عرض/محمود محارب
يستطلع هذا الكتاب بمنهجية وعمق موقف الرأي العام اليهودي الإسرائيلي بمركباته المتنوعة، العلمانية والدينية، الغربية والشرقية, الشرائح الغنية والفقيرة, ومستوياتهم الثقافية المختلفة.

وقد وضع المؤلفان أكثر من مئة سؤال تستطلع وتستوضح مواقف وأراء اليهود الإسرائيليين من القضايا ذات الصلة الوثيقة بالأمن القومي الإسرائيلي، وهو يستند إلى ثلاثة استطلاعات واسعة وعميقة للرأي العام الإسرائيلي أجريت بين عامي 2005 و2007.

أجري الاستطلاع الأول عشية تنفيذ خطة فك الارتباط والانسحاب من قطاع غزة عام 2005، والثاني بعد نصف عام من تنفيذ خطة فك الارتباط في عام 2006 والثالث بعد نصف عام على انتهاء حرب لبنان الثانية.

- الكتاب: الشعب يتكلم
- المؤلف: يهودا بن مئير ودافنا شاكيد
- الصفحات: 96
- الناشر: معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب
- الطبعة: الأولى/مايو/أيار 2007

ويأتي هذا الكتاب ضمن "مشروع الأمن القومي والرأي العام الإسرائيلي" الذي ابتدأ منذ سنة 1985، واستطلع كل عام عينة تمثيلية من البالغين اليهود تزيد عن 1200 شخص.

وهذا الكتاب هو الثاني والعشرين في هذه السلسلة، وهو يشمل مقدمة وسبعة فصول وخلاصة.

عالجت الفصول خصوصيات المجتمع السياسي الإسرائيلي، والعوامل التي تشكل الرأي العام في إسرائيل، والمزاج القومي والتهديدات والأخطار المحدقة بإسرائيل وفق الجمهور الإسرائيلي، والمواقف تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والصراع الإسرائيلي العربي وإمكانيات التوصل إلى حل دائم، ورأي الجمهور الإسرائيلي حول الحرب والسلام و"الشريك" الفلسطيني أو العربي. كذلك استطلعت الآراء تجاه التناقضات والتوترات الداخلية الإسرائيلية والموقف من العرب داخل إسرائيل.

مؤلفا الكتاب هما يهودا بن مئير مدير "مشروع الأمن القومي والرأي العام الإسرائيلي" التابع لمعهد أبحاث الأمن القومي، والمتخصص في دراسة الرأي العام الإسرائيلي وعلاقات المؤسسة الأمنية والسياسية في إسرائيل، والباحثة دافنا شاكيد العاملة في معهد مركز أبحاث الأمن القومي.

بات استطلاع الرأي العام أحد الضروريات الهامة في المجتمعات الغربية, وهناك نقاش حول العوامل المؤثرة على الرأي العام، وإلى أي مدى يؤثر القادة السياسيون والنخب على الرأي العام ويشاركون في صياغته، أم أنهم يصيغون برامجهم وفق اتجاهات الرأي العام.

من الصعب الوقوف على كنه الرأي العام الإسرائيلي أو قراءته أو فهمه بدون إدراك قيمه الأساسية، فلكونه مجتمع مهاجرين ومستوطنين أقام دولته على حساب الشعب العربي الفلسطيني وعلى أنقاضه، لا يزال المجتمع الإسرائيلي يتبنى قيما عنصرية معادية للعرب تسعى لاجتثاثهم، تتناقض بصورة حادة وعدائية مع القيم الإنسانية التي توصلت إليها المجتمعات عامة والغربية خاصة.

فالقيم الإنسانية مثل الحق في المساواة والمواطنة المتساوية والحرية والعدالة وحق الشعب في تقرير مصيره، مرفوضة وملفوظة لدى الغالبية العظمى من الإسرائيليين عند الحديث عن العرب الفلسطينيين أو العرب عموما، ومقبولة فقط في الإطار اليهودي، أي عند الحديث عن اليهود فقط.

وفي ظل اضمحلال وتلاشي القيم الإنسانية في المجتمع الإسرائيلي وسيادة القيم العنصرية والنافية للآخر، وانغلاقه على نفسه، وعدم إجراء حوار مع الآخر إلا من منطلق القوة والهيمنة والاستعلاء والإقصاء، وفي ظل عدم وجود ميزان قوى إقليمي يردع المجتمع الإسرائيلي، بل وجود تفوق وعربدة إسرائيلية في المنطقة، وفي ظل وجود مجتمع إسرائيلي يرفض الاندماج في المنطقة، ويسعى عوضا عن ذلك إلى الهيمنة عليها وفرض "الحل الوسط" الذي تتوصل إليه شرائح المجتمع الإسرائيلي الموغلة في العنصرية بدلا من التوصل إلى "حل وسط" حقيقي مع العرب، يظل الرأي العام في إسرائيل يدور في فلك العنصرية والاستقواء، لا يحرره منها إلا ظهور ميزان قوى جديد في المنطقة.

"
الحل الذي يراه الإسرائيليون هو تجزئة وتفتيت الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وضم مناطق واسعة من الضفة الغربية التي أقيمت عليها المستوطنات دون ضم السكان الفلسطينيين، وقد تبلورت أغلبية يهودية تدعو إلى ذلك تصل إلى أكثر من ثلثي المستطلعة آراؤهم
"
الديمغرافيا والجغرافيا
يؤكد المؤلفان كما أظهرت الاستطلاعات المتتالية أن "المسألة الديمغرافية" تمثل القيمة العليا، منذ أكثر من عشرين عاماً، من بين مجمل القيم التي تؤثر على الرأي العام الإسرائيلي.

وتظهر الاستطلاعات أن أهمية "المسألة الديمغرافية" ازدادت أكثر في السنتين الأخيرتين، إذ طلب من المستطلعين ترتيب أربع قيم وفق أهميتها:
أ. أغلبية يهودية في إسرائيل
ب. دولة ديمقراطية
ج. أرض إسرائيل الكبرى
د. سلام مع العرب

وجاءت دوما قيمة أغلبية يهودية في إسرائيل في المرتبة الأولى بنسبة عالية وصلت عام 2006 إلى 54% وفي عام 2007 إلى50%. وقد اختار أكثر من 77% في العامين الأخيرين قيمة الأغلبية اليهودية في الأولوية الأولى والثانية.

وتؤكد الاستطلاعات أن الغالبية العظمى من الإسرائيليين يرغبون في دولة يهودية خالية من العرب الفلسطينيين، وعندما تتعارض قيمة الأغلبية اليهودية أو تتناقض مع قيم أخرى فإن الغالبية العظمى من الرأي العام في إسرائيل, باستثناء قطاع المستوطنين واليمين المتطرف, يفضلون بصورة واضحة الدولة ذات الأغلبية اليهودية الواضحة.

أما اليمين المتطرف فإنه يفضل قيمة "أرض إسرائيل الكاملة" أملا منه في أن يتمكن من طرد الفلسطينيين وفق ما ينادي به علانية.

ويحتل "الخطر الديمغرافي"، أي إمكانية أن تتحول إسرائيل إذا ما استمرت في احتلالها الأرض الفلسطينية، التي احتلتها 1967، من دولة يهودية إلى دولة ثنائية القومية، المكانة الأهم في تشكيل رؤية الرأي العام الإسرائيلي من مكونات الحل الدائم.

ويوضح الكتاب أن "المسألة الديمغرافية" هي الأكثر تأثيرا وحسما في صياغة الرأي العام الإسرائيلي، تفوق قضايا الحدود والاستيطان والقدس واللاجئين والدولة الفلسطينية.

وتشير نتائج الاستطلاعات التي وردت في الكتاب أن الرأي العام الإسرائيلي يرفض الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران وفي الوقت نفسه يرفض بشدة دولة مشتركة لليهود والعرب، يشكل العرب الفلسطينيون نصف سكانها.

والحل الذي ارتآه الإسرائيليون هو تجزئة وتفتيت الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وتقطيع أوصالها، وضم مناطق واسعة من الضفة الفلسطينية المحتلة التي أقيمت عليها المستوطنات، بدون ضم السكان الفلسطينيين. وقد تبلورت أغلبية يهودية واضحة تدعو إلى ذلك تصل إلى أكثر من ثلثي المستطلعة آراؤهم.

يحظى جدار الفصل بإجماع الأحزاب والنخب الإسرائيلية باستثناء قيادة المستوطنين واليمين المتطرف, وتظهر نتائج الاستطلاعات الواردة في الكتاب أن الرأي العام الإسرائيلي لا يتعامل مع جدار الفصل من المنظور الأمني فحسب، وإنما أساسا من المنظور السياسي، عله يحدد الحدود السياسية الدائمة لإسرائيل.

في الإجابة  على سؤال هل تؤيد إقامة الجدار إذا كان مساره يمر على الخط الأخضر الفاصل بين الضفة الفلسطينية المحتلة وإسرائيل, عارض إقامته 75% في السنوات الممتدة من 2005 إلى 2007، في حين حظي مسار جدار الفصل الذي يلتهم الأرض الفلسطينية ويقطع أوصالها بتأييد 75% إلى80% في الفترة نفسها.

وتظهر نتائج الاستطلاع أن أغلبية عظمى في الرأي العام الإسرائيلي ترفض الانسحاب من كامل القدس الشرقية المحتلة وتفكيك مستوطناتها اليهودية المقامة فيها، لكن هناك ما يقرب من 50% تؤيد انسحاب إسرائيل من الأحياء العربية في القدس الشرقية مع الحفاظ على البلدة القديمة تحت السيادة الإسرائيلية.

ويتبين من نتائج الاستطلاعات كذلك أن هناك أغلبية واضحة وثابتة تبلورت منذ أكثر من عقد، وتتراوح بين 50% و60%، تؤيد إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح ومقطعة الأوصال، في سياق حل دائم بعد تقليص مساحتها بصورة كبيرة وضم الكتل الاستيطانية في الضفة والقدس الشرقية وما يلتهمه جدار الفصل من أراض فلسطينية.

لم تعد سياسة إسرائيل في فرض حلول أحادية الجانب، تحظى بتأييد الرأي العام الإسرائيلي، خاصة بعد الفشل الإسرائيلي في حرب لبنان الثانية، وبعد تنفيذ خطة فك الارتباط، ففي عام 2004 أيد خطة شارون أحادية الجانب 56% وأيدها في عام 2005 50% وفي عام 2006 49% وفي عام 2007 أيدها 36% فقط وعارضها 64%.

"
الإسرائيليون يرون أن احتمال تمكن إيران من تطوير وامتلاك سلاح نووي يشكل الخطر الأول على الأمن القومي الإسرائيلي، وقد احتل "الخطر النووي الإيراني" المرتبة الأولى للسنة الرابعة على التوالي، يليه في الخطورة على الأمن القومي انتشار الفساد في مؤسسات الدولة
"
حرب لبنان الثانية
تبين نتائج الاستطلاعات الواردة في الكتاب، والتي جرت بعد نصف عام من انتهاء حرب لبنان أن الرأي العام الإسرائيلي فقد ثقته بقيادتيه السياسية والعسكرية في القضايا المتعقلة بالأمن القومي.

فقد قال 34% فقط إنهم يثقون في الحكومة الإسرائيلية في اتخاذ القرارات الصحيحة في قضايا الأمن القومي، وقال 66% إنهم لا يثقون في حكومتهم في هذه المسألة. وقد بين 46% أن ثقتهم في الجيش الإسرائيلي انخفضت نتيجة لحرب لبنان الثانية، في حين ذكر 46% أن ثقتهم ازدادت.

أما في مسألة الردع الإسرائيلي الذي يحتل أهمية قصوى في نظرية الأمن الإسرائيلية وفي نظر الجمهور الإسرائيلي، فقد ذكر 53% أنه انخفض جراء حرب لبنان الثانية. وقد أيد 49% قرار الحكومة شن الحرب على لبنان إلا أنهم تحفظوا على عدم الاستمرار فيها حتى تدمير حزب الله أو إعادة الجنديين الأسيرين.

وذكر 20% أنه كان يجب القيام بعملية عسكرية محدودة بينما قال 11% فقط إنه لم تكن هناك حاجة إطلاقا لعملية عسكرية.

أما بخصوص من انتصر في الحرب فقد ذكر 26% أن حزب الله انتصر في الحرب، في حين قال 23% إن إسرائيل انتصرت بينما قال 51% إنه لم ينتصر أحد في الحرب.

اعتبر الرأي العام الإسرائيلي أن احتمال تمكن إيران من تطوير وامتلاك سلاح نووي يشكل الخطر الأول على الأمن القومي الإسرائيلي، وقد احتل ما يطلق عليه "الخطر النووي الإيراني" المرتبة الأولى للسنة الرابعة على التوالي، يليه في الخطورة على الأمن القومي انتشار الفساد في مؤسسات الدولة ثم امتلاك "دول معادية" أسلحة كيماوية وبيولوجية، يليه خطر تجدد "الإرهاب" بصورة واسعة ثم خطر اندلاع حرب مع سوريا.

أظهر الرأي العام الإسرائيلي خشية عالية من نشوب حرب أهلية في إسرائيل بسبب الصراع الداخلي الإسرائيلي حول مصير المناطق المحتلة وخطة شارون، خاصة عشية تنفيذ خطة فك الارتباط.

ففي عام 2005 عشية تطبيق خطة فك الارتباط ذكر 49% أن هناك احتمالا عاليا لنشوب حرب أهلية، وانخفض ذلك إلى 37% في عام 2006 وإلى 29% في 2007.

وقد اعتبر 25% من المستطلعين أن من حق العسكري الإسرائيلي رفض الأوامر العسكرية بإخلاء المستوطنين, في حين اعتبر 75% أن ذلك غير شرعي وأن على الجندي الانصياع للأوامر العسكرية.

"
الرأي العام الإسرائيلي يعتبر ميزان القوى في المنطقة يسمح لإسرائيل بفرض إرادتها على الدول العربية, ويرى أن التنازلات السياسية العربية المتتالية جاءت نتيجة لقوة إسرائيل
"
الآراء حول المواطنين العرب
يتجلى من الاستطلاعات التي قام بها "مشروع الرأي العام والأمن القومي الإسرائيلي" أن هناك استمرارية واضحة في ازدياد وتفشي العنصرية العدوانية تجاه المواطنين العرب في إسرائيل الذين يشكلون 20% من مجموع السكان.

وتؤكد نتائج الاستطلاعات المتتالية أن هناك أغلبية كبيرة جدا في صفوف اليهود الإسرائيليين ترفض المواطنة المتساوية للمواطنين العرب، وتعارض مشاركتهم في اتخاذ القرارات الهامة، وقد تراوحت هذه النسبة بين 75% و80%.

وأخطر من ذلك ازدياد نسبة اليهود الإسرائيليين الذين يطالبون "بتشجيع" هجرة العرب إلى خارج إسرائيل من 50% عام 2001 إلى 63% عام 2006 لتصل 66% في عام 2007.

وعلى سؤال "هل تعتقد أن على إسرائيل أن تتخذ خطوات عقابية ضد المواطنين العرب"، أيد ذلك 58% في عام 2002، و49% في عام 2003 و53% في عام 2004، أما في السنوات 2005 و2006 فانخفض المؤيدون إلى 40% ثم عاد ارتفاعهم بشكل حاد في عام 2007 إلى 57% بعد الإحباط والفشل في حرب لبنان من ناحية، ووقوف المواطنين العرب بصورة واضحة ضد عدوانية إسرائيل في الحرب, من ناحية أخرى.

تقود القراءة المتأنية للكتاب ونتائج الاستطلاعات الواردة فيه إلى أن الرأي العام الإسرائيلي يبتعد جدا عن القيم الإنسانية ويستعيض عنها بالقيم العنصرية المتفشية فيه، وأنه يعتبر ميزان القوى في المنطقة يسمح لإسرائيل بفرض إرادتها على الدول العربية, وأن التنازلات السياسية العربية المتتالية جاءت نتيجة لقوة إسرائيل.

كذلك لا يأبه الرأي العام الإسرائيلي بالرأي العام في الدول العربية, بل يعتقد أن قوة إسرائيل كفيلة بأن ترغم الدول العربية على الاستمرار في قمع الرأي العام لديها في ما يخص الأمن القومي العربي والصراع مع إسرائيل.

المصدر : الجزيرة