تطويع ظاهرة العولمة لمصلحة الأهداف الأميركية الاقتصادية والسياسية والثقافية، خاصة وأن الولايات المتحدة الأميركية باتت القطب الأوحد في إطار العلاقات الدولية الراهنة.

وهذا الأمر يقودنا إلى تعريف العولمة، إذ في اللغة هي: جعل الشيء عالمي الانتشار في مداه أو تطبيقه، وهي أيضاً العملية التي تقوم من خلالها المؤسسات سواء التجارية أو غير التجارية، بتطوير تأثير عالمي أو ببدء العمل في نطاق عالمي.

ويجب عدم الخلط بين العولمة كترجمة لكلمة globalization الإنجليزية، وبين "التدويل" أو "جعل الشيء دولياً" كترجمة لكلمة internationalization لأن العولمة عملية اقتصادية في المقام الأول ثم سياسية، ويتبع ذلك الجوانب الاجتماعية والثقافية وهكذا. أما جعل الشيء دولياً فقد يعني غالباً جعل الشيء مناسباً أو مفهوماً أو في متناول مختلف دول العالم.

- الكتاب: أمركة العولمة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى
- المؤلف: محمد علي سرحان
- الصفحات: 232
- الناشر: دار صفحات، دمشق
- الطبعة: الأولى/2007

سياسات أميركا للهيمنة على النظام الدولي
يشير الكاتب في مقدمة بحثه إلى التحولات السياسية العالمية وما تمخضت عنه من توتر وصراعات بين دول مختلفة، من أجل الهيمنة على مناطق الخيرات والنفوذ في العالم.

وهذا الأمر طرح أسئلة عديدة في الأوساط العلمية ومراكز البحث حول أسباب فرض الهيمنة الأميركية على العالم بطرق اقتصادية وأخرى عسكرية، حين أصبح لثقافة الغزو مكانة في الإستراتيجية الأميركية.

ويظهر المؤلف في القسم الأول من الكتاب مقولات لبعض كبار المفكرين في الولايات المتحدة أمثال صموئيل هنتنغتون وفوكاياما وكيسنجر وبيريجنسكي، يزعمون فيها أن أميركا تقود العالم بنظام ليبرالي أبدي دون أي منافسات عالمية تذكر.

وهم يقولون "ممَّ القلق والخوف؟! هل سيقوم كميكازي صيني أو كوري أو عراقي بركوب صاروخ، ويحط به في أميركا؟ ربما كانت الأعمال الإرهابية الفردية أو الجماعية في بعض الأماكن هي السبب المؤثر للقلق.

وتبعا للإستراتيجية الأميركية الكونية، فإن الولايات المتحدة تسعى لفرض إرادتها على النظام الدولي كما يشير الكاتب، وتتصرف كدولة عظمى ذات تأثير واسع على صعيد العلاقات الدولية ناهيك عن ميزانيتها العسكرية التي تتجاوز 310 مليارات دولار أميركي.

وتذهب الإدارة الأميركية إلى أبعد من ذلك، فتقوم بمراقبة ما يهدد مصالحها في جهات الأرض الأربع بطرق علمية متطورة.

العولمة الأميركية والتنين الصيني
في القسم الثاني من الكتاب يطرح المؤلف أسئلة هامة حول أهمية الصين في الإستراتيجية الأميركية، ويؤكد أنها ما تزال تحظى بأهمية كبرى في الإستراتيجية الأميركية الكونية سواء كان ذلك بالنسبة إلى تحليلات ودراسات ساندي برغر مستشار الأمن القومي السابق أم بالنسبة لهنتنغتون.

فلا يرضى هؤلاء وغيرهم إلا أن تكون الصين تابعة في عجلة نظام العولمة، وأن تشهد الإفلاس مع أوروبا (ألمانيا وفرنسا) كقوى عظمى؛ إذ تسعى واشنطن لتجسيد روح سيطرتها العالمية من خلال الاقتصاد الرأسمالي الشمولي، عبر الاتصالات والتقنيات وعصر الحاسوب والإنترنت.

"
لا يرضي أميركا إلا أن تكون الصين تابعة في عجلة نظام العولمة وأن تشهد الإفلاس مع أوروبا، وهي تسعى  لتجسيد روح سيطرتها العالمية من خلال الاقتصاد الرأسمالي الشمولي عبر الاتصالات والتقنيات وعصر الحاسوب والإنترنت
"
ولا بد لإبقاء الصين أو أي نظام آخر ينافس العولمة الأميركية في دائرة التبعية والسيطرة، وإن كان لفرنسا حسب وزير خارجيتها السابق هوبير فيدرين رأي آخر قديم، مرتكز على مقولة فلسفية وليست اقتصادية بأن أوروبا هي مركز العالم؛ برغم ما صنعه مشروع مارشال لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

لكن قبل سنوات ليست ببعيدة وبالتحديد نهاية عام 2000، صافح الرئيس الصيني جيانغ زيمين المفوض التجاري للاتحاد الأوربي باسكال لامي بعد توقيع اتفاقيات صينية أوروبية تقترب أكثر فأكثر من القطب الأوربي، خصوصاً بعد أن تغلبت أكبر دولة في العالم بعدد سكانها على العقبات التي كانت تحول دون دخولها إلى منظمة التجارة العالمية باعتبارها أكبر ناد اقتصادي عالمي؛ يضم دولاً كبيرة في العالم.

إلا أن بكين -باعتبارها ما تزال تمثل الحديقة الخلفية للأنظمة الاشتراكية في العالم ولكونها عضوا دائما في مجلس الأمن- سعت من أجل التوصل إلى اتفاقيات اقتصادية لها دلالات خاصة مع دول حوض الكاريبي في أميركا اللاتينية، بهدف الضغط غير المباشر على الهيمنة الاقتصادية الأميركية، أو مع الاتحاد الأوروبي (سويسرا وألمانيا وفرنسا) باعتبار أن أوروبا هي ثالث أكبر شريك اقتصادي للصين؛ بتبادل تجاري قدِّر بنحو 56 مليار دولار عام 1999 على سبيل المثال لا الحصر.

وكذلك فإن حكومة بكين تتجاوز بعض الأفكار الاشتراكية وأسسها باللجوء إلى مزيد من الخصخصة الرأسمالية مع أوروبا في مجال المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا الحديثة؛ وهي تسعى إلى تطوير قاعدتها التحتية بعيداً عن الاعتماد على الولايات المتحدة، وبالاعتماد المتدرج على أوروبا.

ومن جهتها تسعى الدول الكبرى في العالم الصناعي إلى الاستحواذ على السوق الصينية الضخمة التي تعتبر أول سوق استهلاكية في العالم، إذ يبلغ عدد سكان الصين الآن 1.3 مليار نسمة.

وباعتبار أن اليد العاملة رخيصة جداً في هذا البلد الواسع، تتنافس الشركات الاحتكارية فوق القومية لإيجاد موطئ قدم لها هناك إلى جانب الشركات اليابانية والتايوانية والكورية، وتعمل الصين منذ زمن على كافة الصعد من أجل تحسين صورتها في نظام العولمة الرأسمالي، والارتباط بالسوق والاقتصاد السياسي العالمي من أجل اللحاق بقطار العولمة.

"
اللوبي الصهيوني في روسيا يلعب دورا مشابها لدوره في الولايات المتحدة من حيث السيطرة على مواقع القرار والنفوذ والهيمنة إلا أن الإدارة الروسية تنبَّهت مؤخراً لذلك الدور الخطير
"
اللوبي الصهيوني والقرار الروسي
القسم الثالث من الكتاب يتطرق إلى نشاط مجموعات الضغط واللوبي الصهيوني في روسيا وآسيا الوسطى مؤخرا، حيث بات نشاطها ملحوظا في السنوات التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي السابق.

ورغم الحملة الواسعة التي تقوم بها حكومة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يسميه الإعلام الغربي "قيصر روسيا الجديد" ضد النهب والفساد والفوضى ضمن سياسة إصلاحية لإعادة ترتيب الأوضاع العامة، فإن زيارة الرئيس الإسرائيلي موشيه كاتساف إلى الكرملين أواخر عام 2001م حملت معها دلالات عميقة حول محاولة التأثير في سياسة موسكو الخارجية.

ويتعلق الأمر أساسا بمحاولات الكرملين الحفاظ على وتيرة التعاون والصداقة مع الدول العربية ودفع عملية السلام إلى الأمام، والسعي المتصاعد للعب دور هام في المنطقة.

ويؤكد الكاتب أهمية روسيا الاتحادية في عملية السلام كراع حيادي منذ مؤتمر مدريد 1991 منبها إلى ضرورة إعادة النظر إلى ذلك الدور، إذ أن روسيا تاريخيا قامت بدعم السياسة العربية تجاه معضلات الحل السلمي وآفاقه المسدودة.

ورغم أن اللوبي الصهيوني في روسيا يلعب دوراً مشابهاً لدوره في الولايات المتحدة من حيث السيطرة على مواقع القرار والنفوذ والهيمنة، فإن الإدارة الروسية تنبَّهت مؤخراً لذلك الدور الخطير الذي أثر بعمق في مسارها السياسي والاقتصادي الداخلي لأسباب كثيرة أهمها إزاحة روسيا عن الساحة الدولية ومحاولة إبعادها عن رعاية مؤتمر مدريد للسلام.

لذا تشعر الدول العربية بالقلق المستمر إزاء الدور المتنامي والمؤثر الذي تقوم به جماعة اللوبي الصهيوني في روسيا ومنطقة آسيا الوسطى.

أهمية بناء علاقات عربية تركية
قد يكون القسم الرابع من الكتاب الأهم نظرا لما تطرق له المؤلف فيه حين وصف المجتمع التركي بكل تفاصيل حياته اليومية وتقاليده، وأكد بأنه أقرب إلى المجتمع العربي والإسلامي من أي مجتمع آخر، رغم سعي تركيا المستمر بكل مؤسساتها للشراكة والتعاون مع أوروبا وللدخول في الاتحاد الأوروبي.

ويؤكد الكاتب تبعاً لذلك أن الدول العربية في فترة العولمة الأميركية بكل تجلياتها تحتاج فعليا إلى إعادة النظر في العلاقات لا مع تركيا كشعب ومؤسسات ودولة فحسب بل ومع مجموع الدول في آسيا الوسطى الناطقة بالتركية والعربية والفارسية؛ إذ ما تزال هناك روابط تاريخية وثقافية وحضارية تجمع شعوب المنطقة ودولها بمنظومة أعمال اقتصادية وحضارية وروابط روحية وثقافية.

ولا يزال العالم الصناعي ينظر إلى العرب والأتراك وشعوب آسيا الوسطى نظرة عداء وازدراء لأنهم ينتمون إلى الإسلام وتراثه التاريخي المميز.

ويوصي الكاتب جامعة الدول العربية بالقيام بخطوات جدية لإنشاء مراكز أبحاث تختص بتطوير مختلف العلاقات البناءة مع تركيا، مؤكدا أن المثقفين العرب والأتراك والآسيويين لديهم من الإمكانيات الثقافية والحضارية ما يمكنهم من رد الأضاليل والأكاذيب الصادرة عن الدوائر الأميركية والصهيونية ضد الشعوب العربية والإسلامية.

"
رغم أن المجتمع الدولي ساهم بشكل كبير في القضاء على نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، فإنه عاجز عن فعل الشيء نفسه لإسرائيل بسبب الدعم المالي والسياسي والدبلوماسي الذي تقدمه لها الولايات المتحدة
"
العلاقات الأميركية الإسرائيلية بإطار العولمة
القسم الخامس والأخير يؤكد أن وتمتع شعب تلك المنطقة الآن بالاستقلال وكذلك هي الحال في أقاليم أخرى من العالم، بيد أن الولايات المتحدة هي التي تدعم السياسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني عبر الدعم المالي غير المحدود فضلاً عن الدعم السياسي والدبلوماسي في الأروقة الدولية لإسقاط مشروع أي قرار يدين ممارسات إسرائيل العدوانية.

وقد حصل ذلك أكثر من مرة بعد ارتكاب الجيش الإسرائيلي مجازر في مخيم جنين والقدس وغيرها من المدن الفلسطينية، وتلك السياسة الأميركية كما يشير الكاتب عززت من دور الإرهاب والهمجية الصهيونية لا ضد الشعب الفلسطيني فحسب بل وضد الشعوب العربية وقواها الوطنية، وفتح المجال لمزيد من العدوان والمجازر والخروق وإدارة الظهر من قبل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للمجتمع الدولي وقراراته وتوصيات منظماته المختلفة.

أهمية الكتاب
تكمن أهمية الكتاب في طرحه وتوصيفه الجريء للأهداف الكامنة وراء رسم الولايات المتحدة لسياساتها الكونية الرامية إلى الانقضاض على النظام الدولي، وتطويع ظاهرة العولمة لخدمة المصالح الأميركية الاقتصادية والسياسية والثقافية.

كما أعطت عملية تفنيد الأدوات التي يمكن استخدامها من قبل الولايات المتحدة من أجل عملية السيطرة على العالم أهمية فائقة للكتاب، وهو بذلك جدير بالقراءة والتمحيص من قبل الباحثين والإستراتيجيين وصناع القرار في المنطقة العربية.

المصدر : الجزيرة