عرض/ياسين تملالي
ما زالت تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول 2001 تلهم الأدباء والسينمائيين الأميركيين العديد من الأعمال الفنية والأدبية.

أما الفنانون العرب، فلم يستوحوا منها أعمالا كثيرة رغم ما كان لها من آثار جسيمة على جيوستراتيجيا العالم العربي والإسلامي وما نجم عنها من احتداد للاضطهاد الثقافي الذي يعاني منه العرب والمسلمون في العديد من الدول الغربية.

-الرواية: اقتلوهم جميعا
-المؤلف: سليم باشي
-ترجمة: محمد ساري
-الصفحات: 136
-الناشر: منشورات البرزخ، الجزائر
-الطبعة: الأولى/2007
الكاتب الجزائري سليم باشي من المبدعين العرب القلائل الذين استغلوا الطاقة الفنية لهذه الأحداث بأن جعل منها موضوع إحدى رواياته وهي "اقتلوهم جميعا".

وقد صدرت الرواية في ترجمتها العربية بالجزائر منتصف مايو/ أيار الماضي عن منشورات البرزخ. أما نصها الأصلي الفرنسي، فصدر بباريس سنة 2006.

تجنب باشي في "اقتلوهم جميعا" الخوض في مجادلات أضحت مملة وتقليدية عن "المدبر الحقيقي" لتفجيرات 11 سبتمبر/أيلول، وفضل أن ينطلق من واقع لا مراء فيه -بغض النظر عن تفاصيله الدقيقة- ألا هو واقع وجود حركة إسلامية عالمية مسلحة جعلت من محاربة الوجود الأميركي في العالم الإسلامي مهمتها المركزية ومحور عملها الدعائي.

كما تفادى المؤلف الإفراط في وصف التحضيرات "التقنية" لهذه التفجيرات، نائيا بكتابته عن جو الروايات البوليسية وقصص التجسس.

وفضل بدل ذلك أن يرسم لقرائه البورتريه السيكولوجي لـ "جهادي" شاب ينتمي إلى منظمة سرية هي أشبه ما تكون بـ "القاعدة".

وهو بانكبابه على نحت شخصية هذا الشاب المليئة بالمفارقات قد ضرب عرض الحائط بالبورتريهات المجترة التي ترسمها وسائل الإعلام "للجهاديين" كما عصف بالصورة التبسيطية التي تصورهم بها دعاية الحركات الإسلامية الراديكالية.

بطل شبه تجريدي لا وجه له
من هو سيف الإسلام الذي كلفته "المنظمة" بتفجير برجي التجارة في مدينة نيويورك؟ من هذا البطل شبه التجريدي الذي لا عمر له ولا وجه؟ المفاجأة في البورتريه الذي رسمه له الكاتب تكمن في انعدام شبهه بالبورتريهات البوليسية المبتسرة للمناضل الإسلامي المتزمت الذي وضع على عينيه عصابة تقيه شر رؤية العالم الذي يحيي فيه الشهادة.

ليس سيف الإسلام في "اقتلوهم جميعا" بالشاب المتحمس المغرر به ولا هو بالمجاهد النقي السريرة المقبل على الاستشهاد دون أدنى أسف على العالم.

وهو إن مضى بمشروعه التفجيري إلى منتهاه، فليس إيمانا مطلقا بتعاليم "المنظمة" بل انتقاما شخصيا من هذا "الغرب المتسلط" الذي ما حاول مسلم الاندماج فيه إلا وذكره بأن لا مكان للمهزومين في صفوف المنتصرين.

"
ليس سيف الإسلام في الرواية بالشاب المتحمس المغرر به ولا هو بالمجاهد النقي السريرة المقبل على الاستشهاد دون أدنى أسف على العالم
"
وتدور معظم أحداث الرواية في مدينة أميركية (بورتلاند) وتحكي الساعات الأخيرة من حياة سيف الإسلام قبل أن يلقي بنفسه على برجي التجارة محولا "أكبر رموز العنجهية الحديثة" إلى ركام.

ماذا يمكن أن يكون عليه اليوم الأخير من حياة "جهادية" كلها استعداد للممات سوى اجترار مهووس للماضي واسترجاع عارم لذكرياته؟

يتذكر سيف الإسلام طفولته الحزينة بسبب وفاة الأب المبكرة، ودراسته الطويلة في دولة أوروبية لم تحمه ديمقراطيتها من عنصرية الشرطة.

يتذكر زواجه بتلك الأوروبية الذي كان يأمل الاحتماء بها من بيروقراطية مديريات شؤون المهاجرين, وفقدان ابنهما في إجهاض أجرته دون موافقته. يتذكر طلاقه البائن منها، وقرانه الرمزي الذي لن تنفك عراه بـ "المنظمة".

بين مشروعية "الجهاد" وشرعيته
بداية حياة سيف الإسلام الجديدة كانت في أحد مساجد باريس تعرف فيه على أعضاء من المنظمة تفطنوا إلى تفوقه وذكائه واستغلوا لتجنيده نقمته على فشل اندماجه في مجتمع أوروبي، فشل يرمز إليه إجهاض وليده وانقطاع حبل صلته البيولوجية الممكنة بثقافة زوجته.

بعد العديد من الاجتماعات التكوينية في ذلك المسجد الباريسي، سافر المجند الجديد إلى أفغانستان ليلتحق بمعسكر تدريب. وكان من آثار حياته في تلك الجبال الجرداء المغمورة تحت الثلج، ازدواج شخصيته: التعاليم القرآنية أصبحت تتصادم في ذهنه بذكريات ضياعه في متاهات أوروبا.

"هيروشيما حبي"؟ فيلم قذر شاهده في قاعة مظلمة عندما كان يتفلسف، متأهبا لأن يصبح أحدهم"، يقول سيف الإسلام مدافعا عن خياره الجهادي كلما طغت على تفكيره مخلفات ثقافته الأوروبية البائدة.

وفي الوقت نفسه الذي تعمق فيه حقد سيف الإسلام على "الغرب المتغطرس" بدأ يكتشف ازدراءه "لإخوانه المجاهدين" الذين لم يكن لهم من جواب على أسئلته عن الأساس الفقهي للجهاد سوى هذه العبارة "الله يعلم وأنت لا تعلم شيئا".

وهو لم ينجه من عواقب خطابه شبه المتزندق المليء بالشكوك المشبع بموروثه الثقافي الأوروبي، سوى استعداده لتنفيذ أكثر المهام صعوبة بما في ذلك تدمير "أكثر أبراج العالم عجرفة".

فرغم ضعف اقتناعه بخطاب "المنظمة" الذي يبيح سفك دماء غير المسلمين إلا أنه كان متأهبا لتنفيذ أوامرها دون أخذ أو رد، هربا من ماضيه وتصفية لحساب قديم مع "حضارة الغالبين".

النقمة الشخصية على الغرب

"
على عكس ما يمكن أن ننتظره من مجاهد قرر التضحية بنفسه على مذبح قضيته، لا يقضي بطل "اقتلوهم جميعا" ليلته الأخيرة في التعبد استعدادا للشهادة، فأول ما يقوم به بعد خروجه من الفندق هو التوجه إلى أحد ملاهي المدينة
"
وعكس ما يمكن أن ننتظره من مجاهد قرر التضحية بنفسه على مذبح قضيته، لا يقضي بطل "اقتلوهم جميعا" ليلته الأخيرة في التعبد استعدادا للشهادة، فأول ما يقوم به بعد خروجه من الفندق الذي نزل فيه في بورتلاند، هو التوجه إلى أحد ملاهي المدينة.

ويتصرف سيف الإسلام بهذه الطريقة كما لو كان يريد أن يلقي نظرة أخيرة على العالم الذي يريد تحطيمه والخلاص منه، فهو بالنظر إلى تضعضع عقيدته، يستلهم عزيمته لا من اقتناعه النظري بـ "عدالة القضية" بل من الملاحظة المستمرة لحضارة عوضت فقدان قيمها الأساسية بالهيمنة على حضارة الغير أي حضارته.

في هذا الملهى المليء بالسكيرين، يقابل سيف الإسلام فتاة مكتئبة تبدو في الرواية كمثال للشباب الذي سحقته الحضارة المادية الصرفة، فلا وقت له للتساؤل عن سر كينونته في العالم.

وتلعب هذه الفتاة التي لا تريد له فراقا، دور مرآة لضياعه: ألا يعد تجاوبه معها دليلا على هشاشة قناعاته؟ ورثاؤه لحالها أليس ببرهان على ضحالة إيمانه؟

الاغتيال الرمزي لـ "حضارة الغالبين"
ويحرك حوار سيف الإسلام المتقطع مع هذه الفتاة الضائعة تساؤلاته المكبوتة عن صواب مشروعه الانتحاري وعن دافعه الشخصي الدفين من وراء إقدامه عليه: من الواضح أن لا عداوة له تجاه عموم الأميركيين وأن كل ضغينته تستهدف حضارتهم، لا لكونها حضارة مختلفة بل لكونها "حضارة المنتصرين" التي تقهر كل يوم بني جلدته بصلفها وكبريائها وتنكر ماضي أجدادهم المجيد.

ولسوء حظ الأبرياء فإن الانتقام منها في نظر الجهادي الشاب يجب أن يكون انتقاما من كل من انتمى إليها، ولو كانت تلك الفتاة المغمورة الهائمة على وجهها في ليل مدينة أميركية مغمورة.

وتتخذ تساؤلات سيف الإسلام عن المبررات الشرعية لمشروعه شكل حوار داخلي دائري، حوار تختلط فيه الذكريات الشخصية بالأسئلة الفقهية الملحة: ألا يوجب الدين على المؤمنين الجهاد ضد الكفار؟ ألا يدعوهم في الوقت نفسه إلى أخوة عالمية تجمعهم لا بأهل الكتاب فحسب بل بكل البشر من دون استثناء؟ لا إجابة حاسمة لسيف الإسلام عن هذا السؤال بل محض ردود مبتورة مليئة بالتناقضات.

لا خلاص لبطل الرواية من متاهته الذهنية هذه سوى التجرد منها، فهو يعلم أن دافعه الأساسي من وراء عمليته التفجيرية لا يشبه دوافع غيره من "الجهاديين": دافعه هو الرغبة في أن يدخل سجل التاريخ كرجل انتقم لكل المسلمين منذ اندثار حدائق غرناطة تحت سنابك خيل ملوك إسبانيا الكاثوليكيين. دافعه الخلود الدنيوي لا خلود الدار الأخرى.

رواية واقعية لا رواية "وثائقية"
وبقدر ما فاجأ سليم باشي كل من يعتقد أن رواية عن 11سبتمبر/أيلول لا يمكن أن تكون سوى سرد لوقائع التفجيرات، فقد فاجأ أيضا من كان يتوقع منه إعادة تشكيل ميكانيكية لبورتريه "الأصولي المسلم".

سيف الإسلام ليس بالمتصوف الغارق في نشوته الروحية ولا بالأصولي الذي أصبح الإيمان بالنسبة إليه محركا باردا للعمل العسكري.

"
"اقتلوهم جميعا"هي نقطة استفهام كبيرة عن الإنسان اليائس الذي يقبع داخل كل انتحاري متحمس، داخل كل شاب قرر الرد على الإهانة بالإهانة ولم يعد يحتفل بإقناع الغير بإنسانيته ولا بتذكيره بماضيه التليد
"
سيف الإسلام ليس بهذا ولا بذاك، فهو رجل يمتلك كل مقومات الحداثة. من هذا المنطلق، يمكن مقارنة انخراطه في "المنظمة" بانخراط أي شاب في العالم في عصابة من تلك العصابات التي تستغوي الشباب بجعلهم أبطال أفلام دامية ينتقمون فيها من المجتمعات التي أذلتهم ويستعيدون بها إحساسهم بكرامتهم.

من هذا المنطلق، فإن "اقتلوهم جميعا" وإن كانت وثيقة الصلة بالنقاشات الجارية منذ سنوات عن الحركات الإسلامية المسلحة، ليست بمدخل إلى سوسيولوجيا هذه الحركات ولا بـ "قصة موثقة" تستهوي أجهزة الاستخبارات قبل أن تستهوي القراء.

كما أنها ليس رواية تجارية تكتفي باستغلال أحداث 11 سبتمبر/أيلول لضمان مبيعاتها في قارة أوروبية مهووسة أشد الهوس بتنامي "الخطر الأخضر".

هي نقطة استفهام كبيرة عن الإنسان اليائس الذي يقبع داخل كل انتحاري متحمس، داخل كل شاب قرر الرد على الإهانة بالإهانة ولم يعد يحتفل بإقناع الغير بإنسانيته ولا بتذكيره بماضيه التليد.

هذا الجانب المتعالي عن أصداء 11 سبتمبر/أيلول في نقاشات الصحافة الغربية والسياسيين الغربيين قد يفسر الاستقبال المحتشم الذي لقيته "اقتلوهم جميعا" في فرنسا رغم صدورها عن دار نشر مرموقة هي دار "غاليمار" ورغم الشهرة الكبيرة التي يحظى بها كاتبها الذي ما انفك يحصد الجوائز الأدبية الأوروبية الواحدة تلو الأخرى منذ صدور روايته الأولى "كلب أوليس" عام 2001.

عامل آخر قد يفسر هذا الاستقبال المحتشم هو كون الرواية -بدءا بعنوانها- تذكيرا للغرب بمسؤوليته التاريخية عن فكرة القتل الجماعي.

أليست عبارة "اقتلوهم جميعا" من موروثات أوروبا القرون الوسطى؟ ألم يفتتح بها قائلها الراهب دي سيتو مشروع اجتثاث نحلة "الكاتار" المتهمة بمخالفة تعاليم الكنيسة الكاثوليكية؟ أليست بذلك الأصل المعنوي لما تلا القرون الوسطى من احتلال ومجازر استعمارية لم يكن لها سوى أن تنبت "القاعدة" وترمي في أحضانها بالآلاف من "سيوف الإسلام"؟

المصدر : الجزيرة