عرض/عوض الرجوب

يعتبر التقرير السنوي الذي أصدره المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية خلال عام 2006، واحدا من أكثر التقارير السنوية أهمية، كونه يصف هذا العام بأنه الأكثر سوءا في مجال حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مشيرا إلى أن مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية شهدت تطورات شكلت انتكاسة للتجربة الديمقراطية الفلسطينية.

وبين "التقرير السنوي لعام 2006" الذي أصدره المركز منذ أسابيع, أن حقوق الإنسان شهدت انتهاكات جسيمة من قبل الفلسطينيين أنفسهم، ومن قبل الاحتلال الإسرائيلي الذي أكد المركز أنه أفرط في استخدام القوة في كثير من المناسبات.

أهمية التقرير

-الكتاب: التقرير السنوي لأوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال العام 2006
-المؤلف والناشر: المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان-غزة
-عدد الصفحات: 192
-الطبعة: الأولى/2007
تكمن أهمية التقرير في كونه صدر عن جهة حقوقية محايدة مختصة في توثيق ومراقبة أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة سواء من قبل الجانب الفلسطيني أو من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

إضافة لما سبق فإن التقرير غني بالأرقام والحقائق والوقائع الموثقة، والتي تصلح كمرجع للباحثين والدارسين في مجال حقوق الإنسان، وكذلك للسلطتين التنفيذية والتشريعية في الأراضي الفلسطينية.

وبشكل لافت خلا الغلاف من أية عناوين أو رسومات بارزة سوى، صورة يد مبسوطة، أضيف إليها في صفحة داخلية عبارة "كفاكم انتهاكا" في كناية ربما عن الحالة المتردية التي وصلت إليها الأراضي المحتلة في انتهاكات حقوق الإنسان.

ويبدأ تقرير المركز بالإشارة إلى تبدد الآمال التي علقت على الانتخابات التشريعية لتقوية عضد الديمقراطية الفلسطينية الناشئة من خلال تكريس التداول السلمي للحكم.

ويقول إن التطورات التي ما تزال تشهدها الأراضي المحتلة منذ إجراء الانتخابات التشريعية لا تشكل فقط انتكاسة لعملية التحول الديمقراطي، لكنها تفضح وبصورة جلية واقعا يجري فيه تكريس الاحتلال الإسرائيلي أكثر من أي وقت مضى.

ويصف التقرير عام 2006 بأنه كان وبامتياز -ربما منذ العام 1967- الأكثر سوءا في انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، سواء على مستوى جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان التي تقترفها قوات الاحتلال ضد المدنيين، أو على مستوى الأوضاع الداخلية الفلسطينية، خاصة التدهور الخطير في حالة الانفلات الأمني والتصعيد غير المسبوق في الاعتداء على سيادة القانون.

جرائم الاحتلال
على مدار عام يؤكد التقرير أن قوات الاحتلال واصلت جرائمها بحق المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك أعمال القتل العمد وتشديد إجراءات الحصار، وتدمير الممتلكات، والتوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي لصالح جدار الضم في عمق أراضي الضفة الغربية.

ويبرز التقرير الاستخدام المفرط للقوة وجرائم القتل العمد وانتهاكات الحق في الحياة التي واصلت قوات الاحتلال اقترافها طوال العام الماضي، وأكد أن 647 مواطنا استشهدوا على أيدي قوات الاحتلال خلال العام المذكور فيما أصيب 1700 بجراح في قطاع غزة فقط.

وذكر أن بين الشهداء 498 مدنيا سقطوا في ظروف لم ينشأ في أغلبها تهديد لحياة الجنود، ليرتفع بذلك عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا على أيدي قوات الاحتلال والمستوطنين منذ بدء الانتفاضة في سبتمبر 2000 إلى 4025 شهيدا، منهم 3226 مدنيا، بينهم 740 طفلا و141امرأة.

"
إسرائل واصلت جرائمها بحق المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك أعمال القتل العمد وتشديد إجراءات الحصار، وتدمير الممتلكات، والتوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي
"
وتطرق التقرير إلى جرائم الإعدام خارج إطار القضاء (الاغتيال)، مشيرا إلى أن هذه السياسة تحظى بتأييد من قبل الحكومة الإسرائيلية ومباركة وتغطية من قبل جهاز القضاء الإسرائيلي، حيث سقط 140 شهيدا خلال عام 2006 في 48 جريمة اغتيال، بينهم 94 مستهدفا و46 من غير المستهدفين، بينهم 20 طفلا، فيما أصيب العشرات بجراح.

وبذلك يرتفع عدد ضحايا جرائم الاغتيال بحق الناشطين الفلسطينيين منذ بدء الانتفاضة في سبتمبر 2000 إلى 613 شخصا في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما يساوي 19% من مجمل الضحايا المدنيين الذين سقطوا على أيدي قوات الاحتلال خلال الانتفاضة والبالغ عددهم 3226 شخصا.

ويؤكد التقرير أن عام 2006 شهد تصعيدا ملحوظا في اعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلي على الطواقم الطبية الفلسطينية؛ حيث استشهد خمسة من أعضاء الطواقم الطبية الفلسطينية جميعهم في قطاع غزة، فيما أصيب عدد آخر بجراح.

هدم وتعذيب
وفقا لتوثيق المركز فقد بلغ عدد المنازل التي هدمتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة خلال عام 2006 حوالي 810 منازل، بينها 205 منازل تم تدميرها بشكل كلي و605 منزال أخرى هدمت بصورة جزئية. فيما تم في الضفة الغربية تجريف 116 منزلا سكنيا و65 منشأة مدنية تستخدم لأغراض زراعية أو تجارية أو صناعية في مختلف محافظات الضفة.

وأوضح أن قوات الاحتلال انتهجت منذ أواخر يوليو/تموز 2006 نهجا جديدا في تنفيذ جرائم هدم منازل المواطنين الفلسطينيين وذلك من خلال إنذارهم بواسطة الهاتف ومطالبتهم بإخلائها قبل وقت قصير من قصفها بواسطة الطائرات الحربية حيث تم توثيق هذه السياسة في 73 منزلا في قطاع غزة.

إضافة لما سبق أشار المركز إلى وجود نحو 11 ألف فلسطيني يرزحون في سجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلي مع نهاية عام 2006، بينهم 383 طفلا و114 امرأة، وأكثر من 750 منهم يخضعون للاعتقال الإداري، بمن فيهم قادة سياسيون ونواب ووزراء.

أما بخصوص التعذيب فذكر تقرير المركز عدة أساليب تستخدمها أجهزة الأمن الإسرائيلية ضد المعتقلين الفلسطينيين منها: عصب العينين أثناء التحقيق، ضرب المعتقلين في أنحاء مختلفة من الجسم، خنق المعتقل بطريقة تؤدي إلى إحداث صعوبة في التنفس من خلال وضع كيس على الرأس من قماش سميك ذي رائحة نتنة، شتم المعتقل بألفاظ نابية وعبارات مهينة وحاطة بالكرامة.

كذلك نزع شعر لحية المعتقل بقوة وبطريقة تحدث آلاما شديدة، تعليق المعتقل من رجليه ووجهه إلى الأرض، ربط المعتقل على الكراسي وشد الأيدي والأرجل بوثاق من البلاستك بصورة تحدث آلاما شديدة في الجسم، والشبح على الحائط مع إجبار المعتقل على حني ركبتيه بزاوية تسعين درجة.

الحصار والاستيطان
في المجال الاقتصادي أكد التقرير السنوي استمرار الحصار وانتهاك الحق في حرية الحركة والتنقل في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال عام 2006. موضحا أن القوات الحربية المحتلة فرضت قيودا أكثر تعقيدا على الحركة الداخلية للمدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية.

"
القيود الداخلية التي فرضتها سلطات الاحتلال تتمثل في وجود ما يزيد عن 528 حاجزا عسكريا ومانعا إسرائيليا مقامة على مداخل المدن الفلسطينية والطرق الرئيسة في الضفة الغربية وعزلها عن محيطها الخارجي ومنع تقييد الحركة بين المدن والقرى والمخيمات
"
وذكر أن القيود الداخلية تتمثل في وجود ما يزيد عن 528 حاجزا عسكريا ومانعا إسرائيليا مقامة على مداخل المدن الفلسطينية والطرق الرئيسة في الضفة الغربية وعزلها عن محيطها الخارجي ومنع تقييد الحركة بين المدن والقرى والمخيمات.

وخلال العام 2006 أكد التقرير أن إسرائيل وقوات احتلالها الحربي والمستوطنين واصلوا إقامة مستوطنات ومواقع استيطانية جديدة وتوسيع القائم منها والتهام المزيد من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية لأغراض التوسع الاستيطاني وإنشاء طرق التفافية جديدة خاصة بالمستوطنات.

وأشار إلى طرح عطاءات لبناء وحدات سكنية في الضفة الغربية والقدس، منها مناقصة لبناء 690 وحدة سكنية في مستوطنات متفرقة في الضفة وعطاء لبناء 164 وحدة سكنية في مستوطنات أخرى.

فيما يتعلق باعتداءات المستوطنين على السكان الفلسطينيين أكد المركز أن عدد المدنيين الفلسطينيين الذين قتلوا على أيدي المستوطنين منذ بداية الانتفاضة، أي منذ أواخر سبتمبر/أيلول 2000 وحتى نهاية العام 2006 وصل إلى 36 مدنيا فلسطينيا بينهم تسعة أطفال، فيما تم رصد مئة اعتداء اقترفها المستوطنون ضد السكان الفلسطينيين وممتلكاتهم.

وفيما يتعلق بالجدار الفاصل وثق المركز تواصل أعمال البناء في جدار الضم في عمق أراضي الضفة الغربية المحتلة.

إنكار العدالة
بالرغم من التصعيد المستمر في الجرائم التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق السكان الفلسطينيين، أشار التقرير بوضوح إلى أن إنكار العدالة للضحايا المدنيين الفلسطينيين هو أمر متأصل في النظام القضائي الإسرائيلي بشكل عام.

وعبر تجربة طويلة ذكر أن هذا القضاء يُستخدم لإعطاء الغطاء القانوني لاقتراف جرائم الحرب التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين، معتبرا إياه ليس سوى أداة امتصاص من أجل عدم الولوج في إجراء العدالة الدولية بصورة مباشرة تحت حجة قضاء وطني إسرائيلي عادل.

وفي ظل جرائم الاحتلال المتواصلة، وأمام هذه المعطيات وبسبب استنفاد آليات التقاضي المحلية (وفي هذه الحالة الإسرائيلية) ذكر التقرير أن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عكف على استخدام آليات دولية لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيلي أمام القضاء الدولي وذلك بالتعاون مع مؤسسات حقوقية وقانونية دولية.

قتلى الانفلات
بالتوازي مع التصعيد المتواصل في انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، أكد التقرير أن عام 2006 شهد أوضاعا داخلية متردية وتدهورا غير مسبوق في أوضاع حقوق الإنسان خاصة الحق في الحياة.

"
استخدام الأسلحة في النزاعات العائلية والعشائرية والشخصية أودى بحياة 88 مواطنا، فيما قتل 107 آخرون، بينهم 25 طفلا وعشر نساء نتيجة سوء استخدام السلاح والعبث به من قبل جماعات مسلحة أو مقربين منها أو أفراد أمن
"
ووفقا لتوثيق المركز فقد قتل خلال العام المذكور 291 شخصا على الأقل في جرائم تندرج تحت ظاهرة الانفلات الأمني وفوضى السلاح، بينهم 34 طفلا، و26 امرأة، فيما بلغ عدد الجرحى 1538 فلسطينيا.

ووصف التقرير العام 2006 بأنه الأسوأ على صعيد النزاع بين جماعات فلسطينية مسلحة وأجهزة أمن فلسطينية، موضحا أن حالة التوتر التي سادت الأراضي الفلسطينية (خاصة في قطاع غزة ) لم تقتصر على الإشتباكات المسلحة فقط، بل شملت الاعتداء على المؤسسات العامة والخاصة المحسوبة على كلا الطرفين.

وذكر أن العديد من المؤسسات الدولية والرعايا الأجانب تعرضوا للاعتداء والاختطاف من قبل جماعات فلسطينية مسلحة أو قوى سياسية مختلفة حيث تم توثيق تعرض أكثر من (13) مؤسسة دولية للاعتداء.

وأكد أن استخدام الأسلحة في النزاعات العائلية والعشائرية والشخصية أودى بحياة 88 مواطنا، فيما قتل 107 آخرون، بينهم 25 طفلا وعشر نساء نتيجة سوء استخدام السلاح والعبث به من قبل جماعات مسلحة أو مقربين منها أو أفراد أمن.

ووثق تقرير المركز تسعة حالات قتل صنفت على أنها جرائم قتل مواطنين خارج إطار القانون بادعاء التخابر مع أجهزة الأمن الإسرائيلية من قبل جماعات فلسطينية مسلحة، فيما قتل 15 شخصا على خلفية شرف العائلة بينهم 12 امرأة وثلاثة رجال.

السلطة التشريعية
بعيدا عن العنف وضحاياه، تطرق التقرير إلى اعتقال رئيس المجلس التشريعي وأمين سره والعديد من النواب المحسوبين على حركة حماس في الضفة الغربية، مشيرا إلى القيود المفروضة على حركة النواب داخل الضفة ومن وإلى قطاع غزة، الأمر الذي تسبب في نتائج سلبية على أداء الهيئة التشريعية الأمر الذي أدى بالتالي إلى تدهور نشاط المجلس على المستويين الرقابي والتشريعي.

وأشار التقرير إلى المزيد من المساعي التي بذلت من جانب السلطة التنفيذية للتدخل في شؤون القضايا الفلسطينية.

توصيات داخلية

"
التقرير يوصي بأهمية التزام السلطة الوطنية الفلسطينية بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وإخضاع السجون ومراكز الاعتقال لرقابة السلطة القضائية، وتمتع المواطن الفلسطيني بممارسة الحق في حرية الرأي والتعبير وحق التجمع السلمي
"
من أهم التوصيات التي تضمنها التقرير على المستوى الداخلي الدعوة لتكريس التداول السلمي للحكم في السلطة الوطنية وفقا لنتائج الانتخابات التشريعية، ومطالبة الحكومة والرئاسة بممارسة صلاحيات الدستور الواضحة والمحددة وفقا للقانون الأساس.

كما دعا إلى وقف الصراع السياسي، وتوحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية وتقليص أعدادها، واتخاذ إجراءات فعالة لإعادة الهيبة لسيادة القانون، والتأكيد على استقلال القضاء، واستكمال إجراء الانتخابات المحلية دون تأخير.

وأكد تقرير المركز على أهمية التزام السلطة الوطنية الفلسطينية بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وإخضاع السجون ومراكز الاعتقال لرقابة السلطة القضائية، وتمتع المواطن الفلسطيني بممارسة الحق في حرية الرأي والتعبير وحق التجمع السلمي.

المصدر : الجزيرة