عرض/ الحسن السرات
هذا الكتاب صادرعن لجنة فريدة من نوعها تدعى "لجنة الإسلام والعلمانية". ولفرادتها ينبغي قبل عرض الكتاب الصادرعنها أن نعرف بها جمهور القراء العرب، الذين استطاع الإعلام الغربي أن يحجب عنهم هذه اللجنة ويحدثهم طويلا عن لجنة "ستازي" الشهيرة التي أنشأها رئيس الجمهورية الفرنسية السابق جاك شيراك، أيام أزمة الحجاب المفتعلة في المدارس الفرنسية التي قررت في النهاية منع ارتدائه.

أنشئت لجنة الإسلام والعلمانية في فبراير/ كانون الثاني 1997 بمبادرة من رابطة التعليم وتحت إشراف ميشال مورينو وبيار تورنمير، وتهدف إلى جمع مسلمين ومسيحيين ويهود وملحدين على مائدة واحدة للتحدث بكل حرية حول مكانة الإسلام في فرنسا وعلاقاته بباقي المؤسسات.

وبعد توقف قصير وإعادة توجيه لأعمالها، تابعت نشاطاتها تحت رعاية "رابطة حقوق الإنسان" والمجلة الشهرية "لوموند دبلوماتيك".

تقوم اللجنة بتحليل رهانات حضور الإسلام في فرنسا، ودراسة طبيعة العقبات التي تقف أمام الاندماج السياسي والثقافي للأفراد والمجموعات المنحدرة من الهجرة، وكذلك المعتقدات الإسلامية. كما تتدارس اندماج المسلمين على الصعيد الفلسفي والسياسي والدستوري، ومواجهة الرهاب من الإسلام (الإسلاموفوبيا).

وإلى جانب البحث في الإسلام وتحليله، تسعى اللجنة كذلك بصفة أساسية إلى التأثير في الرأي العام على أرض الواقع، عن طريق لقاءات مباشرة بتعاون مع فرقاء اجتماعيين مختلفين.

وفي يونيو/ حزيران 2006 تحولت اللجنة إلى جمعية تعمل وفق قانون 1901، ويمكّنها هذا التحول من توسيع تواصلها مع عدد من الفرقاء والهيئات والجمعيات والأحزاب.

وقد سبق لها أن نشرت كتبا حول الإسلام في الغرب وهي: "1905-2005 رهانات العلمانية"، و"تيارات الإسلام بفرنسا وإسلام أوروبا"، و"الإسلام ووسائل الإعلام والآراء العامة"، و"هدم صراع الحضارات"، والكتاب الحالي ضمن سلسلة إصداراتها.

- العنوان: هل هناك اتجاه نسائي إسلامي؟
- المؤلف: مجموعة مؤلفين
- إصدار: لجنة الإسلام والعلمانية
- الصفحات: 126
- دار النشر: لارماتان، باريس
- الطبعة: الأولى 2007
 
  

تسع باحثات شاركن في الكتاب
شارك في الكتاب الحالي تسع نساء ينتمين لبلدان ومؤسسات مختلفة، غير أن ثلاثا منهن تناولن وضع المرأة في الحياتين المسيحية واليهودية وهن فرانسواز غانج وهي فيلسوفة وعالمة اجتماع، وقد ركزت في جل أعمالها على دراسة الأساطير، ولها مؤلفات مثل "المسيح والنساء" (2006) و"اغتصاب أوروبا، أوالمؤنث المهان".

والثانية ماتيل دوبيسيه المحاضرة في معهد غرونوبل والمتخصصة في تاريخ النساء خاصة في المجال الديني، والثالثة سيلفيا باراك فيشمان أستاذة الحياة اليهودية المعاصرة بعدة معاهد وجامعات، وظهر آخر كتاب لها بعنوان "الحياة بين التنوعات اليهودية".


تناولت كل المشاركات الأخريات الحركات النسائية الإسلامية، فهناك فالنتين موغدام السوسيولوجية ورئيسة شعبة "مساواة النوع والتنمية" بمنظمة اليونيسكو، ومن أشهر مؤلفاتها "الاتجاه النسائي الإسلامي في إيران" (2002).

وتلتها مارغو بدران الباحثة بمركز "الوليد بن طلال" بجامعة جورج تاون، وأستاذة مشاركة بجامعة نورث ويسترن.

وكذلك المرأة المثيرة للجدل بسبب إمامتها الصلاة بالرجال والنساء منذ سنتين، وهي أمينة ودود أستاذة الدراسات الإسلامية بالولايات المتحدة الأميركية.

ثم نور حياتي كبراوي وهي فنانة ومديرة البرامج بمنظمة أخوات الإسلام الماليزية. ونزهة جسوس الإدريسي المتخصصة في البيولوجيا الطبية والأستاذة السابقة في كلية الطب بالدار البيضاء، وباحثة ومستشارة في الأخلاقيات الطبية باليونيسكو، وعضوة مؤسسة للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان. وقد شاركت ضمن اللجنة الملكية المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة عام 2001.

وهناك أخيرا مليكة حامدي الدكتورة بمعهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية بباريس، والناشطة في المجتمع المدني المهتم بالقضية النسائية في أوروبا.

أول مؤتمر للاتجاه النسائي الإسلامي
يخبرنا الكتاب بماضي النسوانية الإسلامية وانبثاقها في إسبانيا حيث انعقد أول مؤتمر دولي حول الاتجاه النسائي الإسلامي في برشلونة الإسبانية بين 27 و29 أكتوبر/ تشرين الأول 2005 من قبل الرابطة الإسلامية الكاتالونية بدعم من مركز كاتالونيا لليونيسكو في برشلونة.

وإلى جانب المنظمين الإسبان، حضر هذا المؤتمر مشاركون ومشاركات قدموا من مختلف بلدان العالم الإسلامي لمناقشة ضرورة وجود إسلام ليبرالي تعددي يساوي بين أفراده ويفتح الطريق أمامهم. وقد نادى عدد من المشاركين بما أسموه "جهاد النوع"، أي النضال من أجل المساواة التامة بين الجنسين.

وتستبشر الكاتبة فالنتين موغدام بمستقبل مشرق لهذه الحركة النسائية، سيتغير فيه القانون الإسلامي المعتمد في البلدان الإسلامية حول المرأة، لتبرز أيضا مجتمعات إسلامية حداثية ومتساوية.

"
تدعو أمينة ودود التي أثارت ضجة عندما أمت الناس في الصلاة بالولايات المتحدة، إلى المساواة التامة والكرامة التامة لجميع الخلق لأنهم عيال الله.. إلى الحد الذي دفعها لتخطي كل الحدود والاعتراف بالحق في الميل الجنسي ولو كان شذوذا
"

دفاع عن الشذوذ
ما يزال الرأي العام العالمي والإسلامي على الخصوص، يذكر تلك الزوبعة المثيرة التي كانت وراءها أمينة ودود عام 2004، تلك المرأة الأميركية السوداء التي نصبت نفسها إماما وتقدمت للصلاة بمجموعة من المصلين رجالا ونساء في صفوف مختلطة.

وزعمت أمينة ودود أن الإسلام هيمن عليه الرجال وجعلوا منه دينا تمييزيا يهين النساء ويغلق أمامهن أبواب المساواة التامة.

هذه المرأة شاركت في أشغال الملتقى موضع هذا الكتاب، وأعادت الكرة من جديد، لكنها هذه المرة كشفت عن شيء لم يكن معروفا بين الناس، وهو دفاعها عن الشذوذ والشواذ الذكور والإناث معا، ولعل هذا الرأي هو أكثر ما يثير في هذا الكتاب.

تحكي هذه المرأة في بداية حديثها قصة اعتناقها للإسلام التي حدثت عام 1972 وهي ما تزال طالبة بجامعة بنسلفانيا، ثم تمضي بعد ذلك في رواية ردة فعلها عندما عرفت أن المسلمين يهينون المرأة ويزعمون أنها معززة مكرمة باسم الإسلام، فقررت "الجهاد من أجل النوع" للدفاع عن المساواة التامة والكرامة التامة لجميع الخلق لأنهم عيال الله.

مساواة وكرامة تدفع بأمينة ودود إلى تخطي كل الحدود والاعتراف بالحق في الميل الجنسي ولو كان شذوذا.

تقول بالحرف في الصفحة 75: إن الاتجاه النسائي الإسلامي لا يمكن أن يكون إسلاميا إلا إذا كان يسعى إلى تحقيق الانسجام بين جميع أعضاء الخليقة البشرية رجالا أو نساء، أغنياء أو فقراء، بالغين أو قاصرين، ذوي ميل جنسي واحد أو شواذ، متعلمين أو جاهلين، ظالمين أو مظلومين.

فاضطهاد الجنسين مخالف للإسلام، وهو يصدم أولئك الواعين بخصوبة وتعددية الوجود الإنساني، وبناء واقع حي يتحدى قمع الأجناس أو أي شكل آخر من أشكال الاضطهاد المبني على الانتماء العرقي أو الطبقي أوالاجتماعي، أوالميل الجنسي.

وتدعي أمينة ودود أن أفضل طريقة لمعرفة الله هي معرفة النوع، وتضيف أنها تعرفت على النوع من خلال كتاب وحيد هو الذي صنع حياتها حسب تعبيرها، ألا وهو القرآن.

وتقدم للقراء مثالا مثيرا حول تجربتها في قراءة القرآن، قراءة مبنية على فلسفة النوع من خلال بعض الآيات من قصة مريم أم عيسى عليهما السلام، عندما كانت تتألم نفسيا وتقول "يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا".


"
طالبت مارغو بدران بالمساواة بين الجنسين في دخول المساجد من باب واحد، والتجمع في مكان واحد، وأن لا يبقى مكان ما حكرا على الرجال من دون النساء
"
أسلمة نظرية النوع
حاولت مارغو بدران البحث عن أصل إسلامي لنظرية النوع وإسنادها للقرآن الكريم، واعتبرت أن هذا الكتاب ساوى بين الجنسين مساواة تامة، إلا أن الثقافة والتقاليد هي التي انتصرت في النهاية وصنعت بين الجنسين حواجز كثيرة، وجاء الوقت لإعادة الأمور إلى نصابها وأصلها القرآني.

وطالبت بالمساواة بين الجنسين في دخول المساجد من باب واحد، والتجمع في مكان واحد، ولا يبقى مكان ما حكرا على الرجال من دون النساء.

أكثر من ذلك طالبت الكاتبة بالمساواة في إلقاء خطب الجمعة والعيدين وإمامة الصلاة للنساء والرجال معا.

واستشهدت بما يجري في الحج من طواف مشترك بين الرجال والنساء وصلاة مشتركة، فذلك في نظرها من بقايا المساواة التي أسسها القرآن بين الجنسين وهدمتها الثقافة والتقاليد من بعد.

النضال عبر الاجتهاد الحداثي
أما المشاركة المغربية نزهة جسوس الإدريسي فقد استعرضت أطوار الصراع الذي شهده المغرب حول تغيير مدونة الأحوال الشخصية، والبلاء الذي أبلته المنظمات النسائية الديمقراطية الحداثية حتى بلغ أشده في معركة الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، والتي عارضها الإسلاميون ووزارة الأوقاف بقوة في مسيرة مليونية حاشدة بالدار البيضاء عام 2000. ثم ما تلا ذلك من إنشاء اللجنة الاستشارية الملكية لمدونة الأسرة، وظهور مدونة جديدة ما يزال الجدل قائما حولها.

وتزعم نزهة جسوس أن نضال النساء الديمقراطيات الحداثيات هو الذي أعطى هذه الثمرة، وتدعي أمام المشاركين الذين ربما لا يعلمون عن الأمر شيئا أن بعض الفقهاء المتشددين المغاربة أفتوا بجواز قتل كل من وقع على عريضة تغيير مدونة الأحوال الشخصية عام 1992، وهذا ما لم يحصل إطلاقا.

وتخلص المشاركة اليسارية المعروفة إلى أن مشكلة مدونة الأسرة هي في الحقيقة مشكلة سياسية واقتصادية، أي أن الفاعلين السياسيين يستغلون هاته القضية لتحقيق مكتسبات سياسية.

واعتماد المرأة على زوجها من الناحية الاقتصادية يعرقل عملية التغيير والإصلاح، ومن ثم ترى أنه لا بد من مواصلة النضال لكن بآلية "الاجتهاد الحداثي" الذي يستثمر نصوص القرآن والحديث ليحررها من أفهام المتشددين والذكوريين.


"
ترى المغربية نزهة جسوس الإدريسي أن اعتماد المرأة على زوجها اقتصاديا يعرقل عملية التغيير والإصلاح، وأنه لا بد من مواصلة النضال لكن بآلية الاجتهاد الحداثي
"
شذوذ في شذوذ

يحق للقارئ والباحث أن يسأل السؤال ذاته الذي اختيرعنوانا للكتاب، فيقول هل هناك فعلا اتجاه نسائي إسلامي؟

وأي ادعاء بالصفة الإسلامية لنساء يدافعن عن الشذوذ الجنسي وحرية الميل والاختيار الجنسي؟

وهل القرآن الذي خلد قصة قوم لوط ونهايتهم المأساوية بسبب ميولهم الجنسية الشاذة والمدمرة هو ذاته الذي يساوي بين الميول الجنسية بين العباد؟

وهل الأحاديث والنصوص الكثيرة القاطعة حول تنظيم مجال العبادات تبيح للمرأة أن تؤم الرجال في صلاة جامعة؟

كان من الممكن أن يكون الكتاب أكثر نفعا وإثارة لو أنه أشرك علماء الدين وبعض المفكرين الإسلاميين وبعض المثقفات المسلمات، لمناقشة ما طرحه هؤلاء النسوة.

ففي المغرب وفرنسا وكندا اشتهرت المثقفة المغربية أسماء لمرابط بتنظيرها للاتجاه النسائي الإسلامي من العودة إلى أصول الإسلام وتجاربه الحية الأولى.

ولها كتاب "مسلمة وكفى" وكتاب "عائشة أم المؤمنين أو الإسلام في المؤنث"، وهما كتابان ألفا باللغة الفرنسية وبيعت منهما نسخ كثيرة، كما أن لها عدة مقالات وأبحاث في هذا الموضوع، ولها آراء مخالفة تماما لأمينة ودود الأميركية ونزهة جسوس المغربية.

غير أنه ينبغي أن نعترف أن كثيرا من المنابر العالمية والعلمية المهمة استولى عليها من لا يمثل العالم الإسلامي حق التمثيل ولا ينوب عن النساء المسلمات حق النيابة.

بل على العكس، هناك فيلق من ذوي الألسنة والأقلام يمثلون الفكر الغربي المناقض ويسعون إلى تمريره بكل الوسائل المختلفة في غفلة عن رأي الأغلبية الساحقة من الرجال والنساء في العالم الإسلامي.

وهذا الأمر يحتم على المثقفين والمثقفات المسلمين والمسلمات تأكيد الحضور في تلك الميادين والمنابر، ومناقشة الحجة بالحجة والفكرة بالفكرة، باللسان نفسه أي باللغة الأجنبية التي يروج فيها كثير من الأكاذيب عن الإسلام وقرآنه وسنته وتاريخه وحاضره ومستقبله.

لقد أدركت كثير من القوى الحداثية المتغربة أنه لا يمكن إحداث ثغور في الإسلام بمواجهة صريحة ومباشرة، ولكن أفضل الطرق هي التسلل من داخله والتحدث باسمه، وعلمنته من الداخل وادعاء الاجتهاد باسمه.

وبقدر ما تعكس هذه الطريقة يأس المحاولات الهدامة، فإنها تضاعف الحصار على المتسللين حين يكون العلم والبرهان سيّدَي الموقف.

المصدر : الجزيرة