عرض/بدر محمد بدر
"حول التفسير الإسلامي للتاريخ" هو أحدث إصدارات المفكر الإسلامي المعروف محمد قطب, وهو يحمل رقم 29 في سلسلة مؤلفاته الفكرية والتربوية.

والفكرة الأساسية في الكتاب تهدف إلى "دعوة المؤرخين المسلمين أن يعيدوا كتابة التاريخ البشري من زاوية الرصد الإسلامي المتميزة, لإزالة التناقض القائم اليوم بين عقيدة الأمة, وبين دراستها للتاريخ, وهو تناقض يُحدث ازدواجاً في الشخصية, يؤدي في النهاية إلى اختلال الشخصية وفقدان ترابطها".

-الكتاب: حول التفسير الإسلامي للتاريخ
-المؤلف: محمد قطب
-الصفحات: 204
-الناشر: دار الشروق, مصر
-الطبعة: الأولى/2006
والمؤلف يقدم هذا الكتاب عسى أن يكون مدخلاً لدراسة التفسير الإسلامي للتاريخ.

في المقدمة يقول الأستاذ محمد قطب إن التفسير الإسلامي للتاريخ ليس قضية ثقافية ولا فكرية بحتة, ولكنه قضية تربوية كذلك, لأنه -في الحقيقة- لا توجد قضية ثقافية أو فكرية منقطعة الصلة بقضايا التربية, وبالتالي فإن التعرف على التفسير الإسلامي للتاريخ, ليس نافلة بالنسبة للأمة المسلمة, بل هو من صميم احتياجاتها, التي ينبغي أن تسعى لتحقيقها.

ويعترف المؤلف بأن الحديث عن فكرة "التفسير الإسلامي للتاريخ" كان يقابل من العلمانيين والمتغربين حتى وقت قريب بالدهشة والاستنكار، لكن ذلك خف الآن أو اختفى.

ويرى أننا مازلنا في حاجة إلى دراسات مستفيضة للتفسير الإسلامي للتاريخ حتى يتعرف الناس على حقائقه التفصيلية, بعد أن عرفوا شيئاً عن عمومياته وشيئاً عن اتجاهه العام.

ويقرر الكاتب أن التفسير الإسلامي للتاريخ هو اجتهاد بشري يخطئ ويصيب, شأنه شأن اجتهاد البشر في استنباط نظريات تربوية أو اقتصادية أو اجتماعية من المقررات الثابتة الواردة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وبالتالي فهو عرضة دائماً للمناقشة والتصويب, ككل فكر يصدر عن الإنسان, ولكنها -أي الاجتهادات- تظل في جملتها ذات خصائص مميزة، لأنها تدور في فلك هذه المقررات الربانية ولا تخرج عنها ولا تصادمها.

الفرق بين التفسيرين
ولكن ما هو الفرق بين التفسير الغربي والتفسير الإسلامي للتاريخ؟ يقول المؤلف إن التفسير الغربي ينطلق من زاويتين؛ أولاً: الرؤية الداروينية التي ترى أن الإنسان هو نهاية التطور الحيواني.

"
التفسير الغربي للتاريخ ينطلق من زاويتين؛ الأولى تنطلق من الرؤية الداروينية التي ترى أن الإنسان هو نهاية التطور الحيواني والثانية تنطلق من النفور من الدين بسبب طغيان الكنيسة وتجبرها وحجرها على الفكر
"
وثانياً: الرؤية التي تنطلق من النفور من الدين بسبب طغيان الكنيسة وتجبرها وحجرها على الفكر, بينما التفسير الإسلامي ينطلق من نظرته المبدئية للإنسان, فالتاريخ البشري هو "تحقيق المشيئة الربانية من خلال الفاعلية المتاحة للإنسان في الأرض بقدر من الله, وهو أيضاً سعي الإنسان لتحقيق ذاته كلها, لا البحث عن الطعام والمتاع والسيطرة فحسب, وبهذا يكون التفسير الإسلامي هو الأوسع والأشمل".

التفسير الإسلامي إذن كما يراه المؤلف هو المقابل للتفسير "الجاهلي" للتاريخ, والتفسير الإسلامي لا يقسم الأمم تقسيماً مبدئيا, إلى أمم متقدمة وأخرى متخلفة بحسب الإنجاز المادي والعلمي, ولا إلى أمم قوية وأخرى ضعيفة بحسب الإنجاز الحربي والسياسي, وإنما يقسمها مبدئيا إلى فريقين رئيسيين: أمم كافرة, وأمم مؤمنة ثم تأتي بعد ذلك كل التقسيمات الأخرى من تقدم وتخلف.. إلخ".

ثم ينتقل المؤلف إلى طرح مجموعة من المقومات التي يقوم عليها التفسير الإسلامي للتاريخ, وأولها الإنسان, الذي يجب أن نتعرف على حقيقته (طبيعته، تكوينه، مميزاته، دوره على الأرض) حتى يتسنى لنا أن نفهم تاريخه.

فدراسة التاريخ هدفها العبرة وإضافة تجارب أخرى للإنسان من خلال القرون السابقة, لأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي له تاريخ والذي تنمو مداركه وتتسع من خلال دراسته, وهو أيضاً الكائن الوحيد الذي له "إنتاج", سواء في عالم المادة أو في عالم الفكر أو في عالم الروح.

ويتحدث الأستاذ محمد قطب باستفاضة عن رؤية الغرب للإنسان, سواء بصفته "الحيوانية" أو بصفته "إلها" في عصر المنجزات العلمية والتكنولوجية.

وبالتالي فرؤيته للتاريخ تنبع من هذه النظرية المبدئية للإنسان, ومن هنا فلا نعجب, حين نرى الإشادة الضخمة بالجاهليات الفرعونية والرومانية والإغريقية وغيرها, ونرى في الوقت ذاته "التعتيم" على فترات الهدى في حياة البشرية.

صورة غير ناضجة

"
التفسير الإسلامي للتاريخ يرفض "الحتميات" سواء التاريخية أو المادية أو الاقتصادية, والحتمية الوحيدة في التفسير الإسلامي هي حتمية قدرة الله ومشيئته التي لا تلغي إيجابية الإنسان وفاعليته
"
ويستعرض المؤلف رؤية "الداروينية الجديدة" للإنسان, وكيف أنها لم تنجح في تقديم صورة ناضجة أو مفهومة أو واضحة عنه.

ثم ينتقل إلى التصور الإسلامي للإنسان, باعتبار أن النفحة العلوية من روح الله, قد منحته كيانا روحياً متلبساً بالكيان الجسدي, ومن ثم فإنه كيان مادي روحي في ذات الوقت.

ويؤكد أن التفسير الإسلامي للتاريخ يرفض "الحتميات" سواء التاريخية أو المادية أو الاقتصادية, والحتمية الوحيدة في التفسير الإسلامي هي حتمية قدرة الله ومشيئته, التي لا تلغى إيجابية الإنسان وفاعليته, أي أنها حتمية النتائج حين توجد الأسباب، والأسباب هي مجال الاختيار البشري ومجال الابتلاء.

والمسألة الثانية هي أن التفسير الإسلامي للتاريخ يرفض مبدئياً أن يكون تاريخ الإنسان هو تاريخ ضروراته فحسب, وهو لب التفسير المادي للتاريخ, الذي يعطي الأوضاع المادية والاقتصادية قوة القهر من ناحية, ومن ناحية أخرى يجعل الأفكار والعقائد والمؤسسات والقيم كلها, انعكاساً للأوضاع المادية والاقتصادية, لا تسبقها ولا تتأخر عنها ولا تخرج عن محتواها.

لكن التفسير الإسلامي يقرر أن تاريخ الإنسان هو تسجيل لمحاولة الإنسان أن يحقق كيانه كله بكل مقوماته ومكوناته, سواء منها توجهه إلى خالقه بالعبادة (الدين) أو توجهه إلى إقامة مجتمع فاضل (الأخلاق والقيم) أو توجهه للتعرف على الكون المادي (العلم) أو توجهه لاستثمار معرفته في تحسين أحواله المعيشية وترقيتها (الحضارة المادية وعمارة الأرض).. إلخ.

ويستطرد المؤلف في عرض الكثير من القضايا الأساسية في التفسير الغربي الدارويني الليبرالي المادي للتاريخ, والرد عليها من خلال التفسير الإسلامي, بما يتوافق مع العقل والمنطق والوقائع.

"
لابد أن نعيد النظر في مناهجنا كلها, فنعيد بناءها على أسس إسلامية, والصحوة الإسلامية عليها واجب ضخم تجاه المناهج التعليمية عامة ومناهج التاريخ بصفة خاصة
"
ويختتم المفكر الإسلامي محمد قطب كتابه بـ"كلمة في الختام" يوجهها إلى المؤرخ المسلم, يؤكد فيها أن كتابة  التاريخ البشري من زاوية الرصد الإسلامي ضرورة لازمة للأمة الإسلامية, وليست نافلة يمكن إسقاطها أو الاستغناء عنها.. إنه ضرورة لتوحيد الشخصية المسلمة, وعدم تمزيقها بين دراسة ودراسة, وبين منهج ومنهج.

ويضيف قائلا لابد أن نأخذ الأمر بالجدية اللازمة له.. لابد أن نعيد النظر في مناهجنا كلها, فنعيد بناءها على أسس إسلامية, والصحوة الإسلامية عليها واجب ضخم تجاه المناهج التعليمية عامة, ومناهج التاريخ بصفة خاصة, لتعيد صياغتها صياغة إسلامية, باعتبار هذا جزءًا لا يتجزأ عن مهمة التربية اللازمة لإعداد الجيل المسلم.

ويؤكد أن المؤرخين المسلمين مدعوون للقيام بنصيبهم من هذا الجهد الشاق, وقد لا يعترف بجهدهم أحد في الوقت الحاضر, بل قد يرميهم "المثقفون" بالأحجار! ولكنهم بجهدهم يبنون الطريق للمستقبل.. والمستقبل للإسلام.

المصدر : الجزيرة