عرض الحسن السرات
دأبت مجلة "وجهة نظر" المغربية على إصدار تقارير سنوية عن حالة المغرب منذ ثلاث سنوات، والإصدار الحالي يعتبر هو التقرير السنوي الثالث عن حالة المملكة في عدة مجالات سياسية وحقوقية وثقافية واجتماعية ورياضية واقتصادية خلال سنة 2006-2007.

وشارك في إعداد التقرير الحالي اثنا عشر باحثا مغربيا يتقدمهم عبد اللطيف حسني المدير المسؤول عن المجلة وإصداراتها وتقاريرها.

- الكتاب: حالة المغرب 2006/2007
- المؤلف: مجموعة
- الصفحات: 296
- الناشر: منشورات وجهة نظر، الرباط
- الطبعة: الأولى/2007

هيمنة الملكية
يفتتح التقرير الحديث عن حالة المغرب بالملكية، وقد اختار لها حسني عنوانا واضحا يغني عن كل تفسير "الملك الفاعل الأساسي في الحياة السياسية الوطنية وفي الحياة الدينية واليومية للمغاربة".

ومنذ البدء يعيد ذلك الباحث التذكير بما اتفق عليه كثير من الباحثين بخصوص دور الملك في المغرب، إذ لا شيء يتغير في المملكة على مستوى النظام الحاكم، وذلك على امتداد عقود من الزمن، لأن الملك في المغرب يحكم ويسود.

ورغم النص في الدستور على أن نظام الحكم في المغرب نظام ملكية دستورية ديمقراطية واجتماعية، وعلى أنه توجد إلى جانب الملك حكومة وبرلمان وقضاء، فإن النظام القائم لا يعترف بفصل السلطات التي تبدو في العمق مركزة في يد الملك.

ملك المغرب هو رئيس مجلس الوزراء، وهو الذي يعين الحكومة ويضع حدا نهائيا لحياتها، وله الحق في اللجوء إلى الاستفتاء وحق العفو، وحق التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية السامية، وهو رئيس المجلس الأعلى للقضاء، ويمارس سلطة التشريع عن طريق ما يخوله له الدستور في فصله التاسع عشر الشهير.

وكل هذا، حسب عبد اللطيف حسني وكثير من الباحثين، يحد من سلطات البرلمان ويضعفها في مجال التشريع، هذا بالإضافة إلى اعتبار الملك بنص الدستور شخصا مقدسا لا تنتهك حرمته ولا يُسأل عما يفعل.

وعبر متابعة دقيقة لخطبه وتحركاته وتصرفاته خلال سنة 2006-2007، خلص حسني إلى أن الملك هو الفاعل الرئيسي بالمغرب في المجالات السياسية والاقتصادية والمدنية والعسكرية والرياضية، وهو من خلال تمثله لذاته وللملكية -من خلال خطبه- هو سيد القرارات يشيد بها ويعتبرها هي الأنجع والأقوم.

ومن بين كل القرارات الملكية، يبدو الملك معجبا أيما إعجاب بمبادرته للتنمية البشرية التي تحتل مكانة متميزة في خطاباته، ففي الخطابات الثمانية التي تناولها التقرير نجد المبادرة الملكية للتنمية البشرية تتكرر على امتداد 38 وحدة.

ولا يكتفي الملك بممارسة الاختصاصات التي تمنحها له الأعراف والتقاليد المرعية والنص الدستوري، بل إنه يتجاوز ذلك ليلعب دورا محوريا في الحياة اليومية العادية للمواطنين المغاربة من خلال التدشينات مهما كان حجمها وفي أي مدينة كانت.

فغالبا ما يستقر الملك في طنجة، ولكنه دشن عدة مشاريع في مدن الشاون وتطوان والحسيمة ووزان والعرائش ووجدة والناضور والسعيدية وبركان والدار البيضاء ومدن أخرى جنوب المغرب وشرقه وشماله وغربه.

وأمام هذا الحضور القوي تبدو المؤسسات السياسية الأخرى لا وزن لها ولا أثر، مثل الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية والجماعات الحضرية والقروية "إنها ملكية فريدة من نوعها تمتد سلطاتها إلى معاش المغرب اليومي".

"
دبلوماسية المغرب انشغلت بالترويج للحكم الذاتي في الصحراء، وكان حضورها على صعيد العالم العربي والإسلامي باهتا، وكذلك الحال فيما يخص اتحاد دول المغرب العربي، كما أنها لم تستطع أن تحقق شيئا ذا بال على الصعيد الأفريقي
"
دبلوماسية ضعيفة

في المجال الدبلوماسي، اعتبر التقرير أن دبلوماسية المغرب انشغلت بالترويج للحكم الذاتي للصحراء بالمغرب، وكان حضورها على صعيد العالم العربي والإسلامي باهتا، وكذلك الحال فيما يخص اتحاد دول المغرب العربي، كما أنها لم تستطع أن تحقق شيئا ذا بال على الصعيد الأفريقي.

على الصعيد الأوروبي بقيت علاقات المغرب مع الاتحاد الأوروبي سجينة القوى الكلاسيكية التاريخية مثل فرنسا وإسبانيا، ورغم الانفتاح على إيطاليا وبريطانيا وألمانيا فإن هاجس قضية الصحراء هو المبرر لهذا الانفتاح.

لكن المغرب سجل وفق ذلك البحث، حضورا متميزا في المنظمات الدولية على اختلاف تخصصاتها وانشغالاتها مثل منظمة حلف شمال الأطلسي، واجتماعات وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، وانتخاب المغرب في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، واحتضانه لاجتماعات مجلس أوروبا للحوار والمغرب، وأشغال لجنة الشراكة الاقتصادية المغربية الأوروبية.

وقال البحث معلقا على هذا الحضور "إن حضور المغرب ضمن مختلف هذه المنظمات على اختلاف اهتماماتها، يستدعي بالضرورة ظهور مؤثرات الاستفادة منها داخل مختلف الأوساط الاجتماعية بحيث استفاد من عدد من المساعدات المالية تطرح تساؤلات حول صيغ الاستفادة منها وأشكال صرفها".

كما اعتبر أن التأثير الثقافي الفرنكوفوني ظل محافظا على نمطه التقليدي، من دون تجاوز صيغه نحو آفاق معرفية أنجلوسكسونية أكثر قوة "وخاصة المرتبطة بحقل المعلوميات بشكل خاص".

الرياضة.. العسكرة والشغب
الرياضة بالمغرب، حسب التقرير، تعتبر الوجه الآخر للسياسة المخزنية المتبعة الحريصة على وضع اليد على كل شيء يتحكم في العقول والأموال، كما أن شغب الملاعب الذي شهدته الرياضة هو نفسه تعبير عن القهر السيكولوجي والاجتماعي والسياسي الذي يعيشه هذا البلد.

فقد عرف المجال الرياضي خاصة كرة القدم وألعاب القوى، عقد جموع عامة لم تحترم أي بند من بنود القوانين المنظمة لها، ولم ينعقد الجمع العام لجامعة كرة القدم المغربية في وقته منذ زمن طويل. ولما شهدت كرة القدم المغربية أزمة الهزيمة في بطولة الكأس القارية الأفريقية بمصر، دعت الجامعة إلى جمع عام لم يكن القصد منه سوى امتصاص الغضب الجماهيري.

"
الرياضة تعتبر الوجه الآخر للسياسة المخزنية المتبعة الحريصة على وضع اليد على كل شيء يتحكم في العقول والأموال، لكن شغب الملاعب أيضا هو نفسه تعبير عن القهر السيكولوجي والاجتماعي والسياسي الذي يعيشه هذا البلد
"
وبالإضافة إلى ذلك، ورغم أن كرة القدم المغربية مدنية وجماهيرية بطبعها، فإن المسيطرين على أزٍمّة الأمور بها هم قادة الجيش وعلى رأسهم الجنرال حسني بنسليمان الذي ظل متربعا على كرسي الرئاسة طيلة 15 سنة محطما جميع الأرقام القياسية في مدة أهم جهاز رياضي بالمملكة وهو رئاسة اللجنة الأولمبية.

وبفضل الدعم الذي قدمه العسكري بنسليمان، استطاع أحيزون -وهو المدير العام لشركة "اتصالات المغرب" كبرى شركات الاتصالات- أن يصبح رئيس جامعة المغرب لألعاب القوى رغم أنه لا ينتمي لأي فريق من فرق رياضة ألعاب القوى بالمغرب، كما ينص على ذلك القانون المنظم للجمعيات الرياضية.

وعندما حلت بالمنتخب المغربي الهزيمة في مصر، تداعى مجلس النواب لمناقشة الموضوع مطالبا بفتح تحقيق في الموضوع، فانتقد تقرير حالة المغرب هذا السلوك السياسي للغرفة الثانية لمجلس النواب، واعتبر أن هؤلاء النواب لم يفكروا يوما ما في أزمة الرياضة ولم يطالبوا بفتح التحقيق إلا يوم حدثت الهزيمة المنكرة.

وقال التقرير "إن الخروج الاستثنائي لفرق برلمانية مكونة من التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الوطنية الشعبية والحركة الشعبية والكونفدرالية الديمقراطية للشغل والعهد والتحالف الاشتراكي والاتحاد الديمقراطي، لم يتعد حدود البهرجة الإعلامية.

والحقيقة هي أن المطالبة بالتحقيق في مرحلة ما بعد الإقصاء وظروف تغيير المدرب، بدون الحديث عن الاستعصاءات التي تشهدها الجامعة المغربية، لا يعكس إلا نقاشا برلمانيا يتناول القشور ولا يصل إلى حد طرق عمق المشكل، إما نتيجة غياب الجرأة على طرق إحدى التابوهات المعقدة في المغرب، أو بسبب قلة معلومات البرلمانيين عن الواقع الكروي.

وينتقل التقرير إلى تشريح ظاهرة الشغب التي شهدتها الملاعب المغربية لكرة القدم، ويعتبر هذا السلوك برهانا على البؤس الاجتماعي، من خلال الأفعال التي قام بها فتيان ينحدرون من أحياء وفئات اجتماعية فقيرة تجد في كرة القدم متنفسا لآمالها وأحلامها وآلامها أيضا.

وعدوان المشاغبين لا يطال رجال الأمن كما يقع لدى الجمهور البريطاني، ولكنه توجه نحو الضعفاء والفقراء والفئات المتوسطة، بتكسير زجاجات السيارات والحافلات وإزهاق روح مناصري فريق الوداد البيضاوي بمدينة الرباط.

أعطاب المغرب الاجتماعية
ويرصد التقرير الجوانب الاجتماعية للمغرب، ويرى أن السنة التي انتهت كانت سنة تكريس التفاوت وتجذير الهشاشة، لأن الأرقام المخجلة بخصوص التنمية البشرية وسوء التغذية والعطالة والشفافية ظلت مغربية بامتياز في إثبات بالغ للاختلالات العميقة التي لا تنفع كل سياسات التلميع في إخفائها.

ويتحدث عن تقرير خمسين سنة الماضية بعنوان "الممكن والمستحيل" وكيف هللت له وسائل الإعلام وكأنه إنجاز ليس له نظير، وكيف انتهت البهرجة الإعلامية المصاحبة له.

"
السنة التي انتهت كانت سنة تكريس التفاوت وتجذير الهشاشة، وكانت الأرقام المخجلة بخصوص التنمية البشرية وسوء التغذية والعطالة والشفافية مغربية بامتياز، مما يثبت أن الاختلالات العميقة التي وقعت لا تنفع كل سياسات التلميع في إخفائها
"
واعتبر البحث أن السنة الفائتة كانت سنة الأرقام المخجلة للمغرب بامتياز، في مجالات الرشوة والفساد، والتنمية والدخل القومي والتمدرس والاستبداد، كما تحدث عن لهيب الأسعار وما تلاه من احتجاجات اجتماعية ضد ارتفاع الأسعار.

وتوقف كذلك عند حالة النساء والأسرة بالمغرب، ففند مزاعم وزارة العدل بخصوص انخفاض الطلاق وارتفاع الزواج، إذ الحال أن العكس هو الصحيح.

ومضى التقرير بعد ذلك إلى الحديث عن تدهور الخدمات الصحية والصحة بالمغرب وعن السكن غير اللائق وعن نسب الفقر المرتفعة بين المغاربة وذوبان الفئة المتوسطة، ولم يفته أن يتحدث عن المهاجرين السريين الذين أطلق عليهم نعت "أحفاد طارق بن زياد" لمخاطرتهم بركوب البحر والموت فيه، لكن ليس بحثا عن مكان لدعوة الإسلام في الربوع الإسبانية بل بحثا عن العمل والرفاهية.

وخلص اثنا عشر باحثا نهاية هذا الملف الاجتماعي إلى أن الأوضاع الاجتماعية مرشحة للتصاعد، وأن النظام المغربي سيفشل في معالجتها كما فشل من قبل.

ملاحظات
للتقرير جوانب إيجابية قوية وأخرى سلبية، وربما كان السبب في وجود القوة والضعف جاء من الذين أشرفوا على كتابة التقارير الفرعية، فمنهم من وفق في ذلك ومنهم من جانبه التوفيق. وربما كانت العروض الاجتماعية والرياضية والسياسية خاصة المتعلقة بالملكية، أقوى من غيرها.

ومن سلبياته أنه سجل على غلافه ومقدمته أنه سيتحدث عن الإسلاميين ويخصصهم بتقرير فرعي، إلا أن هذا التقرير غير موجود، وربما سقط سهوا حين المضي إلى الطباعة، وقد قيل إنه ستعاد طباعته وتضاف إليه المادة الخاصة بالإسلاميين لكن ذلك لم يقع حتى الآن.

كما أن هناك جانبا على قدر كبير من الأهمية لم يعره التقرير السنوي الثالث اهتماما، وهو المجال الإعلامي بالمغرب وتطوره خلال سنة عرف فيها تحولات كبيرة.

وإذا كان التقرير قد أفلح في تقديم صورة شاملة عن حالة المغرب عام 2006-2007، فإن المغرب لا يعيش في كوكب منعزل ولكنه يعيش في عالم مفتوح على مصراعيه، وكان من الأفضل والأفيد تخصيص فصل عن خضوع المملكة للضغوط الأجنبية وتحكم العولمة والشركات الكبرى ورؤوس الأموال العالمية في المسار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي.

وربما يكون هذا العامل أكثر هيمنة وقوة من الملكية المغربية الحريصة على الحكم، والبقاء والاستمرار بكل ما أوتيت من قوة.

المصدر : الجزيرة