عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض هذا الكتاب مجموعة من المعتقدات والمواقف والسلوكيات والتوقعات الاجتماعية بشأن العنف في الثقافة الغربية، أسطورة البطل، والديناميكية الاستغلالية للقاتل/ الضحية، ونظرية العنف الفطري، وثنائية العقل/ الجسد، وأسطورة العدوان الذكوري وإخضاع النساء، وتهميش الثقة، وتطور التكنولوجيا ضمن موروث من الذرائعية التدميرية.

وتدرس المؤلفة وهي أستاذة علم الأخلاق والدراسات الثقافية من جامعة تورنتو بكندا العنف من وجهة نظر معرفي متداخلة مستندة إلى مجموعة من النقاشات الثقافية والمعرفية، مثل سوسيولوجيا العنف وسيكولوجيته، وتشريع العنف بواسطة الأيديولوجيا والأسطورة، والعنف والخطاب الرمزي، وتقدم رؤية حول مسائل مثل العنف والحرب، والعنف ضد النساء والمهمشين، والعنف والتلفاز، والإرهاب الدولي.

-الكتاب: الأنماط الثقافية للعنف
-المؤلف: باربرا ويتمر
-ترجمة: ممدوح يوسف عمران
-الصفحات: 359
-الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة 337, الكويت
-الطبعة: الأولى/2007

العنف في الخطاب الثقافي
في الجزء الأول من الكتاب وعبر ثلاثة فصول، قضية العنف ما هي؟ والعنف والشرعنة، والأسطورة والحرب تجيب المؤلفة على مجموعة من الأسئلة، مثل ما علاقة العنف بالثقافة والتشريعات السائدة؟ وتجيب بأن أنماط العنف الثقافي تعبر عن العلاقة بين الإنسان والجماعة بطريقة معينة، يتمثل جوهرها في الاعتقاد أن الأفراد عنيفون بفطرتهم، وهي بذلك جزء من نظام طبيعي متكرر.

فيمكن أن تتصور الإنسان في البيئة الكونية ضمن علاقات تبادل مادية يكون من بين معتقداته مجموعة معينة من العادات تسمى "أنماط ثقافية للعنف"، قد تخضع هذه المعتقدات للتغيير، ما يضع العنف في إطار السلوك المختار، وليس المحدد للتعبير عن الغضب.

وتعرض المؤلفة فرضيتين أساسيتين بخصوص العنف، أولاهما أن العنف فطري ومتأصل في البشر، والثانية أنه سلوك مكتسب، وفي تعريف العنف عرضت أولا تعريف الثقافة نفسها باعتبارها أسلوب حياة، أي تلك الطرق التي يمارس المجتمع من خلالها طقوسه الاجتماعية اليومية، وباعتبارها أيضا "إرثا مشتركا من الذكريات والعادات التاريخية المنقولة بشكل رئيسي عبر اللغة المشتركة" وهي ثالثا التعبيرات الخلاقة في المجتمع، التي تتمثل في هندسة البناء والموسيقى والعلوم والتعليم والفنون التطبيقية.

"
يمكن أن نتصور الإنسان ضمن علاقات تبادل تكون من بين معتقداته مجموعة معينة من العادات تسمى "أنماطا ثقافية للعنف" قد تخضع هذه المعتقدات للتغيير، ما يضع العنف في إطار السلوك المختار وليس المحدد للتعبير عن الغضب
"
وفي تعريف العنف تعرض المؤلفة لروبيرت ماكافي براون الذي يرى العنف بوصفه انتهاكا للشخصية وتعديا على الآخر، أو إنكاره وتجاهله ماديا، أو هو أي سلوك شخصي أو مؤسساتي يتسم بطابع تدميري مادي واضح ضد آخر يعد عملا عنيفا.

وهناك العنف الشخصي الخفي، الذي يؤذي الآخر نفسيا، وهناك العنف المؤسساتي الخفي، حيث تنتهك البنى الاجتماعية هوية مجموعة من الأشخاص، كما يحصل على سبيل المثال في مستويات الحياة المتدنية في الأحياء المغلقة.

ويمكن أن نتصور الإنسان ضمن علاقات تبادل تكون من بين معتقداته مجموعة معينة من العادات تسمى "أنماط ثقافية للعنف" قد تخضع هذه المعتقدات للتغيير، ما يضع العنف في إطار السلوك المختار، وليس المحدد للتعبير عن الغضب، ومن المهم أن يقع في إطار التحريم الاجتماعي له كوسيلة للسيطرة على الأفراد العدوانيين.

يؤيد فرويد هذا الرأي، ويرى أن ضبط العنف الفردي الطبيعي ضروري لكن متعذر من دون الحضارة، ووسائل تحريمها الاجتماعية عبر التنشئة الاجتماعية والمؤسسات.

وبتركيزه على الأساس البيولوجي للعدوان يبين فرويد انعكاس التغييرات في ظروف البيئة الخارجية على التطور العصبي الداخلي والجسدي للفرد الذي يعتمد على البيئة أو المحيط الذي يحصل فيه التطور.

وعلى ضوء ذلك يتأقلم الكائن البشري باستمرار مع التغييرات في البيئة وتفسير التأقلم أو التجربة، ويشكل بذلك أنطمة فكرية وعاطفية متشابكة مع الجهاز الكيميائي والعصبي للكائن الحي، وتختزن التجربة خلال صور ورموز.

ويفترض العنف الطبيعي وجود عوامل نفسية وعقلية داخلية، مثل الغرائز ومركز الدماغ، أو ما يدعى تأثير الطاقة العدوانية المسماة "دافعا عدوانيا" و"سلوكا عنيفا"، وفي مقابل ذلك تبحث نظريات التعلم الاجتماعية في السلوك العنيف ضمن مسوغات ملائمة اجتماعية وأخلاقية بواسطة الإطار الثقافي للتوقعات والمقبولية وبوساطة التسامح تجاه التعبير عن السلوك العنيف.

وهنا تناقش المؤلفة فكرة العنف برده إلى الأبعاد الاجتماعية، وتفرق بين العنف المبرر والعنف غير المبرر، وبين السلوك العنيف وغيره من أنواع السلوك.

ويعتقد فرويد أن الحضارة تحاول منع الإفراط في "العنف القاسي" عبر إعطائها لنفسها الحق باستخدام العنف ضد المجرمين، ويميز فرويد العنف الشرعي بوصفه حقا للسلطة المقبولة اجتماعيا كي تسيطر على العنف غير الشرعي وغير المصادق عليه اجتماعيا لدى الفرد، وبالتالي المهدد للمجتمع.

"
الأساطير والروايات التراثية تشكل مصدرا للنظر إلى العنف وتبريره وتقييمه باعتبارها قصصا ثقافية تستخدم الخطاب الرمزي والمعتقدات يمكن أن تستعملها السلطة في تأدية وظائفها
"
وهذا التقسيم للعنف بين شرعي وغير شرعي يشير إلى التعارض بين الحق الاجتماعي الذي يقره القانون والمكانة والعادة والقبول الاجتماعي وبين التبرير الأخلاقي الذي يقره الاحتكام إلى التعاليم الدينية والمبادئ والحجج الأخلاقية أو الأحكام الأخلاقية الإرادية.

إذ يمكن لشخص في موقع سلطة قانونية أن يقوم بفعل شرعي ولكن غير أخلاقي، وفي المقابل يمكن أن يقوم عضو مبدأي في مجموعة اجتماعية محسوبة شريرة بعمل غير شرعي لكنه أخلاقي.

وتواصل المؤلفة مناقشة العلاقة بين العنف والسلطة والشرعية والنظر إليه باعتباره أداة ووسيلة أو سلوكا تخريبيا قد يتصل أحيانا بالتكنولوجيا التي يمتد إليها النظر أحيانا باعتبارها أداة تدميرية تشارك الفاعل في المسؤولية والجرم.

وتشكل الأساطير والروايات التراثية مصدرا للنظر إلى العنف وتبريره وتقييمه، فهي (الأساطير) باعتبارها قصصا ثقافية تستخدم الخطاب الرمزي والمعتقدات يمكن أن تستعملها السلطة في تأدية وظائفها، فالأسطورة تسهم في التعليم الجماعي وفي بناء المفاهيم والمواقف والتوقعات المتشابهة.

العنف والخطاب النظري
تخصص المؤلفة هذا الجزء لعرض آراء ونظريات ثلاثة من الفلاسفة والمفكرين لتفسير العدوان، وهم سيغموند فرويد، وريني جيرار، وجاك دريدا، فيعتقد فرويد أن الرجال ليسوا مخلوقات لطيفة تريد أن تحب، وإنما هم على النقيض من ذلك، مخلوقات ذات مواهب غريزية من بينها ما يتسم بقسط كبير من العدوانية.

فهو (فرويد) يلاحظ أن المشاعر ليس لها سلوكيات، ولكنها تجارب محسوسة، وإذا ما عبر المرء عن مشاعره فإن طريقة تعبيره عنها تتأثر بالظروف الاجتماعية وبالتوقعات وبتقبل السلوك وبالخيار.

وهذه تعيد تقديم القيمة العاطفية للتجربة بالنسبة للذات وللآخرين، وإذا كان المرء يحاول الحصول على قبول أولئك الذين يثمنون السلوك العنيف أو يصادقون عليه والانتماء إليهم.

من أمثال عصابات الشوارع أو زملاء الحرب، فعندئذ يحقق مثل هذا السلوك منزلة من الشرعية في الإطار الاجتماعي، فالمبادرات بالسلوك العنيف تعتمد على خيار مرتبط اجتماعيا وليس على الدافع الفطري.

ويستند فرويد في ذلك على أن للبشر غرائز ودوافع أساسية تنفجر إذا ما كبتت، وتقدم الغريزة العدوانية أو دافع الاعتداء بتفسير السلوك العدواني المقنع، وهو يرى في الوقت نفسه أن الحب ينبع من نرجسية عدوانية أساسية تعد كل فرد آخر عدوا محتملا منافسا أو مانعا لحريته. يحصل العدوان المحرض دفاعا عن هذه النرجسية.

وتعرض المؤلفة أيضا رؤية فرويد حول تمرين الغريزة، التي يرى فيها أن استبدال قوة الجماعة من قوة الفرد يشكل الخطوة الحاسمة في الحضارة، وتقود إلى حكم القانون حيث يضحي الجميع بغرائزهم على شكل تسامح وكبح أو كبت أو أي وسيلة أخرى.

"
الحرب في حقيقتها تعبير عن الخطاب الثقافي، وتقول العرب "الحرب أولها الكلام"، وهنا يكون لبناء الثقة الدور الأساسي في بناء الثقافة ومواجهة العنف لأنه أساسا حالة من عدم الثقة
"
وبالنسبة لريني جيرار فإنه يتكئ على المستوى الرمزي لأسطورة البطل ليحلل عملية العنف، وترى المؤلفة هنا أننا نستطيع وفقا لجيرار إذا أنتجنا أشكالا جماعية لإعادة دمج ضحايا الصدمة في أطر جماعية واثقة، فلن نحتاج بعدها إلى البطل أو إلى إعادة تمثيل درجات قصوى من عنف سام وتضحية وإدانة، إذ يمكننا أن ندع البطل النجم يرتاح بسلام، ويمكننا أن نقدر أبطالنا المحليين ونثمن حياتهم الفريدة والعادية مثل حياتنا.

وعلى النقيض من فكرة الذاتية المعبرة عن المشكلة رمزيا ينظر جاك دريدا إلى اللغة باعتبارها هي التي تكون الفرد وتزوده بالمعنى، فهو يضع الفرد في سياق نظام ثقافة لغوي، فالحرب هي في حقيقتها تعبير عن الخطاب الثقافي، وتقول العرب "الحرب أولها الكلام"، وهنا يكون لبناء الثقة الدور الأساسي في بناء الثقافة ومواجهة العنف لأنه أساسا حالة من عدم الثقة.

فالأطفال الأصحاء لا يخشون الحياة إذا ما تمتع الكبار بكمال كاف بحيث لا يخافون الموت، فالاستقامة هي المقدرة على تأكيد قيمة الحياة في مواجهة الموت، والمصالحة وقبول الوقائع دون يأس، والثقة هي الرابط التطوري الأول في العالم الاجتماعي، وهي الأساس الذي تستند إليه كل الإنجازات التطورية المتكاملة والإيجابية اللاحقة.

استعادة العافية والثقة
تعرض المؤلفة في الجزء الثالث من الكتاب بديلا لأنماط العنف أو ما سمته "الأنماط المتساندة" التي تركز فيها على استعادة الثقة في العلاقات الصحية للذات والآخر والجماعة، مثل الرغبة في الانتماء، والقبول، وحرية النمو والتوسع، والتحرر من السيطرة والخضوع، وكيفية القضاء على بعض المشاعر والأحاسيس السلبية التي ترافق الإنسان مدى حياته وتكون سببا غير مباشر في التحكم في مصيره دون أن يعلم في غالب الأحيان.

إن فهم الذات لا يتأتي إلا في إطار العائلة، أو المجتمع أو في حالة نعيشها، أو الذكريات العنيفة أو المؤلمة التي لا يمكن نسيانها إلا بالعلاج المناسب، مع الحرص على ألا تتكرر باستمرار، وما يجب علينا هو تعلم كيف نكسب حتى يمكننا أن نعطي.

وبرأي المؤلفة فإن الأمان والتذكر والحداد وإعادة الارتباط الإجماعي هي عناصر مطلوبة لمواجهة الصدمة والتحرر منها ولاستعادة الثقة، وفي التعامل مع الصدمة وضحاياها والمتعاملين معها هناك أربعة أنماط، المستغل والمستغل (اسم فاعل واسم مفعول) والأعداء والحلفاء، والمعتدي والمعتدى عليه، والمنقذ والمنقذ (اسم فاعل واسم مفعول) ويلزم في التعامل مع هذه الأنماط إنتاج أنظمة صحية من التعامل والعلاج.

ففي حالة المستغل والمستغل يلزم تحويل المركز إلى عدم الاستغلال سعيا وراء أفضل الفوائد للطرفين بما فيها الآخرون، وفي نمط الحليف والعدو يلزم استخدام الاتصال المباشر والمفتوح.

"
للنجاح والفشل علاقة بنوعية الحياة تتناسب دائما مع المقدرة على الفرح، وفي دراسة لـ30 من الأميركيين ممن تزيد أعمارهم على الـ100 عام وجد الباحثون القاسم المشترك للعوامل الأساسية في طول عمرهم مستمدا من التكيف مع النجاح والفشل
"
وفي نموذج العدوان على الآخرين يلزم تعزيز القيود والضمانات والضوابط، وفي نموذج الإنقاذ يلزم إحلال التخطيط والتوقع محل العجز كي يستعاد الإحساس بالتحكم، وبالنسبة لجميع النماذج فإن الإحساس بالأمان وتقوية الشبكات الاجتماعية يشكلان جوهر العلاج.

ويخطط المعالجون لضحايا العنف لاستعادة وتعزيز التفاعل الاجتماعي وفهم الذات والعالم، وتمثل العلاقات الثقافية والتكنولوجيا موضوعا أساسيا في مواجهة العنف ومعالجة ضحاياه، فقط طورت التكنولوجيا مع العسكرة، وارتبطت دائما بالقتل والاستغلال، وتضفي الرموز الثقافية عليها مسحة تدميرية، وتشجع هذه التداعيات قلقا وخوفا ثقافيا من التكنولوجيا، فتاريخ التكنولوجيا هو مرآة تاريخ ثقافتها.

وفي الواقع فإن للنجاح والفشل علاقة بنوعية الحياة تتناسب دائما مع المقدرة على الفرح، وفي دراسة لـ30 من الأميركيين ممن تزيد أعمارهم على الـ100 عام وجد الباحثون القاسم المشترك للعوامل الأساسية في طول عمرهم مستمدا من التكيف مع النجاح والفشل.

وتختم المؤلفة بالقول: نريد أن ننسى بعض الذكريات، ويمكننا أن ننسى بعضها إذا ما عولجنا بشكل مناسب، ولا يمكننا نسيان بعض الذكريات الأخرى، ولكن يجب ألا نتذكر باستمرار، وفي تعلمنا كيف نصرف الذهن نتعلم كيف نكسب، وفي تعلمنا كيف نكسب نتعلم كيف نعطي، وأحيانا نحصل على ذكريات نريد الاحتفاظ بها، فإذا انتبهنا نحصل على الإحساس بالحياة مرة أخرى، فالفرح هو محصلة الانتباه والذاكرة.

المصدر : الجزيرة