عرض/كمال حبيب
نحن أمام كتاب يعالج موضوعا علميا صعبا لكنه يعرضه بلغة رفيعة تبدو كما لو كانت نصا أدبيا، والمعنى الذي يقصده المؤلف بالصيف الطويل هو زيادة حرارة المناخ ببطء منذ عام 1850م على نحو يكاد يكون متواصلا ولا يزال مستمرا حتى يومنا هذا.

وهو يعتقد أن ارتفاع درجات الحرارة سببه دورات التذبذب الطبيعية لتغير المناخ الكوكبي التي لا نهاية لها بالإضافة لما يفعله الإنسان.

- الكتاب: الصيف الطويل
- المؤلف: براين فاغان
- عدد الصفحات: 341
- المترجم: مصطفي فهمي
- الناشر: عالم المعرفة
- الطبعة، الأولى يونيو 2007

ويقول: "نحن نعيش داخل كبسولة من الاقتصاد الكوكبي يبدو أنها غافلة عن الأحداث المناخية التي فيها إمكان قتل الآلاف، في زمن تفجرت فيه الزيادة السكانية وصارت المدن هي الشكل الغالب للاستيطان البشري..

خطونا مع الثورة الصناعية خطوة عملاقة إلى عصر نتعرض فيه على نحو مخيف إلى جوائح كامنة يعززها ما يبدو من أن لنا القدرة على أن نزيد حرارة الأرض، ونزيد احتمال الأحداث المناخية المتطرفة، حجم إمكان الكوارث يكاد يكون أمرا لا يمكن إدراكه بلغة من التاريخ".

ويفترض الكاتب أن الإنسان لديه القدرة على التكيف مع هذا العالم ومع الأحوال البيئية المتغيرة، مما يمنحه قدرا من التفاؤل، لكن مئات الملايين من سكان الأرض المعاصرين لا يزالون يعيشون محصولا بمحصول، معلقين آمالهم على مواسم الأمطار، وهذا يشبه تماما الوضع الذي كان عليه فلاحو أوروبا من خمسة آلاف سنة.

وإذا كانت المجاعة خطرا بعيدا عن أوروبا وأميركا الشمالية بحكم ما لديهما من بنية تحتية محكمة لنقل الطعام عبر مسافات طويلة فإن مزارعي الكفاف وسكان المدينة في القارات الأخرى مازالوا يعيشون تحت التهديد الدائم بالجوع.

قسم المؤلف -الممسك بزمام اللغة وعلم المناخ والآثار والعلوم الإنسانية باقتدار- كتابه إلى ثلاثة أجزاء، تبدو علامات رمزية لديه لعلاقات متينة وقوية بين المناخ والتحولات الحضارية التي عرفها الإنسان، الجزء الأول بعنوان " مضخات وأحزمة ناقلة "، والجزء الثاني بعنوان " قرون الصيف " أما الجزء الثالث والأخير فعنوانه " المسافة بين الحظ الجيد والسيئ " فضلا عن مقدمة وخاتمة ومعجم مصطلحات لشرح معنى المبهم منها.

الاحترار
تكشف المئة والخمسون سنة الماضية عن وجود احترار كوكبي وهي أطول فترة من هذا النوع خلال الألف سنة الماضية، وهذا الاحترار – أي ارتفاع درجة الحرارة فوق الأرض– ناتج عن تصرفات الإنسان.

ويتم ذلك بقطع الأشجار لإخلاء الأرض بدون تخطيط، والزراعة بمقاييس صناعية واستخدام الفحم والبترول الذي يرفع من مستوى غازات الاحتباس الحراري (غازات ثاني أكسيد الكربون والميثان) في الجو ليصل إلى ارتفاع قياسي.

وبلغ دفء العصر الذي نحياه أن رفع مستوى سطح البحر في فيجي بمتوسط خمسة عشر سنتيمترا كل سنة في العقود التسعة الماضية، ودمرت حرائق الغابات 500 ألف هكتار من الغابات المكسيكية المريضة بالجفاف عام 1998 وما يزيد على ذلك في استراليا عام 2002.

والمؤلف كمتخصص في علوم المناخ يرى أن ظاهرة الاحترار غير المسبوقة مؤشر على دورة تغير مناخي يجب فهمه وكيفية التعامل معه في ظل أوضاع مناخية غير مؤكدة في المستقبل.

والتغير المناخي لا يمكن تجاهله، لأنه يشكل حافزا قويا في التاريخ البشري كحصاة تلقى في بركة تؤدي حلقات تموجاتها إلى قدح زناد كل أنواع التغير الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

يري المؤلف أن الحياة المعاصرة زادت من مخاطر تعرض الإنسان لكوارث أكثر ندرة وإن كانت أكبر حجما، ومن ثم فمشكلة الاحترار الكوكبي الحالية هي انعكاس لمقياس تعرضنا للكوارث ومن ثم لا بد من أن نتعلم كيف نسيطر على هذا الاستهداف ونتكيف معه.

"
رغم الجهود الجبارة التي تبذلها الحضارة المعاصرة للسيطرة على المخاطر البيئية فإنها لم تصل بعد لمحو تعرضنا للمخاطر، ومن ثم فإن عتبة الاستهداف تعني تعاظم المخاطر البيئية التي تبدو كسيف مسلط على رقبة المدنية المعاصرة
"
عتبة الاستهداف
تابع المؤلف حالة مدينة أور القديمة التي أسسها السومريون في العراق في حضن نهر الفرات وكيف أنها مثلت استجابة حضارية لتغييرات المناخ منذ 2800 ق.م، إذ إن المدينة هي العلامة المميزة لحضارة ما بين النهرين لحماية سكانها من الصدمات الحادة والجفاف غير المتوقع.

وكانت أور في تلك الأزمنة السحيقة وكأنها سفينة صغيرة تستطيع مقاومة العواصف الشائعة أكثر من القرى الزراعية الضئيلة الحجم، ولكن الانهيار المفاجئ للمدينة بسبب الجفاف والبراكين كان نقطة تحول في التاريخ البشري، كما يرى المؤلف.

فهي أول مرة تتفسخ مدينة بأكملها في مواجهة كارثة بيئية، ومن هنا انفصمت العلاقة بين قدرة المدينة على الاستجابة للكوارث البيئية بسهولة ويسر لتوفر إمدادات الطعام وللمرونة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تتمتع بها.

ومع ضخامة المدن التي تمثل الحضارة المعاصرة فإن عتبة التعرض للمخاطر تتعاظم بقدر الفوارق الضخمة بين مدن اليوم والمدن القديمة.

وكما يقول المؤلف "إن أور إذا كانت أشبه بسفينة تجارية صغيرة فإن الحضارة الصناعية أشبه بناقلة بترول ضخمة... مقياس الاستهداف البيئي اليوم أكبر بكثير مما يمكننا أن نصدقه".

ورغم الجهود الجبارة التي تبذلها الحضارة المعاصرة للسيطرة على المخاطر البيئية فإنها لم تصل بعد لمحو تعرضنا للمخاطر، ومن ثم فإن عتبة الاستهداف التي عنون المؤلف بها فصلا في كتابه والتي تعد أحد أدواته ومقارباته البحثية الرئيسية تعني تعاظم المخاطر البيئية التي تبدو كسيف مسلط على رقبة المدنية المعاصرة - رغم قدراتها الجبارة على السيطرة والتحكم- بقدر ضخامة تحضرها واتساع مدنها وبنيتها التحتية وتفاقم تعداد سكانها.

"
تحول الإنسان إلى الاعتماد على الأغذية النباتية التي تمكن إعادة تخزينها سنوات طويلة بسبب زيادة تبعثر حيوانات الصيد وندرتها، يعتبر المفتاح الواضح للبقاء على قيد الحياة
"
المناخ والتغير الحضاري
تجوال القارئ بين صفحات الكتاب يجعله يكتشف أنه يتابع سيرة تاريخية لجدل التحولات العالمية بين المناخ والإنسان والحضارة منذ العصور السحيقة التي تسبق التاريخ الميلادي بعشرات الآلاف من السنين بدءا بما أسماه المؤلف "العصر الجليدي الكبير" ثم العصر الجليدي الصغير "وهو مرحلة الانتقال إلى حالة الدفء ثم "الصيف الطويل" الذي نعيشه اليوم.

وفي هذه المسيرة الممتعة يطوف بنا الكاتب بين التاريخ القديم لدول الهلال الخصيب الممتدة من العراق إلى مصر، وعالم آسيا وهجرات الهنود إلى أميركا وعلاقة روما بالجماعات البربرية القادمة إليها من شمال القارة العجوز.

ويتحدث الكتاب عن استجابات الإنسان لمواجهة المخاطر البيئية بالانتقال من الرعي وجمع الثمار إلى الزراعة، والانتقال من استخدام الرمح إلى القوس والسهم، والتحول من الريف والقرى المتجاورة إلى الدولة المدينة ذات الطابع المركزي وبواكير ظهور الطبقات الاجتماعية.

كما يعرج على التحولات الدينية التي أطلق عليها المؤلف الشامانية والسحر إلى المسيحية وغيرها، فالكتاب ليس مجرد تتبع للظواهر المناخية وتقلباتها، ولكنه يكاد يكون مسحا أفقيا مبسطا لتاريخ الإنسان والعالم من منظور علم المناخ أو البيئة الحريص على أن يوضح أنها إحدى مواجهات التحولات الحضارية من بين مجموعة أخرى مهمة اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية.

ومن المسائل التي زاوج المؤلف فيها بين التاريخ والحضارة في كتابه "اختراع الإبرة والخيط" الذي أحدث ثورة في قدرة البشرية على الازدهار في بيئات باردة إلى أقصى حد.

وينبه الكتاب إلى تحول الإنسان إلى الاعتماد على الأغذية النباتية التي تمكن إعادة تخزينها سنوات طويلة، مع زيادة تبعثر حيوانات الصيد وندرتها، ويعتبر ذلك المفتاح الواضح للبقاء على قيد الحياة.

وبعد انتقال الإنسان من الصيد إلى الزراعة و الاستقرار فقد قدرته على التنقل وتلاشت مرونته الاجتماعية وأصبح في مرمى الاستهداف لمخاطر التحولات المفاجئة في المناخ، والتقى الحيوان والبشر وأنتج لقاءهما قدرة الإنسان على تدجين الحيوان من أجل توفير الغذاء لمواجهة هجمات الجفاف.

وهكذا ظهرت المدينة حين أصبح لدى الدولة موظفوها الرسميون وأصبحت تفرض الضرائب واتسع اعتماد المزيد من الناس عليها في الحصول على طعامهم، استجابة للأزمات البيئية، خاصة تزايد الجفاف في رأي المؤلف.

"
مصير البشرية واحد ولن يستطيع الغرب الغني أن يفلت من الاستهداف الذي يحيط به من كل جانب بسبب قوة تنظيمه وإحكام أدواته، فهي ذاتها التي تجعله أسير الاستهداف أكثر من غيره
"
رسالة الكتاب
أنهى المؤلف كتابه بترنيمة من "القداس الجنائزي" لموتسارت تقول "..هذا اليوم هذا يوم الغضب الذي يحول العالم إلى رماد"، وهي تعكس مخاوف المؤلف من الدمار الذي ينتظر المدنية المعاصرة إن ظلت غير آبهة بتأثيرات تحولات البيئة والمناخ الكارثية على الحضارة الإنسانية.

ويضرب أمثلة بما تحمله وسائل الإعلام كل سنة من قصص عن المجاعة والفيضان وهلاك الآلاف بهدوء في شمال شرق أفريقيا أو بنجلاديش ويبقى العالم غافلا، والغرب لا يتحرك لظنه أنه غير قابل للاستهداف من المخاطر.

ويشير الكاتب إلى المخاطر التي تنتظر العالم لو زادت درجة الحرارة في كوكب الأرض عن مستواها الحالي، لأن ذلك سيؤدي إلى إغراق السهول الساحلية ذات الكثافة السكانية العالية أو حلول الجفاف بالمناطق الأقل مطرا مما يجعل قائمة أعداد الموتى ترتفع فوق التصور.

ويوضح المؤلف أن قادة العالم ليست لديهم خرائط ولا تنبؤات جوية بمسار كوكب الأرض ووجهته، وأكثرهم قوة يقولون لا توجد عواصف.

الكتاب رسالة من الغرب تحذر من الخطر الذي تنتظره البشريه بسبب انتهاك كل الحدود والقواعد في التعامل مع الكون هبة الله للإنسان، وتؤكد أن مصير البشرية واحد فلن يستطيع الغرب الغني أن يفلت من الاستهداف الذي يحيط به من كل جانب بسبب قوة تنظيمه وإحكام أدواته، فهي ذاتها التي تجعله أسير الاستهداف أكثر من غيره.

المصدر : الجزيرة