عرض/ياسين تملالي
يندرج كتاب جان شارل جوفري "ضباط قالوا لا للتعذيب" في إطار الجدل الدائر في فرنسا والجزائر منذ بداية العام 2000 حول تاريخ الاستعمار الفرنسي وما ميزه من ممارسة منظمة للتعذيب والاختطاف والإعدامات الجماعية، خاصة في سنوات الثورة التحريرية السبع (1954-1962).

- الكتاب: ضباط قالوا لا للتعذيب
- المؤلف: جان شارل جوفري
- الصفحات: 164
- الناشر: دار الشهاب، الجزائر
- الطبعة: الأولى/2007

وقد تغذى هذا الجدل من شهادات قدامى ناشطي المقاومة الجزائرية عن الانتهاكات الجسدية التي تعرضوا لها خلال استنطاقهم، وزاده احتداما إصدار الجنرال أوساريس لمذكرات ضمنها تبريرا مطولا لممارسة التعذيب من طرف أجهزة الاستخبارات واعترافا مفصلا بقيامه باغتيال أحد قادة الثورة، العربي بن مهيدي، في زنزانته في 4 مارس/ آذار 1957.

إلا أن كتاب جان شارل جوفري -وهو اختصاصيي في التاريخ العسكري الفرنسي- ليس مجرد تحية إجلال للعسكريين الفرنسيين الذين عارضوا التعذيب ودفعوا ثمن ذلك غاليا، بل هو فضلا عن ذلك دراسة للظروف السياسية والعسكرية التي شاعت فيها ممارسته، دراسة موثقة تعتمد على أجود الأبحاث التاريخية عن "حرب الجزائر" وعلى كم كبير من شهادات قدامى المحاربين الفرنسيين عن تجربتهم في مواجهة الثوار الجزائريين.

ويعتبر جان شارل جوفري في أول فصول كتابه أن ما اصطُلح على تسميته "معركة الجزائر"، أي تلك المجابهة الدامية التي دارت رحاها في قلب العاصمة من يوليو/ تموز 1955 إلى أكتوبر/ تشرين الأول 1957 بين المظليين الفرنسيين وخلايا جيش التحرير التي صورها ببلاغة نادرة فيلم المخرج الإيطالي جيلو بونتكورفو، كانت منطلقا لشبه ترسيم للتعذيب بُرر في حينه، وما زال يبرر للأسف، بحرص الاستخبارات الفرنسية على "حماية المدنيين العزل من العمليات الإرهابية".

كيف وصل الأمر بالجيش الفرنسي 10 سنوات بعد تحرير فرنسا من الحكم النازي إلى استعمال وسائل الغستابو الألماني ضد المقاومين الجزائريين؟

حسب رأي الكاتب، فإن اللجوء الممنهج إلى التعذيب، وإلى الإعدامات الجماعية في إطار "الإرهاب المضاد"، كان في أول الأمر ردةَ فعل لاعقلانية على اكتشاف مرير وهو كون جبهة التحرير ليست حركة مقاومة وحسب بل دولة مضادة تمكنت بفضل انغراسها في المدن والأرياف من تنضيب معين "الاستخبار الكلاسيكي" الذي عولت عليه قوات الاحتلال أيما تعويل في حربها ضد "الخارجين عن القانون".

وبمرور الوقت وازدياد حدة المجابهات، أصبح التعذيب طريقة استخبارية روتينية لها منطقها الخاص و"اختصاصيوها". وقد تعمم استعماله في ظرف سياسي حرج بدت فيه السلطةُ السياسيةُ عاجزة عن تقديم بديل سياسي للجزائريين غير الاندماج في "جزائرَ فرنسية" ما فتئت تعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية وتحرمهم من أبسط الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية.

"
أغلب الضباط السامين في الجيش الفرنسي كانوا مقتنعين باستحالة القضاء على المقاومة بالوسائل العسكرية التقليدية، ولكنهم ظنوا أن ذلك يبرر لهم استعمال كل وسائل الحرب "غير التقليدية" بدل أن يدعوهم إلى التفكير في جدوى حرمان شعب بأكمله من حق تقرير المصير
"
قلة قليلة من الضباط الشرفاء
ويُحلل جان شارل جوفري في القسم الأول من مؤلََفه مواقف قادة الجيش الفرنسي من استعمال التعذيب لاستنطاق المشتبه في انتمائهم إلى المقاومة السرية.

هل يحق لـ"جيش جمهوري" أن يلجأ إلى الضغوط الجسدية والنفسية على المعتقلين لإجبارهم على الاعتراف؟ سؤال طرح نفسه على معظم الضباط الذين سرعان ما اكتشفوا صعوبة تفكيك حركة مدت شبكاتها في كل أنحاء القطر وحظيت بدعم شعبي واسع زاد منه احتدام القمع الفرنسي وما رافقه من ترحيل قسري واعتقال جماعي في المحتشدات.

وكانت إجابات الضباط السامين على هذا السؤال المحرج مختلفة باختلاف مواقعهم في الجهاز الحربي وتباين مشاربهم الإيديولوجية وتصوراتهم "للحل السياسي النهائي" للقضية الجزائرية.

إلا أن أغلبهم اقتنعوا باستحالة القضاء على المقاومة بالوسائل العسكرية التقليدية، معتبرين أن ذلك برر لهم استعمال كل وسائل الحرب "غير التقليدية" بدل أن يدعوهم إلى التفكير في جدوى حرمان شعب بأكمله من حق تقرير المصير.

وكان منهم من العنصريين من يعتقد أن قانون الشرف العسكري لا يسري على "الذباحين" -مناضلي جبهة التحرير كما كانت تسميهم الصحافة الكولونيالية- ولا على مجمل الأهالي "المتواطئين معهم".

وقد وصل الأمر بهؤلاء جميعا إلى التغطية على جرائم الجلادين أو الاكتفاء بمعاقبتهم رمزيا على جرائم كانت ستؤدي بهم في ظروف أخرى إلى المثول أمام القضاء العسكري.

أقلية صغيرة من الضباط بذلوا قصارى جهدهم في محاولة "إنقاذ الشرف الفرنسي"، كما يقول الكاتب، وإن لم يكن معظمهم يعترفون بمشروعية مطلب الاستقلال.

ويعد باريس دولابولارديير أشهرهم على الإطلاق، إذ لم يكتف هذا الضابط في سلاح المظليين، وأحد قدامى "قوات فرنسا الحرة" التي قاومت الاحتلال النازي، بمراسلة رؤسائه منددا بالتعذيب، فطلب إقالته من منصبه وبادر إلى التشهير بالجلادين في أعمدة الصحافة الباريسية ضاربا عرض الحائط بـ"واجب التحفظ" الذي كانت تفرضه عليه رتبته وحساسية مركزه القيادي.

ودفع باريس دولابولارديير ثمن هذا العصيان غاليا، إذ ألقي به في السجن العسكري قبل أن يغادر صفوف الجيش، وقد روى تجربته هذه في "معركة الجزائر، معركة الإنسان" (1972) ولم يحظَ كتابه بالكثير من الشعبية عند صدوره، إلا أنه عاد إلى الواجهة بعد طفو تاريخ حرب التحرير الجزائرية إلى سطح النقاش السياسي الفرنسي في بداية 2000.

ويمكن الجزم، يقول جان شارل جوفري، إن باريس دولابولارديير كان أحد الضباط القلائل الذين ذهبوا أبعدَ ما يمكن في الدفاع عن أفكارهم الإنسانية التي لخصتها إجابته الشهيرة لخصومه، "لم يتمكن الغستابو يوما من أن يمنع المقاومة الفرنسية من الوجود والنمو".

"
التعذيب لم يرسم قط وسيلة استخبارية وإن تركت للقادة الميدانيين حرية استعمال الوسائل التي تفرضها عليهم -حسب قولهم- "متطلبات مكافحة الإرهاب"
"
ويخلص جان شارل جوفري، من سرده لسيَر ضباط آخرين أقل شهرة من دولابولارديير، وإن لم يكونوا أقل منه شجاعة (كسيجان باسيس الذي منع كتابيا على مرؤوسيه استعمال القوة ضد المساجين المستنطقين)، إلى استنتاج مفاده أن اللجوء إلى "الإرهاب المضاد" لم يكن، عكس ما يشاع، قدرا محتوما بدليل أن بعض قادة الوحدات سهروا بصرامة على التزام مرؤوسيهم بـ"قوانين الحرب وأعرافها".

ويمكن تفسير هامش المناورة هذا بكون التعذيب لم يرَسم قط كوسيلة استخبارية وإن تركت للقادة الميدانيين حرية استعمال الوسائل التي تفرضها عليهم، حسب قولهم، "متطلبات مكافحة الإرهاب".

ويدرس الكاتب في القسم الثاني من مؤلَفه سير ضباط آخرين عارضوا التعذيب لا بدافع من إيمانهم بأعراف الشرف العسكري فحسب، ولكن بدافع من معتقداتهم الدينية أيضا.

ويذكر منهم فرانسوا دورست، جان لومور وهنري بينينو، فهؤلاء العسكريون وغيرهم كثير، حسب قول الكاتب، استلهموا من تدينهم قوة مكنتهم من إدانة حرية المبادرة الواسعة التي أعطيت للاستخبارات من طرف قيادة عسكرية كان كل همها تسجيل انتصارات سريعة ترفع معنويات الجند التي زادها تدهورا طول مدة المجابهة.

ولم يكن الضباط المتدينون وحيدين في التنديد بالانتهاكات الجسدية الممارَسة ضد معتقلي جبهة التحرير، فمارك شوفريل وريني باكي وجورج ألزياري رفضوا اللجوء إلى التعذيب أو تغطية مقترفيه بدافع من أفكارهم الشيوعية ومن إيمانهم بحق الجزائريين في المقاومة.

وقد دفعوا ثمن ذلك إبعادا لهم من مناصبهم، فزاد تهميشهم في جيش طالما توجس شرا من الشيوعيين، خاصة أنهم لعبوا دورا رائدا في مقاومة النازية.

الدروس المبتورة
ويخصص جان شارل جوفري خاتمة كتابه لما تمكن تسميته "الدروس الخفية لحرب الجزائر". فابتداء من 1962 لم ينقطع النقاش داخل القوات المسلحة الفرنسية عن العبَر الواجب استخلاصها من الهزيمة المعنوية التي ُنيت بها وأسهمت في تشويه سمعة "بلد الحريات" في كل أصقاع العالم.

ولمدة طويلة بقي هذا "التفكير" محتشما بل ومحصورا داخل صفوف الجيش، غير أنه بمرور الزمن، أصبح أكثر صراحة وعلنية وبدأ تأثيره على القوانين العسكرية الداخلية يتجسد.

"
القوات الأميركية في العراق تعمل جاهدة على الإفادة، لا من عبر فشل الجيش الفرنسي في القضاء على الثوار الجزائريين ولكن من نجاعة الوسائل غير الكلاسيكية التي استعملها ضدهم
"
فبدءا من 1966 فرض "قانون الانضباط العام" احترام قوانين وأعراف الحرب كما تم التذكير بنفس هذا الواجب في "قانون العسكريين العام" (1972) وفي "قانون الانضباط" المصادق عليه في 1975.

ووصل الاعتبار بتجربة حرب الجزائر، حسب الكاتب، ذروته عام 2000 عندما نص "دليل سلوك الجندي" حرفيا على أن "العسكري يطيع الأوامر في حدود ما تفرضه الاتفاقيات الدولية".

ويمكن القول اليوم، يقول جان شارل جوفري، بأن "جل القوانين العسكرية مستوحاة من تفكير عميق في الانحرافات والأخطاء التي اقترفَت خلال حرب الجزائر".

هل أسهمت هذه الحرب في تطعيم الجيش الفرنسي نهائيا ضد ممارسة التعذيب؟ نعم، يجيب الكاتب محاولا التهوينَ من تجاوزات القوات المسلحة الفرنسية في كل من رواندا وكوت ديفوار، معتبرا إياها مجرد "انزلاقات"، خاصة إذا ما قورنت بسلوك الجيش الأميركي في فيتنام أو العراق.

ويعد هذا الدفاع عن "جمهورية الجيش الفرنسي" نقطة ضعف الكتاب الأساسية، فالمؤلف يغفل تماما أن جيشا جمهوريا لا يمكن أن يكون جيشَ احتلال وهو لا يتطرق إلى هذا الجانب المحرج لا في معرض حديثه عن عمل القوات الفرنسية في الجزائر (1954-1962) ولا في تعليقه على تدخلاتها في رواندا وكوت ديفوار في السنوات الأخيرة.

أما نقطة قوة الكتاب الكبرى فتكمن في ربطه تاريخ التعذيب في الجزائر المستعمرة بقضايا التعذيب في العالم حاليا وتذكيره بأن الجيش الأميركي لم يتعظ مطلقا بتجارب الفرنسيين الأليمة، فها هي قواته في العراق تعمل جاهدة على الإفادة، لا من عبر الفشل الفرنسي في القضاء على الثوار الجزائريين، ولكن من نجاعة "الوسائل غير الكلاسيكية" التي استعملَت ضدهم.

أصدق دليل على ذلك، يقول جان شارل جوفري، أن فيلم بونتكورفو عرض مرارا على العسكريين العاملين في بلاد الرافدين، وبالطبع فإن ما يهم القادة الأميركيين في هذا الفيلم هو تصويره لنجاح الجيش الفرنسي في تفكيك خلايا جيش التحرير باستعمال التعذيب والاغتيالات الفردية.

أما ما يهملونه فيه فهو أن اللجوء إلى هذه الطرق بقي وصمة عار في جبين فرنسا لم تستطع منها خلاصا إلى اليوم.

المصدر : الجزيرة