عرض/إبراهيم غرايبة
يقدم هذا الكتاب حشدا من الأدلة والمعلومات لتأكيد أن الحصار الأميركي على إيران والعقوبات المفروضة عليها تضر بالولايات المتحدة الأميركية أكثر من إيران، وأن التحالف السياسي مع الولايات المتحدة في مواجهة إيران بدءا بالحليف الأساسي أوروبا آخذ بالتصدع والانهيار، بل وتبدو ثمة فرصة لقيام تحالف روسي صيني إيراني وربما تنضم إليه الهند في مواجهة الولايات المتحدة.

وأما المؤلف فهو الصحفي روجر هاورد المتخصص في شؤون الطاقة والدفاع في الشرق الأوسط، وهو يكتب في عدد من المجلات الأميركية، مثل ميدل إيست إنترناشيونال وإنتلجنس ريفيو.

- الكتاب: نفط إيران
- المؤلف: روجر هاورد
- المترجم: مروان سعد الدين
- الصفحات: 246
- الناشر: الدار العربية للعلوم، بيروت
- الطبعة: الأولى/2007

تصدع التحالف ضد إيران
يلخص المؤلف مشهد الصراع الإيراني الأميركي بالموقف الإيراني الواعد اقتصاديا بالنسبة لدول العالم المهمة والمؤثرة، وهي بذلك تملك أوراقا مهمة للقيام بأدوار سياسية مهمة، والحصول على مكاسب تقنية واقتصادية.

فإيران تمتلك احتياطيات هائلة من النفط تقدر بـ95 مليار برميل على الأقل، وتنتج حوالي 4 ملايين برميل يوميا، وتمتلك حوالي ألف تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وتنتج حوالي 2.7 تريليون قدم مكعب سنويا، وهذا يجعلها بالطبع دولة إقليمية وعالمية وقوة اقتصادية وسياسية مهمة، وهي في الوقت نفسه تمثل تحديا كبيرا للولايات المتحدة الأميركية منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979.

وتشعر الولايات المتحدة بقلق أكثر من السابق من تطور علاقات اقتصادية بين إيران وأوروبا، كما أن مشروع إيران النووي يخطو خطوات واسعة، وتخشى الولايات المتحدة الأميركية أن تستطيع إيران اجتذاب استثمارات أجنبية لتطوير صناعاتها النفطية والتقنية.

وهناك خلاف كبير وجذري بين إيران والولايات المتحدة حول كثير من القضايا الإقليمية والعالمية ودور وحدود دور كل منهما في الشرق الأوسط، وبخاصة الصراع في الشرق الأوسط، ولا تبدو الولايات المتحدة اليوم واثقة من موقف حلفائها مثل أوروبا، وبخاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وتركيا وباكستان والعراق وكوريا الجنوبية لو تطور الصراع مع إيران، أو سعت إلى اتخاذ خطوات سياسية وعسكرية تصعيدية باتجاه الضغط على إيران وتهديدها.

فهل ستضحي الدول الصديقة للولايات المتحدة بهذه الصداقة إن لزم الأمر من أجل أن تستفيد من الفرص الاقتصادية الممكنة في العلاقة مع إيران؟

هناك مزاعم على سبيل المثال بمساع بريطانية لتسهيل حصول شركة النفط بريتش بتروليوم على حصة كبيرة من سوق النفط الإيراني، وقد أعلنت إيران أن الشركة البريطانية كانت واحدة من ست شركات بجانب توتال وستاتويل ونورسك وهيدرو وبتروناس وتاتنفت الروسية تشارك في مفاوضات حول برامج إصلاح متطور لحقول النفط والغاز الإيرانية.

ويجد المؤلف أن هذه المصالح الأوروبية في إيران قوضت الجبهة التي تحاول الولايات المتحدة إقامتها ضد طهران، وأنها أدت إلى انشقاق بين ضفتي الأطلسي، وظهر ذلك بوضوح في المشروع الأميركي للمحاولة الأميركية للحصول على إدانة وتهديد لإيران من قبل مجلس الأمن الدولي، ومواجهة الولايات المتحدة عدائية المفاوضات الأوروبية الإيرانية.

فضلت أوروبا استخدام الحوار والمفاوضات مع إيران للتوصل إلى تسوية لموضوع النشاط النووي مقابل حصولها على مكتسبات تجارية وتقنية، وقد أجبرت عمليا الولايات المتحدة على سلوك موقف معتدل من إيران.

"
هل ستضحي الدول الصديقة للولايات المتحدة بهذه الصداقة إن لزم الأمر من أجل أن تستفيد من الفرص الاقتصادية الممكنة في العلاقة مع إيران؟
"
ولكن التصلب الإيراني ساهم في رأب الصدع بين ضفتي الأطلسي، مع أنه يجب -في رأي المؤلف- عدم المبالغة في تقدير هذا التقارب الأوروبي الأميركي.

يقول هاورد إن القادة الأوروبيين ينكرون رسميا أن تكون سياستهم تجاه إيران محكومة بالمصالح الأوروبية في الموارد الطبيعية الإيرانية، ولكنها مصالح لا يمكن تجاهلها، وظهر أن شركة شل الفرنسية تسعى للحصول على عقود ضخمة لتطوير احتياطيات نفطية إيرانية، وأن شركة توتال تقود اتحادا عالميا من الشركات لتطوير أجزاء من حقل غاز بارس الإيراني بتكلفة ملياري دولار.

وعرض المسؤولون الإيرانيون في دعوات رسمية وجهتها وزارة النفط الإيرانية فرصا على الشركات الأوروبية والآسيوية لتطوير حقول النفط والغاز في أزاديغان، ووقعت بعض الشركات الغربية صفقات مهمة لتطوير قطاع البتروكيماويات الإيراني الذي ينمو بسرعة كبيرة، مثل شركة سوندل الإيطالية ودي أس دي الألمانية. كما وقعت شركة ريبسول عقدا مهما لاستكشاف مساحات في مقاطعتي ماهر وفيروز.

هذه مجرد أمثلة لعقود ومفاوضات ومصالح واسعة وممتدة وواعدة للشركات الأوروبية واليابانية في إيران، وبوجود مثل هذه المصالح الاقتصادية أصبح لدى الدول الأوروبية سبب للخوف من إجراءات انتقامية ضد أي خطوة تقوم بها واشنطن لفرض عقوبات على إيران.

تحالف في مواجهة الولايات المتحدة
تستورد كل من الصين وروسيا والهند النفط والغاز من إيران بكميات كبيرة، ولديها أيضا مع إيران علاقات تجارية وسياسية وعسكرية، وهي مرشحة للنمو باضطراد.

وتعتبر الصين وروسيا منافستين للولايات المتحدة الأميركية، أما الهند فقد كانت علاقاتها مع الولايات المتحدة يغلب عليها العداء والبرودة منذ تأسيسها عام 1947.

وقد أعرب الرئيس الصيني هو جينتاو عام 2005 عن رغبة الصين في تطوير التبادل والتعاون مع إيران في كافة المجالات ودفع التعاون معها، ورحب أيضا بالصداقة مع إيران ودعمها. وهو تصريح يعبر عن المحور الجديد بين بكين وطهران الذي يمثل تهديدا واضحا للنفوذ الأميركي وتحديا طويل الأمد يستمد قوته من النفط الإيراني.

ومن المعلوم أن الصين تمثل تحديا قديما للولايات المتحدة الأميركية، وبحلول عام 2001 تحولت من شريك إستراتيجي للولايات المتحدة كما وصفها كلينتون إلى منافس إستراتيجي.

"
كل من الصين وروسيا والهند تستورد النفط والغاز من إيران بكميات كبيرة، ولديها أيضا مع إيران علاقات تجارية وسياسية وعسكرية مرشحة للنمو باضطراد
"
وتعود المخاوف الأميركية الجديدة إلى النمو السريع والكبير في الاقتصاد الصيني، إذ بدأت الصين تدخل في مرحلة القدرة على امتلاك قوة عسكرية مدربة وتحمل نفقات الحروب والدفاع والإعانات المالية والعسكرية لدول أخرى، وتقترب الصين بالفعل من أن تكون منافسا ندا للولايات المتحدة الأميركية.

فالصين تستطيع أن تزود إيران بالدعم العسكري المتطور الذي سيساعدها على صد أي هجوم عسكري أميركي أو إسرائيلي محتمل على منشآتها النووية، وبالتقنيات الفضائية التي تساعدها في استخدام برامج الصواريخ بعيدة المدى، ولم تنجح الضغوط الأميركية في إفشال التعاون بين البلدين في هذه المجالات وغيرها.

وبرغم أن روسيا تمتلك كميات هائلة من النفط والغاز فإن لديها اهتماما كبيرا بقطاع الطاقة الإيراني، وقد وقعت روسيا مع إيران عام 2002 اتفاقية تهدف إلى تطوير التعاون بينهما في القضايا التجارية والاقتصادية والصناعية والعلمية والتقنية، ومساعدة إيران في تطوير الصناعات النفطية وتشييد خط النفط الإيراني الهندي وتصدير النفط الروسي عبر إيران.

ولكن التعاون الأكثر أهمية وجدلا هو مساعدة إيران في إنتاج الطاقة النووية وربما السلاح النووي، وقد أعلنت موسكو عام 2002 عن عزمها بناء أربعة مفاعلات نووية في بوشهر بحلول عام 2012، وأيدت روسيا منح إيران مجالا لتخصيب اليورانيوم أوسع مما يريده الأوروبيون.

ورغم أن روسيا وافقت إلى جانب الصين على قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتحويل الملف الإيراني إلى مجلس الأمن بشرط ألا يتضمن القرار أي تهديد بفرض عقوبات فورية، فإن روسيا قدمت عرضا يسمح لإيران بتصنيع كميات صغيرة من الوقود النووي، وأوضحت كل من الصين وروسيا أنهما تعارضان وبشدة فرض أي عقوبات اقتصادية على إيران.

وتمثل الهند القوة الاقتصادية النامية مصدرا إضافيا لدعم إيران وتعزيز موقفها السياسي والاقتصادي في مواجهة الولايات المتحدة، لأن موارد الهند من الطاقة لا تكفي لسد احتياجاتها وطلبها المتزايد.

وتعتبر إيران أهم مصدر لتزويدها بالنفط والغاز، ويخطط البلدان لإنشاء خط أنابيب لنقل النفط بطول 2600 كيلومتر وبكلفة تصل إلى 4.16 مليارات دولار، وقد زار الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي نيودلهي عام 2003 واستقبل بحفاوة كبيرة وتحدث أمام حشد كبير من الناس باعتباره ضيف الشرف في حفل عيد الاستقلال الهندي.

وتوصل البلدان إلى الاتفاق المشار إليه عام 2005، وستدخل الاتفاقية التي تبلغ قيمتها 22 مليار دولار حيز التنفيذ عام 2009 عندما تستكمل شركات النفط الإيرانية والهندية استعداداتها.

وقد سعت الولايات المتحدة في المقابل إلى تقديم تقنية متقدمة وبالغة الحساسية إلى الهند لمساعدتها في برنامجها النووي وأنظمة أسلحة نووية متطورة وشديدة الخطورة. لكن ما فرص نجاح الصفقة النووية التي عرضتها واشنطن على نيودلهي في زيادة نفوذها السياسي؟

يتساءل المؤلف ويجيب بأن ذلك لم يغير من السياسة الخارجية الهندية تجاه إيران، ولكن من المؤكد أن السياسة الهندية ستتجه بالتدريج إلى تأييد الولايات المتحدة، كما أن قوة النفوذ الأميركي على الهند في القضية النووية أصبحت واضحة.

هل يمكن أن تحل الأزمة الإيرانية الأميركية؟
استطاعت إيران توظيف مواردها الجديدة بعد زيادة أسعار النفط في تحسين وضعها الداخلي والسياسي والعسكري، وأن تخترق العزلة التي فرضت عليها منذ العام 1979 وتتحدى الولايات المتحدة وتخفف من آثار جهودها لمحاصرة إيران وتحجيمها.

"
إيران كما كان صدام والشيوعية من قبل تحولت إلى شيطان يجعل الأميركيين يميلون لرؤية البعبع الإيراني وراء كل مشكلة
"
وربما تحتاج الولايات المتحدة إلى التفاوض مع إيران والوصول إلى تسوية مرضية بين الطرفين. ويعتقد المؤلف أنه يمكن التوصل إلى اتفاق مع إيران بحيث يقتصر نشاطها النووي على المجال السلمي، وإلى اتفاقيات سياسية معها بخصوص الإرهاب والنزاع في الشرق الأوسط. وفي المقابل فإن إيران يمكن أن تحصل على علاقات تجارية واقتصادية وتقنية مع الولايات المتحدة وأن تلغي العقوبات المفروضة عليها.

ستكون نقطة البداية -برأي المؤلف- في الاعتراف بأن الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة على إيران لمنعها من الاستثمار في تطوير الصناعات النفطية لن يكون له أي تأثير على قوة إيران وقدراتها، وكان الخاسر الوحيد هو الاقتصاد الأميركي والشركات الأميركية.

وفي المقابل فإن التجارة الواسعة النطاق بين إيران والولايات المتحدة ستكون مفيدة للولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا. فسيمكنها ذلك من إجراء تغييرات سياسية واجتماعية واسعة في إيران قائمة على نشوء طبقات واسعة ومؤثرة ترى مصالحها في التحالف مع الولايات المتحدة، وسوف تضغط داخليا باتجاه التنسيق معها. كما أن العقوبات الاقتصادية الأميركية تقوي الحكومة الإيرانية والطبقات الاقتصادية والاجتماعية التي حولها، وتعاقب الإيرانيين جيمعهم ظلما وتزيد عداوتهم للولايات المتحدة.

وقد ثبت فشل وعقم هذه السياسة من قبل في جنوب أفريقيا، إذ إنها أدت إلى إفقار المواطنين الأفارقة وإضعافهم وزيادة معاناتهم بدلا من مساعدتهم على التخلص من النظام العنصري.

ويقول المؤلف في خاتمة الكتاب مستشهدا بنموذج الخبير الأميركي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط كينيث بولاك إن إيران كما كان صدام والشيوعية من قبل تحولت إلى شيطان جعل الأميركيين يميلون لرؤية البعبع الإيراني وراء كل مشكلة.

ويقول إن الديمقراطيات المعاصرة التي يدعمها جمهور ناخبين مثقف نسبيا تميل إلى آراء غير منطقية وهستيريا فكرية.

المصدر : الجزيرة