عرض/نبيل السهلي
يناقش هذا الكتاب مشروع الشرق الأوسط الكبير خلفياته وماهيته، كما يسلط الضوء على التغير النوعي في السياسة الأميركية ودوافعه.

وينتقل ليصف فيما بعد المعوقات التي تواجه المشروع الشرق أوسطي، ثم يتطرق إلى إشكالية الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير الذي يعتبر مشروعاً أميركيا لرسم نظام إقليمي في المنطقة وفق رؤى أميركية.

ويصل الكاتب في النهاية إلى إظهار ردة الفعل العربية على مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي رسم خارج النظام العربي الرسمي.

-الكتاب: مشروع الشرق الأوسط الكبير.. دلالته وإشكالاته
-المؤلف: ماجد كيالي
-الصفحات: 95
-
الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبوظبي
-الطبعة: الأولى/ 2007

الشرق الأوسط كمصطلح
تشير الدراسات المختلفة المنشورة منذ بداية عقد التسعينيات إلى أن الشرق الأوسط ليس له ملامح جغرافية محددة المعالم، لكن البعض يشير إلى أنها المنطقة الجغرافية الواقعة ما حول وشرق وجنوب البحر الأبيض المتوسط.

وتمتد إلى الخليج العربي، ويستعمل هذا المصطلح للإشارة إلى الدول والحضارات الموجودة في هذه المنطقة الجغرافية.

وقد سميت هذه المنطقة في عهد الاكتشافات الجغرافية من قبل المكتشفين الجغرافيين بالعالم القديم، وهي مهد الحضارات الإنسانية وكذلك مهد جميع الديانات السماوية.

ويمكن القول إن الكيانات السياسية في هذه المنطقة تتمثل بالدول التالية: العراق، السعودية، فلسطين، الكويت، الأردن، لبنان، البحرين، قطر، الإمارات، اليمن، سوريا، مصر، سلطنة عمان، السودان، إيران، أرمينيا، تركيا، قبرص. ويعتبر الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم توتراً أمنياً حيث شهد أكثر من إحدى عشرة حرباً.

بوش الابن ومشروع الشرق الأوسط الكبير
طرح الرئيس الأميركي جورج بوش الابن مشروع الشرق الأوسط الكبير في فبراير/شباط 2004 أي بعد عام تقريباً من احتلال العراق، وبعد سلسلة مبادرات ومواقف كانت الإدارة الأميركية قد طرحتها بعد الهجوم الإرهابي على برجي مركز التجارة العالمي بنيويورك ومبنى البنتاغون بواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وذلك بغية التعامل مع مشكلات المنطقة العربية والتحديات المنبثقة عنها.

وتم صوغ إستراتيجية الأمن القومي الأميركي في سبتمبر/أيلول من عام 2002، التي تتضمن التزام الولايات المتحدة الأميركية بالعمل على إدخال مبادىء الديمقراطية حسب إدارة بوش الذي أكد في خطابه يوم 9-5-2003 في جامعة ساوث كارولينا أن حكومته ستعمل على تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة تربطها اتفاقات للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة خلال عشرة أعوام.

"
مشروع الشرق الأوسط الكبير يؤكد ضرورة التغيير في المنطقة عوضاً عن إستراتيجية الحفاظ على الوضع القائم التي كانت معتمدة سابقاً بعد أن بات هذا التغيير وفق الرؤى الأميركية ضرورة ملحة لأمنها القومي ومصالحها الإستراتيجية
"
ويؤكد الكاتب أن الولايات المتحدة قد أحدثت تحولاً نوعياً في سياستها التقليدية إزاء العالم العربي، وذلك من خلال طرح إدارة بوش الابن مشروع الشرق الأوسط الكبير.

هذا المشروع الذي يؤكد على ضرورة التغيير في المنطقة عوضاً عن إستراتيجية الحفاظ على الوضع القائم التي كانت معتمدة سابقاً بعد أن بات هذا التغيير وفق الرؤى الأميركية ضرورة ملحة لأمنها القومي ومصالحها الإستراتيجية، وبدعوى الحرب على الإرهاب تحاول الإدارة الأميركية بسط السيطرة على النظام الدولي وقراراته.

ويشير الكاتب إلى أن الولايات المتحدة كانت قد انتهجت طوال نصف قرن مضى إستراتيجية متسقة إزاء المنطقة العربية تقوم على أربع ركائز في المقدمة منها ضمان انسياب النفط العربي باتجاه السوق الأميركي بأسعار معقولة، فضلاً عن الحفاظ على أمن إسرائيل وتفوقها النوعي في الشرق الأوسط.

معوقات المشروع الشرق أوسطي
يبرز المؤلف حقيقة أساسية في إطار عرضه للمشروع الشرق أوسطي، وتتركز في وجود تحديات ومعوقات عديدة للمشروع المذكور في المقدمة منها وجود خلل أساسي في سياسة الولايات المتحدة إزاء العالم العربي، كانت أسهمت قبل ذلك في فشل مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي طرح في التسعينيات من القرن العشرين.

وهذه التحديات نفسها ستؤدي إلى إخفاق المشروع الحالي، كون إدارة بوش لم تستفد من التجربة السابقة ولم تستوعب الدروس وكذلك عوامل الفشل السابقة التي تتمثل في تعمد السياسة الأميركية تجاوز أو تجاهل العناصر الأساسية للصراع العربي الإسرائيلي ومواصلة الانحياز إلى جانب المواقف الإسرائيلية، بل الذهاب إلى أبعد من ذلك عبر المحاولة الأميركية لطمس الهوية العربية، وجعل العلاقات الاقتصادية الشرق أوسطية بديلاً عن التكامل العربي.

ومن المعوقات الأخرى التي تواجه المشروع الشرق أوسطي تبلور ممانعة كبيرة من قبل كل من الحكومات أو المجتمعات العربية للمشروع الأميركي، لأنه يشكل محاولة أميركية للتدخل في شؤون المنطقة العربية.

إشكالية الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير
يشير الكاتب إلى أن قضية نشر الديمقراطية ومن ضمنها السعي لإدخال تغييرات في بناء النظم السياسية وتقوية المجتمع المدني تتبوأ مكانة مركزية في المشروع الأميركي لبناء الشرق الأوسط الكبير، حيث إن المشروع المستحدث يتركز في المجال السياسي على عكس المشروع الأميركي السابق الذي يتمحور حول التعاون الاقتصادي.

"
نشر الديمقراطية الأميركية يحمل في طياته فرضها بالقوة لأن الديمقراطية في العالم العربي تتطلب آليات محلية تأخذ بعين الاعتبار الظروف الداخلية وتداخلاتها فضلاً عن مستوى التطور السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي
"
وتنطلق التوجهات الأميركية لإنشاء مشروع شرق أوسطي كبير من خلال العمل على تغيير الواقع السياسي للنظم السياسية القائمة، على عكس المرحلة السابقة التي سعت إبانها الإدارات الأميركية إلى استقرار الواقع السياسي في المنطقة.

ومشكلة نشر الديمقراطية الأميركية إنما يحمل في طياته فرضها بالقوة، وتجاهل مشكلات العالم العربي التي لها جذور ذات منشأ ذاتي وعميق، وبالتالي فإن الديمقراطية ونشرها في العالم العربي إنما يتطلب آليات محلية تأخذ بعين الاعتبار الظروف الداخلية وتداخلاتها فضلاً عن مستوى التطور السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، فإن أي تغيير حقيقي يجب أن يشق طريقه بشكل تراكمي.

ردود الفعل العربية على المشروع الأميركي
يؤكد الكاتب في معرض تحسسه لردة الفعل العربية من المشروع الشرق أوسطي الكبير، أن ردة الفعل لم تكن بمستوى التحدي الخارجي المذكور، وما كان للولايات المتحدة أن تطرح المشروع لولا ضعف وهشاشة النظام الرسمي العربي واهتراؤه من الداخل فضلا عن تشرذمه وغياب الدولة العربية كمؤسسة، وتغييب المواطن وهدر الإمكانيات ومصادرة دور المجتمعات.

وفي هذا الوضع العربي المتردي تم طرح المشروع الأميركي للشرق الأوسط، حيث يعاني النظام العربي من أزمات بنيوية مستعصية في مستويات السياسة والاقتصاد والتطوير والتحديث، هذا مع العلم أن الوطن العربي يساهم بنحو 30% من إنتاج النفط العالمي، ويحتوي على ثلثي احتياطي النفط في العالم.

نتائج واستخلاصات
بعد تحليله لخلفيات المشروع الشرق أوسطي الكبير وماهيته وتداعياته المختلفة، قام المؤلف بتسجيل استخلاصات ونتائج قد تكون هامة في نظر الكثيرين من المتابعين والمحللين السياسيين وفي مقدمة تلك الاستخلاصات :

1- بقاء المنطقة العربية في المدى المنظور ساحة مفتوحة للتجاذبات والتنافسات والمشروعات الدولية الرامية لإبقائها في إسار السيطرة الدولية.

2- احتدام الصراع على الشرق الأوسط في المرحلة القادمة، وظهور ضغوطات من أنواع مختلفة سياسية واقتصادية.

3- يبدو أن النظام العربي الرسمي السائد بات على الأغلب عرضة للتآكل بسبب عدم قدرته على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

"
على العرب تجاوز نقاط ضعفهم وجمود أوضاعهم ومقاومة التخلف السائد في ميادين مختلفة، وإلا فسيدفعون فاتورة التردد والحيرة والضياع والخضوع نهاية المطاف لحقبة جديدة من الوصاية الدولية
"
4- وقوف المنطقة العربية على الأرجح في مرحلة انتقالية بين أفول النظام السياسي القديم وتوليد نظام جديد.

وتعتبر الاستخلاصات السابقة بمثابة تحديات تواجه المنطقة العربية، وتبعاً لذلك على العرب أن يتجاوزوا نقاط ضعفهم وجمود أوضاعهم ومقاومة التخلف السائد في ميادين مختلفة، وإلا فسيدفعون فاتورة التردد والحيرة والضياع والخضوع نهاية المطاف لحقبة جديدة من الوصاية الدولية.

وبطبيعة الحال فإن الإرادة السياسية الصادقة والإدارة الواعية إذا توفرت لدى العرب يمكن من خلالها تجاوز ومواجهة كافة التحديات التي تعصف بالمنطقة العربية، لكن توسيع المشاركة في اتخاذ القرار والمواجهة هما من أهم المقدمات التي تؤسس لقدرات عربية اقتصادية ومجتمعية من شأنها أن تضع العرب في موقع هام في إطار العلاقات الدولية بشقيها السياسي والاقتصادي.

المصدر : الجزيرة