عرض/زياد منى
قبل مباشرة عرض رسالة هذا الكتاب ومناقشة أطروحاته وبنيته، من المهم أن نعرف أولاً أن مؤلفه يشغل منصب المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط اليميني المعروف.

وعنوان الكتاب مأخوذ من كتب التفسير التلمودية للاهوت اليهودي، والمقصود بهم (الأفراد "من غير اليهود" الذين قبلوا التعاليم النوخية)، والمهتم يمكنه الاطلاع على وصفهم في الكتب المتخصصة أو في مواقع عديدة في الإنترنت.

-الكتاب: بين المستقيمين
-المؤلف: روبرت ساتلوف
-عدد الصفحات: 252
-الناشر: ببلك أفِّيرز، نيويورك
-الطبعة: الأولى/2006 

وفي عام 1963 كلفت لجنة في الدولة الصهيونية بمنح لقب (مستقيم بين الأمم) لأي شخص غير يهودي ثبت، بعد تمحيص دقيق أنه خاطر بحياته وبممتلكاته لإنقاذ يهود من المحرقة، بشرط عدم الحصول بالمقابل على أي مكافأة كانت.

ومن يحصل على هذا "التشريف" يتأهل لأن يحفر اسمه في قائمة الشرف في نصب (ياد فشيم) المقام في فلسطين المحتلة، لذكرى اليهود الذين قضوا في المحرقة.

وهذا التأهيل، الذي يورث إلى الأبناء والأقارب من الفئة الأولى، يعني، ضمن أمور كثيرة، أفضليات عديدة، منها، على سبيل المثال، ضمانة مالية مدى الحياة والحصول على معاش شهري وامتيازات مالية أخرى تتعهد بها الدولة الصهيونية، واليهود في خارجها، إضافة إلى حق حامل اللقب الإقامة في الدولة الصهيونية.

مساهمة العرب في حماية اليهود 
يقول المؤلف إن سؤال الكتاب المركزي هو: هل أنقذ عربي/مسلم أي يهودي من المحرقة وفق تعريف (المستقيم بين الأمم) آنف الذكر، واستحق بالتالي وضع اسمه في "قائمة الشرف تلك"؟

في الوقت الذي يشير فيه عنوان الكتاب إلى أنه تقصٍ تاريخي، فإن المؤلف نفسه يلغي هذا بالقول إن هدفه جعل المحرقة جزءًا من التاريخ العربي وكسر المحرمات حولها في العالم العربي. هذا يعني أن الهدف سياسي بامتياز، وهو ما سيتضح للقارئ عبر صفحاته جميعها.

يمكننا تلخيص الجانب التاريخي من الكتاب بالقول إن المؤلف قد تقصى شخصيًا أمر قيام عرب مسلمين بمساعدة يهود، خصوصًا في دول المغرب العربي، في الفرار من الاضطهاد النازي/الفاشي، وأنقذوا أرواح كثيرين.

وهو، في بحثه هذا، أقام سنوات عديدة في دول المغرب العربي وتمكن من جمع تفاصيل قصص مهمة تؤكد الأمر. والقصص التي جمعها رواها له يهود بالتفاصيل ما أكد له صدقيتها.

المؤلف لا يتحدث عن روايات عامة، بل يجلب أمثلة ملموسة بأسماء أشخاص ومواقع وتواريخ محددة، مثلاً: عبد الحميد بن باديس والشيخ طيب العقبي، اللذان أصدرا فتاوى تحرم اضطهاد اليهود أو الاستفادة من بؤسهم.

"
الكتاب وثيقة مهمة عن مساهمة العرب في مساعدة أبناء أوطانهم من اليهود على تفادي اضطهاد النازية والفاشية البغيضتين، وإبداء التضامن الإنساني الفطري معهم
"
بل إن المؤلف يقول إن الأخير تحمل مخاطر شخصية جراء تعاطفه مع يهود الجزائر ومساعدته لهم ضد حكومة فيشي، تفوق ما فعله كل من الكاثوليكيين سيلينج وغرلين اللذين اعترف بكل منهما (مستقيم بين الأمم).

كما يذكر المؤلف نشاط ملك المغرب الراحل محمد الخامس الذي رفض تعريف اليهود عرقيًا ومنع تعداد الاحتلال الفرنسي سكان المغرب اليهود، الذي كان يعني التمهيد لحصر مملتكاتهم ومصادرتها.

وفي تونس يذكر حاكمها أحمد باشا باي ومنصف باي اللذان ساعدا رعاياهما اليهود ضد حكومة فيشي الفاشية الخاضعة للاحتلال النازي.

وقد تبين للمؤلف أن إمام مسجد باريس إبان الاحتلال النازي لفرنسة، سيدي عبد القادر بن غبريت، ساعد اليهود هناك للفرار من الاضطهاد النازي، وتلقى إنذارًا خطيًا من حكومة فيشي بضرورة توقفه عن ذلك. وقد ذكّر المؤلف بوجود فيلم وثائقي أخرج عنه عام 1991 اسمه (المقاومة المنسية: مسجد باريس).

إضافة إلى تلك القصص "شبه المعروفة" اكتشف روايات أفراد لم تكن دونت من قبل ومنها على سبيل المثال آني بوقريص التي أنقذها شاب تونسي مسلم من الاغتصاب على يد القوات النازية، معرضًا حياته للخطر.

وقد خصص المؤلف الفصل السادس للحديث التفصيلي عن تلك الرواية، وتفاصيل قصص أخرى مماثلة مؤصرة فعلاً.

إلى هنا، فإن هذا الكتاب وثيقة مهمة عن مساهمة العرب، في مساعدة أبناء أوطانهم من اليهود، على تفادي اضطهاد النازية والفاشية البغيضتين، وإبداء التضامن الإنساني الفطري معهم.

وهذا ليس بالأمر الجديد حيث تحوي كتب التاريخ روايات كثيرة عن ذلك. وتضامن العرب والمسلمين مع "يهود" الأندلس يبقى مثالاً تاريخيًا حيًا يجب ألا ينسى عبر القرون.

المؤلف لا ينفي ذلك التضامن الفطري الإنساني، لكن كثيرًا ما يرفق ذلك بكلمة ولكن الاعتراضية!!. فعلى سبيل المثال يقول إن اليهود أجبروا على العيش، في دار الإسلام، في معازل، وأجبروا على دفع ضريبة إضافية.

المؤلف يتجاهل حقيقة أن القيادات الروحية اليهودية هي التي اختارت لملتها العيش في أحياء خاصة بها، لأن التقسيم، في ذلك الوقت، كان دينيًا إلى حد كبير، والتلمود لا يسمح باختلاط "الأطهار" مع "النجسين".

أما الضريبة الإضافية فقد كانت ما يمكن تسميته بمصطلحات عصرنا: (بدل الخدمة العسكرية الإجبارية)، وهي ممارسة معاصرة معمول بها في دول أوروبية عديدة، ومنها ألمانيا حيث يسمح لمن يود تجنب الخدمة المسلحة الإجبارية العمل في مجالات اجتماعية (مساعدة المقعدين، الخدمة في المستشفيات .

 سياسة دار الخلافة في تلك الأيام كانت عملاً متقدمًا على العصر بقرون وعملاً ينم عن احترامها للمشاعر الدينية لرعاياها لأن الحروب، دفاعية كانت أم هجومية، كانت تتم باسم الإسلام. هذه الضريبة كانت تعفي المواطن غير المسلم من المخاطرة بحياته لأمر لا يؤمن به.

المعضلات

"
المؤلف تجاهل أن الصهاينة يستخدمون المحرقة لمحاولة إخراس أي صوت ينتقد إسرائيل وممارساتها اليومية بحق الشعب الفلسطيني منذ ما قبل تأسيسها كيانا إلى يومنا هذا، ما يعني انحيازا مسبقًا
"
لكن الكتاب يحوي، في ظننا، معضلات عديدة من الضروري لفت الانتباه إلى بعضها تفصيليًا، ونقضها:

- يقول الكاتب إن هدفه من تأليف الكتاب جعل "المحرقة" جزءًا من التاريخ العربي. هذا الهدف المعلن ينفي الطبيعة التاريخية للمؤلف، ما يعني أنه استحضر أمثلة وتحليلات تخدم ذلك الهدف. هذا لا يجوز في كتابة علمية حيادية.

- الكاتب يدعي أن العرب تجاهلوا المحرقة لأنهم يرون أن الاعتراف بها يسوغ تأسيس الدولة اليهودية. الحقيقة أن معظم العرب لم ينفوا المحرقة، ولكن يتجاهلونها لأنها ليست جزءًا من تاريخهم. فالبحث فيها بإسهاب يتطلب الحصول على معلومات غير متوافرة لديهم.

لكن ما هو ثابت حقًا أن الصهاينة يستخدمون المحرقة لتسويغ كل جرائمهم في فلسطين، وانطلاقًا منها. المؤلف تجاهل أن الصهاينة يستخدمون المحرقة لمحاولة إخراس أي صوت ينتقد إسرائيل وممارساتها اليومية بحق الشعب الفلسطيني منذ ماقبل تأسيسها كيانًا إلى يومنا هذا، ما يعني انحيازًا مسبقًا.

المحرقة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تسوغ اغتصاب الصهاينة فلسطين، وإن لا ننفي أنها أثارت تعاطفًا "أوروبيا" شعبيًا معهم في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بعد أن كان الحماس لذلك مقصورًا على الصهاينة المسيحيين من أتباع الفكر القيامي الألفي.

لكن جرائم الصهاينة اليومية بحق الشعب الفلسطيني، وفي لبنان، أفقدتهم أي تأييد شعبي كان، ما يستدعي قيامهم، على نحو يومي، بالتلويح بالمحرقة وتهمة "معادة السامية" لإخراس أي صوت معاد لممارستهم تلك.

طبيعة الكتاب السياسة المحددة مسبقًا
- المسألة الأخرى التي نود لفت انتباه الكاتب إليها، هي: هل على العرب الاحتفال باغتصاب الصهاينة فلسطين؟ هل على العرب تهنئة الصهيونية بذلك العمل، واعتبار نكبة العرب والفلسطينيين خاصة علامة مضيئة في تاريخ الإنسانية؟ هل على الفلسطينيين المحرومين من وطنهم والذين طردوا منه في (1947-1949) بقوة السلاح كما أثبت ذلك الكاتب الإسرائيلي إيلان ببيه في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين" الذي سبق لنا عرضه، تهنئة المستوطنين الصهاينة الذين احتلوا بيوتهم وقراهم ومزارعهم!

- خصص الكاتب الفصول (2-4)، أي: ثلثي الكتاب، للحديث عن اضطهاد فرنسا وإيطاليا لليهود في دول المغرب العربي. وفي ظننا أن تخصيص ذلك الحيز الكبير للمسألة يستدعي تغيير العنوان الذي يمكن عده بسبب ذلك تزوير العلامة(etikettenschwindel).

- الكاتب يقول إنه قرر تأليف كتابه بتأثير من هجمات سبتمبر/أيلول التي ذكرته بالمحرقة. في ظننا أن مقارنته هذه تثير العجب لأسباب عديدة.

من بينها أن هجمات سبتمبر/أيلول كانت ردة فعل على التدخل الأميركي-الغربي المستمر في قضايا العرب وتأييدهم اللامحدود لإسرائيل، بينما كانت المحرقة فعلاً إجراميًا بالطبع، وهي استمرار لقرون من عداء الغرب لليهود واضطهاده لهم على مر التاريخ.

ومن العجيب أن المؤلف، المؤرخ، لم يتذكر بالعلاقة مجازر "اليهود" بحق نصارى القدس في عام 614 حيث أبادوا ما لا يقل عن 90000 روح طفل وامرأة ورجل؟ وكيف لم يتذكر بالعلاقة مجازر الولايات المتحدة وغيرها من الدول الاستعمارية في مختلف أصقاع العالم.

مثلاً: مجازر هيروشيما ونغازاكي وفييتنام والعراق وأفغانستان, ومجازر الاستعمار الأوروبي ومذابحهم في العالم الجديد وإفريقية والبلاد العربية وكيف نسي ضحايا النازية من العرب! ومجازر الصهاينة في فلسطين والقائمة تطول.

المحصلة

"
من الأمور المشرفة للعرب مسلمين ومسيحيين، أن يُذكروا ضمن الأفراد والجماعات الذين ساهموا في إنقاذ أرواح بريئة من براثن النازية والفاشية المجرمة، معرضة نفسها وممتلكاتها وعائلاتها للخطر
"
هذا الكتاب، مع كل ما سبق من ملاحظات، يضم بين دفتي الغلاف تفاصيل، إيجابية عديدة ومهمة، من غير الممكن لمراجعتنا المحدودة هذه التعامل معها بالتفصيل.

ومن الضروري، بالتالي، عده عملاً رائدا في مجاله يفتح آفاقا مهمة للبحاثة المحايدين علميا للاستفاضة في هذا التقصي التاريخي، يثبت في نهاية المطاف استنتاجات غير تلك التي أرادها المؤلف.

فمن الأمور المشرفة للعرب، مسلمين ومسيحيين، ضمن هذا السياق، أن يذكروا من ضمن الأفراد والجماعات الذين ساهموا في إنقاذ أرواح بريئة من براثن النازية والفاشية المجرمة، معرضة نفسها وممتلكاتها وعائلاتها للخطر.

لقد أثار هذا الكتاب كثيرا من التعليقات في الولايات المتحدة وأوروبا حيث نظر إليه البعض بأنه "المعجزة" الذي سيقنع العرب والمسلمين أخيرًا بقبول إسرائيل، بينما استنكر البعض الآخر، من غلاة الصهاينة المسيحيين، إثبات أن عربًا مسلمين ساهموا، وفق مصطلح (مستقيم بين الأمم) في إنقاذ أرواح "يهودية" من براثن النازية والفاشية الأوروبيتين.

وهناك طرف ثالث أصابه عمى مطلق حيث لم ير في الكتاب أكثر من الفصول التي تتعامل بإسهاب مع اضطهاد سلطات فيشي وإيطاليا الفاشيتين، في شمالي إفريقية لليهود!.

في ظننا أن على أي عربي يقبل بوضع اسمه في قائمة نصب (ياد فاشيم) تذكر أنه مقام في كيان أقيم على أنقاض الوطن الفلسطيني، وعلى جثث شعبه، أطفالاً ورجالاً ونساء.

و"التمتع" بالامتيازات المرتبطة بالذكر في تلك القائمة مسألة يجب ألا تسعد أيًا كان لأنها ممزوجة بدماء ودموع شعب طرده الصهاينة، بمعونة قوى استعمارية غربية بقوة السلاح، من وطنه الذي عاش فيه، بكل طوائفه المسلمة والمسيحية واليهودية، قرونًا طويلة، بسلام وأمان.

المصدر : الجزيرة