عرض/علاء بيومي
تقرير "نهاية الخدمة" لآلفارو دي سوتو، مبعوث اللجنة الرباعية وممثل الأمين العام للأمم المتحدة في عملية سلام الشرق الأوسط (من يونيو/ حزيران 2005 إلى مايو/ أيار 2007)، وهو دبلوماسي من بيرو خدم الأمم المتحدة ربع قرن ثم قرر الاستقالة بعد ما رآه أثناء فترة خدمته ممثلا للجنة الرباعية، تقرير غير عادي بكل المقاييس.

- الكتاب: تقرير نهاية الخدمة
- المؤلف: آلفارو دي سوتو
- الصفحات: 53
- الناشر: صحيفة غارديان البريطانية في 13 يونيو 2007
- تاريخ النشر: مايو/2007

كان يجب منحه عنوانا إنجليزيا براقا مثل "مجموع كل المخاوف" (The Sum of All Fears) على غرار فيلم الحركة والإثارة الأميركي الشهير الذي يحكي قصة إرهابيين حصلوا على قنبلة نووية وفجروها في مدينة أميركية مشعلين أزمة كادت تقود إلى حرب نووية بين أميركا وروسيا منعها أبطال الفيلم في آخر لحظة.

ولكن دي سوتو لم يشأ أن يحدث من وراء تقريره ضجة بقدر ما أراد تقديم نصيحته الخالصة للأمم المتحدة وأمينها العام بالأساس، حيث يؤكد دي سوتو في نهاية تقريره حزنه على ترك الأمم المتحدة، وسعادته بالعمل فيها بجوار الأمين العام على مدى ربع قرن، كما يؤكد على دور الأمين العام (كمؤسسة وأفراد) في قيادة المؤسسة الدولية والمجتمع الدولي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وقد قدم دي سوتو تقريره المؤرخ في مايو/ أيار 2007 مباشرة لرؤسائه، ولكن نسخة من التقرير تسربت إلى وسائل الإعلام التي نشرته كاملا، وكأن الأقدار أبت إلا أن تعلن شهادة دي سوتو المخلصة على أوسع نطاق ممكن.

نظرية المؤامرة
لو أن كاتب التقرير الراهن عربي لاتهم بنظرية المؤامرة أو بالخيال الواسع، فالتقرير – كما ذكرنا من قبل– هو تجميع لمخاوف عدد كبير من المعنيين بالهم العربي وبمستقبل شعوب الشرق الأوسط وبموقف القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة تجاه العرب وقضاياهم الدولية العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية بصفة خاصة والصراع العربي الإسرائيلي بصفة عامة.

ولو حاولنا ترجمة عبارات التقرير التي تمثل صدمة فكرية وسياسية أو تعبيرا يستحق الذكر لكان الأولى بنا ترجمة التقرير من الألف إلى الياء، إذ ينصح التقرير في خلاصته الأمم المتحدة وأمينها العام بإلغاء منصب مبعوث الأمم المتحدة للرباعية وممثل الأمين العام في عملية السلام، أو على الأقل تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي الأممي في اللجنة إن لم يكن إلغاءه.

وقد نصح بذلك بعد أن أصبحت مشاركة الأمم المتحدة وأمينها العام في اللجنة مصدرا للضرر بمبادئ الأمم المتحدة وبقراراتها السابقة بخصوص الصراع العربي الإسرائيلي وبصورة الأمم المتحدة وبقدرتها على القيام بدورها في عمليات إحلال السلام عبر العالم وبسمعتها خاصة في الشرق الأوسط وبسلامة موظفيها وبمستقبل عملية السلام ذاتها بل وبأمن إسرائيل ومستقبلها.

المخاوف السابقة تكاد ترد حرفيا في التقرير ويمكن تبريرها بسهولة بعبارات مباشرة وهي ليست إلا جزءا من الخلاصات العديدة الهامة التي وصل إليها التقرير الخطير نظرا لأنه ناتج عن معايشة شخصية ومعلومات داخلية ونصيحة محايدة يصعب توفرها في مكان آخر.

"
أميركا وإسرائيل حولتا اللجنة الرباعية من أداة وظيفتها البحث عن سبل تحقيق السلام في الشرق الأوسط إلى أداة في يد أميركا لحماية إسرائيل من الضغط الدولي ومنحها الشرعية التي تحتاجها لتبرير سياساتها البعيدة كل البعد عن السلام
"
ابحث عن أميركا

أصل المشكلة هو أميركا أو إسرائيل أو "نفوذ إسرائيل في أميركا"، فإسرائيل تسيطر على أميركا من الداخل، وأميركا تمتلك نفوذا واسعا زاد منذ نهاية الحرب الباردة.

ولوبي إسرائيل داخل أميركا يدفعها لاستخدام نفوذها بشكل غاشم لخدمة مصالح إسرائيل إلى حد التهديد بوقف تمويل الأمم المتحدة التي تراجعت تدريجيا عن مواقفها تجاه إسرائيل خلال الحرب الباردة، وبات مسؤولوها يتساءلون عن وقع قراراتهم على تل أبيب وواشنطن أولا قبل اتخاذها.

وقد أصبح لدى إسرائيل نفوذها داخل مكتب الأمين العام للأمم المتحدة إلى حد أن دي سوتو كان يسمع بقرارات ومشاورات الرباعية والأمم المتحدة من معارفه الإسرائيليين "الثرثارين" قبل زملائه في الأمم المتحدة الذين ينصحهم دي سوتو بالتحلي بقدر من المهنية وبالتوقف عن تشويه بعضهم صورة بعض لدى المسؤولين الإسرائيليين.

لذا حولت أميركا ومن خلفها الاتحاد الأوروبي وإسرائيل اللجنة الرباعية إلى كيان غير مستقل وغير حيادي يجب تسميته كما يرى دي سوتو "مجموعة أصدقاء أميركا"، وباتت اللجنة الرباعية أداة في يد أميركا لتطبيق سياساتها التي تصنع في إسرائيل أولا وفرضها على المجتمع الدولي والفلسطينيين.

بمعنى آخر حولت أميركا وإسرائيل اللجنة الرباعية من أداة وظيفتها البحث عن سبل تحقيق السلام في الشرق الأوسط إلى أداة في يد أميركا لحماية إسرائيل من الضغط الدولي ومنحها الشرعية التي تحتاجها لتبرير سياساتها البعيدة كل البعد عن السلام، بل وعقاب الفلسطينيين أنفسهم وإلقاء اللوم عليهم في توقف عملية السلام.

ويذكر دي سوتو في تقريره أمثلة من قرارات اتخذتها اللجنة الرباعية تلقى باللوم على الفلسطينيين، ولا تتعرض للطرف الإسرائيلي، بناء على نصيحة الأميركيين الذين طلبوا من الرباعية التعامل برفق وسهولة مع الإسرائيليين، وهي رسالة ضمنية تعني وفقا لدي سوتو إلقاء اللوم على الفلسطينيين.

وهكذا باتت قرارات ومواقف الرباعية تتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بعملية السلام وقرارات الأمم المتحدة السابقة مثل خريطة الطريق التي لا تلتزم بها إسرائيل، أو بالأصح تتنصل منها إسرائيل تحت عيون المجتمع الدولي وبمساندة أميركية.

حماس وعباس والعرب
هذا لا يعني أن دي سوتو لا يحمل العرب قدرا من المسؤولية عما يحدث، فهو يعبر في فقرات مختلفة عن عدم مساندته لحماس أو لمنهجها، ويرفض مواقفها وعملياتها العسكرية داخل إسرائيل، ويعلن مساندته لضحايا تلك العمليات، كما يلوم قادتها خارج فلسطين الذين يصفهم بعدم المبالاة بدماء الشباب الذي يدفعونه للشهادة.

كما يلوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس ويصفه بالضعف وبعدم القدرة على السيطرة على مساعديه في فتح الذين عملوا منذ فترة على تقويض حكومة حماس.

"
الرباعية العربية مستعدة للتطبيع مع إسرائيل وفقا "للمبادرة العربية" في حالة تمكن إسرائيل من الوصول إلى سلام مع الفلسطينيين وبغض النظر عن المسار السوري
"
وينتقد دي سوتو العرب، خاصة اللجنة الرباعية العربية وبعض البلدان العربية التي ساندت أميركا في مساعيها لتقوية الأجهزة الأمنية التابعة للرئيس عباس بما يمكنها من مواجهة حماس، وهو موقف يرى دي سوتو أنه سلاح ذو حدين، لأن السحر قد ينقلب على الساحر وأن المرء يحصد يوما ما ثمارا مرة لبذور زرعها بنفسه.

أما أغرب موقف للرباعية العربية فهو رسالة أميركية وصلت لدي سوتو تفيد بأن الرباعية العربية مستعدة للتطبيع مع إسرائيل وفقا "للمبادرة العربية" في حالة تمكن إسرائيل من الوصول إلى سلام مع الفلسطينيين وبغض النظر عن المسار السوري.

وهذا يعني استعداد العرب للتطبيع الكامل مع إسرائيل قبل تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة، وهو موقف يثير استغراب دي سوتو، ويجعله يعتقد أن العرب مدفوعون إليه برغبتهم في إسماع أميركا ما تريد سماعه.

ومن المعروف أن أميركا تستخدم هذا المبدأ بشكل متكرر في صناعة سياستها كما يرى دي سوتو الذي يشير إلى أن المسؤولين الأميركيين اعتادوا الإنصات لبعض مساعدي عباس ممن أكدوا لهم أكثر من مرة أن سقوط حكومة حماس وشيك على الأبواب.

حماس في مقابل إسرائيل
يقول دي سوتو إن أميركا لم تعارض مشاركة حماس في الانتخابات، خاصة أن عباس كان يرى أن تلك المشاركة ضرورية لدمج حماس في العملية السياسية وإلزامها تدريجيا باتفاقات أوسلو وتبعاتها.

ولكن عباس وفتح وإسرائيل وأميركا فوجئوا بفوز حماس الكبير، وسرعان ما مالت أميركا إلى موقف إسرائيل الرافض للتعامل مع حماس ومع أي حكومة فلسطينية تشارك فيها.

ومن ثم فرض حصار قاس على الشعب الفلسطيني عقابا له على انتخاب حماس، وتطبيقا لموقف الحكومة الإسرائيلية التي لا تمتلك أجندة لتحقيق السلام حقيقية.

وهنا يفرد دي سوتو مساحات واسعة من تقريره لإقناع قارئه بعدم صحة الموقف الإسرائيلي اعتمادا على عدد كبير من الحجج الهامة والقوية القائمة على سنوات خبرته الدبلوماسية في مجال المفاوضات وإحلال السلام في صراعات دولية معاصرة.

يقول دي سوتو إن مطالبة إسرائيل لحماس بالاعتراف بإسرائيل أولا غير مقبولة وتتنافي مع مفاوضات السلام التي نجحت فيها الأمم المتحدة في السابق، حيث كانت تقوم على التعامل مع جميع الأطراف المعنية بالصراع بغض النظر عن مواقفهم السياسية، فتغيير هذه المواقف هو هدف المفاوضات وليس نقطة انطلاقها.

وعلى نفس المنوال يشير دي سوتو ساخرا إلى موقف أميركا وإسرائيل من سوريا، حيث تطالب إسرائيل سوريا بتغيير سياستها أولا وبالتخلي عن جميع أوراقها شرطا لبدء عملية المفاوضات معها، وهو ما يدفع دي سوتو إلى التساؤل عما إذا كان ينبغي على سوريا أن تفعل ذلك!؟ وهل يعقل أو يتوقع أحد أن تقوم سوريا بذلك!؟

"
النتيجة التي لا يتوقعها الإسرائيليون من سياستهم المتعنتة
هي تقويض فرص بناء دولة فلسطينية مستقلة، ما سيدفع المجتمع الدولي للتخلي عن حل الدولتين والمطالبة بعملية سلام جديدة قائمة على حل الدولة الواحدة التي يتمتع فيها الفلسطينيون والإسرائيليون بحقوق متساوية
"
فكيف تقوم دولة بالتخلص من جميع أوراقها ومصادر الضغط التي تمتلكها من جانب أحادي قبل الدخول في مفاوضات مع طرف آخر؟ فلو قامت سوريا بذلك دون مفاوضات فما وظيفة المفاوضات أصلا؟

كما يشير دي سوتو أكثر من مرة متعجبا إلى مطالبة إسرائيل لحماس بأن تعترف بمفاوضات السلام السابقة وبتبعاتها وبالتزامات الحكومات الفلسطينية السابقة.

ويقول لماذا تطالب إسرائيل حماس بذلك وإسرائيل أكبر المنتهكين للقاعدة ذاتها، فإسرائيل لا تعترف بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولا القانون الدولي ولا بخريطة الطريق ولا بعملية السلام ولا بالتزاماتها تجاه الحكومات الفلسطينية السابقة كأموال الضرائب التي تجمعها نيابة عن الحكومة الفلسطينية والتي منعتها عن حكومة حماس بدون وجه حق، إذ هي أموال لا تخص إسرائيل من البداية وتلتزم بتوصيلها للفلسطينيين وفقا لاتفاقات السلام السابقة.

ومع ذلك قلبت إسرائيل الطاولة وباتت تطالب بمعاقبة الفلسطينيين معاقبة باركتها اللجنة الرباعية، لعدم التزامهم باتفاقات السلام السابقة.

حلم إسرائيل
وقال دي سوتو إنه من المعروف أن حصار الفلسطينيين وتجويعهم وتشجيع الصراع بينهم سوف يقوض دعائم الدولة الفلسطينية وسوف يهدر موارد دولية أنفقت مساعدة الفلسطينيين في السنوات الأخيرة، كما سيقوض قدرة الفلسطينيين على بناء دولة متماسكة نسبيا كضرورة من ضرورات المضي قدما في عملية السلام بصورتها الراهنة.

وهنا يحذر دي سوتو إسرائيل، مؤكدا أن سياستها الراهنة سوف تصب في نهاية المطاف ضد مصالحها، وقد تقوض أهم أحلام الإسرائيليين ببناء دولة يهودية مستقلة.

وهو يرى أن العملية السياسية الإسرائيلية بصورتها الحالية عاجزة عن إنتاج ساسة أقوياء قادرين على قيادة إسرائيل نحو السلام بما يتطلبه من تضحيات، وأن الحكومات الإسرائيلية لا تمتلك خطة حقيقة للسلام.

بل أنها على العكس تتمادى في عقاب الفلسطينيين وإهانتهم بما يضمن تربية أجيال جديدة من الاستشهاديين تسعى للانتقام لآبائها، كما تتمادى في توسيع المستوطنات والسيطرة على أراضي الفلسطينيين من خلال حائط الفصل وما شابهه من أدوات.

ويقول دي سوتو إن النتيجة التي لا يتوقعها الإسرائيليون من كل هذا هي تقويض فرص بناء دولة فلسطينية مستقلة، وهو ما سيدفع المجتمع الدولي للتخلي عن حل الدولتين والمطالبة بعملية سلام جديدة قائمة على حل الدولة الواحدة التي يتمتع فيها الفلسطينيون والإسرائيليون بحقوق متساوية، وذلك اعترافا بالواقع الذي أنتجته سياسة الاحتلال الإسرائيلية المتعنتة.

المصدر : الجزيرة