عرض/بدر محمد بدر
قبل أيام تردد اسم "بلاك ووتر" في صدور النشرات الإخبارية في وسائل الإعلام العالمية, بعد الحادث الذي أدى إلى مقتل وجرح العديد من المدنيين في العراق, والذي قررت الحكومة العراقية إثره وقف ترخيص العمل لشركة بلاك ووتر للأمن، وسرعان ما ضغطت واشنطن لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

-الكتاب: بلاك ووتر.. المرتزقة قادمون
-المؤلف: جيرمي سكيل
-المترجم: فاطمة نصر وحسام إبراهيم
-الصفحات: 478
الناشر: دار سطور, القاهرة
-الطبعة: الأولى/ سبتمبر 2007
فما هي قصة هذه الشركة؟ ولمصلحة من تعمل؟ وما هو دورها فيما يجري من أحداث في عالمنا العربي والإسلامي, خصوصا في العراق وأفغانستان؟

مؤلف هذا الكتاب -جيرمي سكيل الأميركي الجنسية- يكشف الكثير من أسرار أغرب جيش مرتزقة في العالم, وكيف أصبحت شركة "بلاك ووتر" حارساً إمبراطوريا لـ"الحرب على الإرهاب"، التي تخوضها إدارة الرئيس بوش منذ سنوات.

وكيف أصبح لدى هذه الشركة الآن آلاف من الجنود ينتشرون في تسع دول من بينها الولايات المتحدة, وأسطول خاص من المروحيات والمدفعية، ووحدة طائرات تجسس.

ولها تعاقدات مع الحكومة الأميركية بمئات الملايين من الدولارات, غير الميزانية السرية للعمليات "السوداء", التي تقوم بها نيابة عن استخبارات الولايات المتحدة أو الأشخاص أو الشركات الكبرى, وكما جاء في تعليق لأحد أعضاء الكونغرس فمن منطلق عسكري بحت باستطاعة بلاك ووتر الإطاحة بكثير من حكومات العالم!

هذه الشركة الأمنية يديرها شخص واحد هو الملياردير إريك برينس الذي ينتمي للتيار المسيحي اليميني الراديكالي, والذي كان أحد الممولين الأساسيين لحملات انتخاب جورج بوش الابن, ولأجندة اليمين المسيحي الصهيوني العريضة.

يقول المؤلف إن ما يخيف في دور بلاك ووتر, في حرب أسماها الرئيس بوش نفسه "حربا صليبية", هو أن كبار منفذيها يعملون وفق أجندة تهدف إلى سيادة المسيحيين.

وينادي إريك برينس بتوسيع حضور المسيحية في العام, ويتفاخر بعض قيادات بلاك ووتر بعضويتهم في أخوية "فرسان مالطة" العسكرية, وهي مليشيات مسيحية صليبية تشكلت في القرن الحادي عشر الميلادي مهمتها الدفاع عن الأراضي التي غزاها الصليبيون، ضد المسلمين.

"
شركة بلاك ووتر يديرها الملياردير إريك برينس الذي ينتمي للتيار المسيحي اليميني الراديكالي, والذي كان أحد الممولين الأساسيين لحملات انتخاب جورج بوش الابن, وأيضاً لأجندة اليمين المسيحي الصهيوني العريضة
"
ويشير المؤلف إلى حادث مقتل أربعة من الأميركيين في الفلوجة, وحرقهم وتعليق جثثهم فوق أحد الجسور في 31/3/2004, وهؤلاء كانوا أفراداً في شركة بلاك ووتر التي أصبحت أكبر شريك لواشنطن في العراق, وعدد أفرادها أكبر من عدد أفراد جميع القوات البريطانية في العراق.

ونتج عن هذا الحادث أن أصبحت بلاك ووتر في موقع يسمح لها بالتأثير على الأحكام والقرارات التي تشرف على صناعة آخذة في التوسع بسرعة رهيبة هي صناعة شركات الأمن والحماية وخدمات الجيش.

وبعد ثلاثة أشهر من هذا الحادث, مُنحت الشركة أحد أكبر التعاقدات الأمنية الدولية للولايات المتحدة وأكثرها قيمة، وهو حماية الدبلوماسيين ومنشآت الولايات المتحدة في العراق.

قصة بلاك ووتر
قصة بلاك ووتر يسردها المؤلف في تسعة عشر فصلاً, تبدأ بمولد إريك برينس مؤسس الشركة لأسرة تمتلك أرضا شاسعة تبلغ مساحتها سبعة آلاف فدان على شاطئ بحيرة ماكاناوا بولاية كارولينا الشمالية.

وفكرة تأسيس الشركة نبتت بين عامي 1995 و1996 حين كان صاحبها يتدرب في أحد معسكرات البحرية الأميركية, لكنها ظلت حتى عام 2003 -تاريخ غزو العراق- غير معروفة.

ولدت بلاك ووتر -ومعناها المياه السوداء نسبة إلى المستنقعات الكئيبة التي تأسست الشركة في قلبها- في ذات الوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة الأميركية في خضم مسيرة الخصخصة على نطاق هائل وغير مسبوق.

وقد بدأت تلك المسيرة تفعّل أثناء الفترة التي كان فيها ديك تشيني وزيراً للدفاع بين عامي 1989 و1993م في إدارة بوش الأب, وفي نهاية أغسطس/آب 1992 اختار سلاح المهندسين الأميركي شركة هاليبرتون -التي تولى تشيني نفسه إدارتها بعد ذلك- للقيام بجميع أعمال المساندة للجيش لمدة خمس سنوات تالية.

وفتح عقد هاليبرتون الأول الباب على مصراعيه لخصخصة سريعة, بلغت ذروتها باكتشاف منجم التعاقدات في العراق وأفغانستان وأنحاء أخرى, التي بدأتها حملة "الحرب على الإرهاب".

الاستفادة من 11/9
ويقول المؤلف إن هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 أدت إلى تسارع تفعيل أجندة الخصخصة التي كان قد بدأها ديك تشيني, وسرعان ما أدى هذا البرنامج إلى انفجار في أرباح الصناعات العسكرية الكوكبية التي بلغت 100 مليار دولار.

وكانت بلاك ووتر من أعظم المستفيدين من الحرب على الإرهاب, وكما عبر عنه أحد شركاء إريك برينس قائلا: لقد حوّل بن لادن بلاك ووتر إلى ما هي عليه اليوم.

وفى عام 2002 تأسست شركة "بلاك ووتر للاستشارات الأمنية" فاقتحمت عالم الجنود المعروضين للإيجار, وفي عام 2003 حصلت بلاك ووتر على عقد بالغ الأهمية في العراق لحماية بول بريمر الذي هو أكبر شخصية من إدارة بوش في بغداد, حيث كان يُشار إليه بصفته "المندوب السامي".

وربما كان أهم إرث خلّفه بريمر في العراق هو الإشراف على تحول البلد إلى بؤرة المقاومة المعادية للولايات المتحدة في العالم, بالإضافة إلى ترأسه لنظام في العراق أنتج فساداً وابتزاز أموال كبيرين في عالم التعاقدات الخاصة المدرة للأموال الهائلة.

وبنهاية عهد بريمر كانت ثمة تسعة مليارات من الدولارات من تمويل إعادة التعمير قد اختفت, دون وجود وثائق عن أوجه صرفها.

"
بلاك ووتر وغيرها من شركات المقاولات الأمنية تعمل في منطقة قانونية رمادية, تترك الباب واسعاً أمام الانتهاكات, ولا تكاد توجد قوانين جادة لمحاسبتها على الجرائم التي يمكن أن ترتكبها
"
وكانت بلاك ووتر تمنح الجندي المتعاقد معها 600 دولار في اليوم الواحد, وتتقاضى عنه 815 دولارا من مستثمر كويتي هو صاحب فندق ريجنسي الذي فاز بعقد أمن مع يورست سبورت سيرفيز, التي تقاول من الباطن لشركة هاليبرتون. وكانت يورست سبورت تقدم فاتورة بـ1500 دولار عن الفرد يوميا.

ويؤكد المؤلف أن بلاك ووتر وغيرها من شركات المقاولات الأمنية تعمل في منطقة قانونية رمادية, تترك الباب واسعاً أمام الانتهاكات, ولا تكاد توجد قوانين جادة لمحاسبتها على الجرائم التي يمكن أن ترتكبها.

وبالرغم من الاعتماد غير المسبوق على المقاولين الأمنيين المنتشرين في العراق وأفغانستان وأماكن أخرى, فقد فشلت الحكومة الأميركية حتى في إحصائهم ناهيك عن ضبط سلوكهم.

الجزيرة وحصار الفلوجة
في الفصل التاسع يتحدث المؤلف بالتفصيل عن معركة الفلوجة الأولى, وحجم الجرائم التي ارتكبتها القوات الأميركية ضد المدنيين العراقيين فيها, ودور مرتزقة بلاك ووتر وغيرها في قتل المئات من أهالي الفلوجة.

ويشير إلى الدور المعاكس الذي لعبته قناة الجزيرة الفضائية في كشف حجم الجرائم التي ارتكبت في المدينة, وكيف أن الأميركان طلبوا من أحمد منصور مراسل قناة الجزيرة مغادرة الفلوجة معتبرين ذلك شرطا لوقف إطلاق النار, وعندما رفض منصور المغادرة استهدفته المروحيات الأميركية أكثر من مرة دون أن تتمكن منه.

وفي ذات التاريخ تذكر صحيفة ديلي ميرور البريطانية أن الرئيس الأميركي بوش أبلغ رئيس الوزراء البريطاني توني بلير رغبته في قصف مقر قناة الجزيرة بقطر وأماكن أخرى.

اللعبة الكبرى
ينقلنا المؤلف إلى جبهة أخرى برزت فيها بلاك ووتر هي تكليفها من قبل الحكومة الأميركية بتدريب قوات البحرية في منطقة بحر قزوين, وإنشاء قاعدة عسكرية متاخمة لحدود إيران الشمالية، في إطار تحرك كبير لأميركا باتجاه ما يسميه المحللون الخبراء بالمنطقة "اللعبة الكبرى"، وهي محاولة السيطرة على نفط بحر قزوين الذي يقدر بنحو 100 مليار برميل.

وبلغت قيمة عقد بلاك ووتر 2.5 مليون دولار لمدة سنة واحدة في مشروع "حارس قزوين" للانتشار في أذربيجان لحماية المصالح النفطية لأميركا هناك.

وشكل ذلك بابا خلفيا للانتشار العسكري للولايات المتحدة وبدلا من إرسال كتيبة ميدانية من الجيش الأميركي إلى أذربيجان, نشر البنتاغون مقاولين مدنيين من بلاك ووتر وشركات أخرى للقيام بحماية استغلال الغرب الجديد لنفط منطقة ظلت تاريخيا تحت الهيمنة الإيرانية السوفياتية.

لقد اقترن احتلال العراق عام 2003 بتعاظم استخدام وتدريب قوات أجنبية بواسطة القطاع الخاص في أميركا, وكانت دول أميركا اللاتينية التي عارضت شعوبها وحكوماتها غزو العراق، ضحية لفرق الموت والسياسات القمعية التي تحظى برعاية أميركية.

"
بلغت قيمة عقد بلاك ووتر 2.5 مليون دولار لمدة سنة واحدة في مشروع "حارس قزوين" للانتشار في أذربيجان لحماية المصالح النفطية لأميركا هناك, وشكل ذلك باباً خلفياً للانتشار العسكري للولايات المتحدة
"

وتحولت إلى ساحة جديدة لمراكز التجنيد والتدريب للمرتزقة الذين اشتركوا في حرب العراق.

ومن بين أكبر تشكيلات للجنود غير الأميركيين الذين جلبتهم شركة بلاك ووتر إلى العراق مجموعة تشيلية من رجال الكوماندوز السابقين, وبعضهم تدرب أو خدم في ظل الحكم العسكري الديكتاتوري الوحشي للجنرال أوغيستو بينوشيه.

وعندما استقال دونالد رمسفيلد نهاية 2006 كان قد أشرف على أكبر عملية تحول شامل في وضعية القوة الكوكبية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وبحلول آخر يوم له في منصبه كاد معدل جنود الولايات المتحدة الميدانيين مقارنة بجنود المقاولين الخاصين المنتشرين بالعراق, يكون واحداً إلى واحد, وهو بند إحصائي غير مسبوق في الحروب الحديثة.

وعلى الرغم من المستوى غير المسبوق لتورط القطاع الخاص في ساحة الحرب, لم يحدث إلا نادراً أن تمدد جيش الولايات المتحدة إلى هذه الدرجة من الوهن, أو واجه أوقاتاً أكثر خطراً.

وقد أرهق احتلال إدارة بوش للعراق وأفغانستان قوات الولايات المتحدة إلى درجة دفعت كولن باول وزير الخارجية السابق إلى أن يعلن نهاية 2006 أن الجيش الميداني يكاد يكون قد تبدد.

المصدر : الجزيرة