عرض/حسين عبد العزيز
اختلف الباحثون والمفكرون العرب والمسلمون كثيرا حول العلاقة التي تربط الشورى بالديمقراطية، بين اتجاه يرفض هذه العلاقة انطلاقا من أن الديمقراطية مفهوم علماني لا ينسجم مع الثقافة الدينية للمجتمع العربي الإسلامي، وبين اتجاه آخر يعتقد بوجود تقاطعات كثيرة بين المفهومين.

في كتابه "جدليات الشورى والديمقراطية" ينطلق الدكتور أحمد موصللي من فكرة أن مبادئ الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان ليست في تناغم مع الفكر الإسلامي فحسب، بل إن جذور هذه المفاهيم تجسدت في العديد من مفاهيم الحكم والسياسة في الفكر الإسلامي الديني والسياسي، على الرغم من أنها نمت تاريخيا بشكل مختلف عن الغرب.

إن غالبية الدراسات الإسلامية المستمدة من المصادر الإسلامية ركزت على صعود وزوال الدول الإسلامية والتطورات التاريخية للفقه التقليدي من أجل التوصل إلى الرؤية الإسلامية للديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، لذلك تفتقر هذه الدراسات -بحسب المؤلف- إلى حقيقة أنه لا الدول ولا الفقه التقليدي أكثر تأسيسا للمسلمين من التطورات الأيدولوجية التي أحدثتها حركات المعارضة والإصلاح.

لذا يجب النظر إلى هذه المواضيع لا من موقع السلطة والدولة والمواقع العلمية التقليدية، وإنما من منظور المجتمع الذي كان يمتلك رؤى أكثر ليبرالية لم يتم تبنيها تحت ضغط السلطة أو بسبب المنفعة السياسية.

- العنوان: جدليات الشورى والديمقراطية
- المؤلف: د. أحمد موصللي
- عدد الصفحات: 200
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية
- الطبعة: الأولى 2007

جدليات الشورى والديمقراطية

السيادة في الفكر السياسي الإسلامي هي للجماعة والأمة، فأكثرية المسلمين من الوجهة النظرية التاريخية تجمع على أن الوظيفة السياسية العامة وظيفة يقوم بها المجتمع، إذ إن المخاطب في القرآن الكريم هو الأمة والجماعة لا الحاكم أو النخبة.

إن النموذج السياسي الذي قدمه معظم الفقهاء من أجل التنظير لدور مؤسسة الخلافة، هو نموذج دولة الرسول التي وحدت إطار الأسس النظرية السياسية من شورى وإجماع وعقد وبيعة وحرية المعتقد، حيث أكد دستور الدولة الإسلامي كما جاء في صحيفة النبي على الأمور الآتية:
- تنوع المجتمع وتعدد فئاته.
- توحده كدولة سياسية بقيادة الرسول.
- اعترافه بحرية المعتقد للجماعات الدينية المختلفة
- القبول بالواقع القبلي والعشائري (القاعدة الاجتماعية والاقتصادية لتلك الدولة).

إن المغزى السياسي لهذه الصحيفة لا يمكن التقليل من أهميته عند العمل على إعادة صياغة الفكر الإسلامي السياسي المعاصر، فالصحيفة شرعنت تعايش الفئات المختلفة واعترفت بالأديان الأخرى، والأهم من ذلك أنها لم تقم على النصوص القرآنية البحتة، بل على مبادئ التضامن والتكافل والدفاع عن الجماعة ضد الاعتداءات الخارجية. كما لم ينف دستور الصحيفة مواطنة غير المسلم في تلك الدولة.

ومع أن الرسول الكريم زود المجتمع بإرشادات أساسية كالعدل والحرية والشورى...إلخ، فإنه لم يحدد أي شكل من أشكال الحكم، فالمفاعيل الواقعية والمهمة لتنظيم الحكم السياسي وضعت بعد وفاة النبي من الناحية النظرية، إذ قامت الجماعة ليس فقط بتحديد السلطة السياسية الجديدة وبالتالي مشروعيتها السياسية، وإنما أيضا بتأكيد سلطتها ومشروعيتها الفكرية والتفسيرية كحقوق جماعية لا فردية أو نخبوية.

لقد ربط النموذج النظري التاريخي المشروعية السياسية بشورى أهل الحل والعقد وبإجماع الأمة، فقد طور الفقهاء مبدأ ضرورة اختيار الأمة للخليفة وضرورة التزامه بالعدل بين الرعية وتطبيق الشريعة.

ومع انتقال الخلافة إلى الملك العضوض مع معاوية تراجعت قضية الإجماع والشورى، حيث بدأت السلطة الجديدة بتطوير خطاب سياسي هدفه تحويل طبيعة السلطة السياسية من الشورى إلى الطاعة، لكن هذا الخطاب اصطدم بالمعارضة التي طورت من جانبها أيضا خطابها وأيدولوجيتها.

"
النموذج السياسي الذي قدمه معظم الفقهاء من أجل التنظير لدور مؤسسة الخلافة كان نموذج دولة الرسول التي وحدت إطار الأسس النظرية السياسية من شورى وإجماع وعقد وبيعة وحرية معتقد
"
وبينما تحولت الدولة إلى نظام قبلي كانت المعارضة تستند إلى الدين وترفع شعارات دينية من أجل تبرير أعمالها، وكان مبدأ الإجماع والشورى الأساس الذي استندت إليه في مواجهة السلطة الاستبدادية الجديدة.

وقد فصل العلماء ثلاث طرائق لإزالة الحاكم: الأولى المفضلة لدى الزيدية والمعتزلة وبعض السنة وهي الثورة المسلحة خاصة عندما يخرج الحاكم عن الإسلام. والطريقة الأخرى هي إزاحته عبر أهل الحل والعقد. أما الطريقة الثالثة فهي إزاحته عبر ديوان المظالم، وهو القادر على الحكم على خصائص الحاكم وأفعاله وتطبيقه الشريعة.

لقد شكل العلماء أهم مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني، إذ إن النظر في الأمور الدينية بقي خارج إطار مؤسسات الدولة، ولم تنبع شرعية مؤسسة العلماء من ارتباطها بالسلطة، وإنما من خلال قبول الجماعة هذا المذهب أو ذاك، وبهذا المعنى لم تتمكن الدولة من إنهاء استقلالية مجموع العلماء.

ليس هناك إذن في تاريخ الإسلام أو نظرياته ما يمنع من تطوير شكل ديمقراطي ليبرالي للحكم، فمجموع الفقه الإسلامي وكذلك العقيدة يشهدان على مرونة الفكر الإسلامي وإمكانية التغيير الديمقراطي إذا ما كان السياق مواتيا.

الاختلاف في الفكر القديم والوسيط
ركز القرآن الكريم على مبدأ حرية الاعتقاد والالتزام الديني، وهناك العديد من الآيات التي تحرم إكراه إنسان ما على اعتقاد معين.

إن أحد العوامل المشرعة للاختلاف والتعددية هو النص القرآني نفسه، فمعنى النص يحتمل التفسيرات المتعددة، وبينما وحد الإسلام كعقيدة الجماعة، سمح بالتعدد والاختلاف وحتى المعارضة.

فحق كل الناس في الاختلاف تقبله الفقه الإسلامي، وقد كان الحاكم يقوم بدور الحكم بين الآراء المتعددة، وكان لاختياره وجهة نظر معينة سياسية أو فقهية دور في جعل وجهة النظر هذه حكما سياسيا أو فقهيا، ومع ذلك لم يتحول هذا الحكم إلى تشريع في ذاته.

وكان تطور الفقه السياسي نتاج التفاعل الاجتماعي بين العلماء والفئات الأخرى في المجتمع، ومع أن الفقه كان مدنيا في طبيعته وبعيدا عن سيطرة الدولة، فإنه تناول بعمق مواضيع سياسية، سواء الدولة الصالحة أوالدفاع عن المجتمع. وكان الدور التاريخي للعلماء هو لعب دور وسيط بين الدولة وفئات المجتمع المدني، إذ إن معظم الفقهاء كانوا من أصحاب الحرف والتجارة وأصحاب سلطة مالية واقتصادية.

كما أن واجب الحسبة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قام به المجتمع المدني لا الدولة. ومن الدلائل المهمة على ترسيخ مفهوم المجتمع المدني في التاريخ الإسلامي ذلك الدور الذي قام به الأشراف كوسطاء بين الفرد والدولة.

"
أحد العوامل المشرعة للاختلاف والتعددية هو النص القرآني نفسه، لأن معناه يحتمل التفسيرات المتعددة. وبينما وحد الإسلام كعقيدة الجماعة، سمح بالتعدد والاختلاف وحتى المعارضة
"
ومن القوى الاجتماعية الأخرى كانت النقابات والحرف التي ربط بينها وبين الأشراف شبكة من المصالح التجارية التي ساهمت في تطوير روابط اقتصادية واجتماعية محلية مهمة، فالأشراف كانوا يترأسون الكثير من الحرف ويسمون شيوخ الحرف، وكل هذا أدى إلى تطوير البنى المحلية للمجتمع التي لعبت دورا مهما في حماية الأفراد وفئات المجتمع من ممارسة السلطة السياسية بطريقة عشوائية.

يعتقد المؤلف أن رفض صحة التعددية السياسية والاختلاف إحدى الإشكاليات الكبرى في الفكر الإسلامي، إذ الاختلاف لا التوحد هو الخاصية الأساسية للفكر والتنظيم السياسي. وفي التاريخ الوسيط للإسلام يمكن ملاحظة أنه كلما قمعت الحرية كانت هناك نقلة فكرية لبحث أمور ثانوية بعيدا عن الفكر العالمي، إذ دفع القمع السياسي للمعارضة بالعقل الإسلامي إلى التوجه نحو الصوفية، وعندما شعر المسلمون أنهم غير قادرين على التأثير في الحياة السياسية تحولوا إلى المثالية وحفظ التقاليد.

الحقوق الشرعية في العصور القديمة والوسيطة
تشمل حقوق الإنسان في الإسلام الضرورات الخمس وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وتسمى ضرورات لأنها مع كونها حقوقا فردية فهي أيضا واجبات فردية. ولا يعني ذلك أن الفكر قد رفض الحقوق الفردية، لكنه شدد على صياغتها في الواقع الاجتماعي، وإلا سيكون هناك صدام بين الفرد والمجتمع.

وبينما ترتكز حقوق الإنسان في الغرب على الفردية، فإن الحقوق الشرعية في الفكر الإسلامي القديم والوسيط كانت ترتكز على المصالح العامة.

وكانت دولة النبي قائمة على الحرية الدينية، فالقرآن الكريم يخبر النبي أنه لا إكراه في الدين، والإسلام أعطى الناس الحرية السياسية للمعارضة بشرط عدم تهديد الجماعة.

وأراد النبي إقامة السلم مع جميع فئات مجتمع المدينة، وكان قادرا بسبب رحابة مفهوم الأمة عنده على تأسيس الهيمنة الإسلامية في كل المدينة والقبائل المجاورة.

إن عقود الذمة التي عقدها مع اليهود والوثنيين العرب وكذلك مع بعض المسيحيين، جعل الجماعة الإسلامية في المدينة مجتمعا تعدديا من الدرجة الأولى.

وقد شكلت العهدة العمرية التي عقدها عمر بين الخطاب مع مطران القدس أصل كل العقود بين المسلمين والأقليات، وقد أعطت الأمن والسلام لحياة الأقليات.

وتمتعت الأقليات في الدول الإسلامية نظريا وعمليا بحقوق سياسية عدة، فعلى سبيل المثال تم توظيفهم في جميع أجهزة الدولة عدا تلك التي تتطلب الإسلام شرطا كالخلافة التي من وظائفها حفظ الإسلام والدولة.

مستقبل الديمقراطية التعددية
يحتوي الفكر الإسلامي القديم والوسيط والحديث -سواء في الفقه أوعلم كلام أو الفلسفة- على جذور مشابهة للديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان.

ومع أن هذه المفاهيم قامت على فلسفة الحقوق الطبيعية، فإنها قامت في الإسلام على الأسس النصية المستمدة من القرآن والسنة التي لا تتعارض مع أشكال الحكم الديمقراطي والمجتمعات المدنية التعددية ومناهج حقوق الإنسان.

"
أهم عنصر من عناصر النهضة الإسلامية اليوم هو إعادة النظر في التاريخ ورفع القدسية عنه، وتركيز المسؤولية على الفعل الإنساني، لأن جوهر التطور يكمن في قوة الإنسان على الفعل لا في التاريخ المقدس
"
وقد مهد التنوع الديني والعرقي للأنظمة السياسية التاريخية الإسلامية الطريق اليوم لتبني قيام المجتمع التعددي. ويمكن توظيف الشورى كشكل من أشكال السلطة الجماعية من أجل تطوير مفاهيم الشرعية ومناهج عملها، فمرونتها قابلة للتحول إلى منهج ديمقراطي في الحياة السياسية.

وهكذا فإن مفهوما قديما -عبر تفكيكه وإعادة تركيبه ضمن سياق حديث- تحول إلى مفهوم يستوعب التفسيرات الديمقراطية وبداية لعملية تأصيلية لديمقراطية شرعية في العالم الإسلامي المعاصر. ويمثل مفهوما الشورى والإجماع مفتاحين يمكن للمسلمين توظيفهما من أجل التطوير الإسلامي للديمقراطية التعددية وحقوق الإنسان، فهما يقفان في مواجهة مفهومي حاكمية الله وجاهلية العالم.

يرى المؤلف أن إعادة إحياء مفهوم الاختلاف يفتح احتمالات قبول التفسيرات المتنوعة والمختلفة حول طبيعة الحكم والحكومة، وكذلك حول المؤسسات الدينية والاجتماعية بما فيها تعدد الأديان والفلسفات.

وعلاوة على ذلك فإن مشروعية المعارضة وضرورة الحقوق الشرعية يمكن توظيفهما اليوم في نطاق الحياة السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية الحديثة. هذه المفاهيم تعطي حججا شرعية ليس فقط للأقليات، بل أيضا للأكثريات ضد طغيان الدولة الحديثة في العالم الإسلامي، وفتح الباب أمام انتخابات حرة للحكام وللتقليل من تقليدية المؤسسات الإسلامية.

إن أهم عنصر من عناصر النهضة الإسلامية اليوم هو إعادة النظر في التاريخ ورفع القدسية عنه، وتركيز المسؤولية على الفعل الإنساني، لأن جوهر التطور يكمن في قوة الإنسان على الفعل لا في التاريخ المقدس.

والواضح من التاريخ الإسلامي أنه عندما يحاول شخص أو مجموعة ما تمثل ما هو غيبي، تتحول مواقفه إلى رؤى مطلقة. لكن عندما يتم التعبير عما هو ديني في سياق سياسي فإنه يتحول إلى قضايا قابلة للتسوية على الأقل نظريا.

ويظهر التاريخ الإسلامي أن الفهم المطلق المجرد لتاريخه يحول الفهم الإنساني إلى فهم إلهي، ثم إلى قضية إلهية غير خاضعة للمساومة، لكن عندما يتم النظر إلى ما هو ديني من خلال العامل الإنساني ويتم إخضاعه للتاريخ، فإنه يتحول إلى قضية إنسانية قابلة للأخذ والعطاء، وبالتالي مصدر تعاون بين البشرية.

المصدر : الجزيرة