عرض/بدر محمد بدر
هذا الكتاب هو محاولة لتسليط الضوء على أسباب إخفاق برنامج مصر النووي, في ضوء ما يراه المؤلف من تحديات مستقبلية إقليمية وعالمية في مجال الطاقة تفرض على الدولة أن تعض بالنواجذ على ما تبقى من حلمها القديم, وأن تسعى إلى إحيائه مرة أخرى.

وهذا الأمر ليس من أجل صنع قنبلة نووية -فقد فات أوان ذلك- ولكن من أجل البحث عن مصادر بديلة للطاقة, في ظل حقيقة صارخة تقول بأن احتياطيات مصر من البترول والغاز الطبيعي يمكن أن تنفد في غضون ثلاثين عاماً من الآن.

-الكتاب: قدرة مصر النووية.. أسباب الإخفاق وتحديات المستقبل
-المؤلف: مكرم محمد أحمد
-الصفحات : 146
-الناشر : دار الشروق, القاهرة
-الطبعة: الأولى/2007
في ثنايا الكتاب الذي يتكون من مقدمة وأربعة فصول, يستعرض المؤلف بداية تأسيس البرنامج النووي المصري عام 1955م, في نفس الفترة التي بدأ فيها البرنامج النووي الهندي, وبعد البرنامج النووي الإسرائيلي بسبع سنوات.

ويتذكر خطبة شهيرة للرئيس عبد الناصر عام 1960م, يؤكد فيها أن مصر ستلحق بالبرنامج النووي الإسرائيلي, حتى وإن اقتطعت الخبز من أفواه بنيها.."، وذهب حلم مصر النووي بعد هزيمة 1967, ثم صحا مرة أخرى عقب انتصار 1973م في عهد الرئيس السادات, غير أن هذا الحلم تحول إلى سراب "نتيجة المعايير الأميركية المزدوجة, التي فرضت على مصر ضرورة التصديق على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية, في الوقت الذي رفضت فيه إسرائيل مجرد التوقيع على المعاهدة".

ثم جاء حادث انفجار مفاعل "تشرنوبل" في أوكرانيا عام 1986م, فعلقت مصر برنامجها النووي الذي لم يكن قد بدأ بعد.

انتهاء عصر الطاقة الرخيصة
في الفصل الأول ينبه المؤلف إلى أن احتياطيات مصر من البترول والغاز الطبيعي لا تكاد تغطي أربعين عاما, وهي مدة قصيرة في أعمار الشعوب.

وبناء عليه يبرز التساؤل: كيف نستطيع أن نؤمن احتياجات الأجيال القادمة من الطاقة, وخصوصا إذا أدركنا أن عصر الطاقة الرخيصة قد ولى دون رجعة, وأن أسعار البترول سوف تستمر في الصعود, وأغلب الظن أن سعر البرميل سوف يتجاوز مائة دولار في العشرين سنة القادمة.

"
لم يعد أمام البشرية مصدر حقيقي للطاقة يمكن الاعتماد عليه سوى الطاقة النووية التي توفر الآن 16% من حجم الطاقة المستهلكة في العالم ويتم توليدها في 443 محطة نووية
"
وتوضيحا لحجم المشكلة يشير المؤلف إلى أن حجم الدعم المالي لقطاع الطاقة يبلغ حاليا 40 مليار جنيه سنوياً (7.1 مليارات دولار ), وهو ما يساوي حجم إنفاق الدولة على خدمات الصحة والتعليم والثقافة. فإذا تضاعف حجم إنتاج الطاقة خلال الثلاثين عاماً القادمة مع زيادة عدد السكان, فهذا يعني أن حجم الدعم المالي لقطاع الطاقة سوف يتضاعف, وهو ما يصعب على خزانة الدولة أن تتحمله.

ويخلص المؤلف إلى حقيقة مهمة وهي أنه لم يعد أمام البشرية مصدر حقيقي للطاقة يمكن الاعتماد عليه سوى الطاقة النووية, التي توفر الآن 16% من حجم الطاقة المستهلكة في العالم, ويتم توليدها في 443 محطة نووية تنتشر في عدد من بلدان العالم الصناعي, النسبة الأكبر منها في فرنسا التي تحصل على ما يقرب من 80% من احتياجاتها من محطات الطاقة النووية.

إنجاز مدهش
لقد حققت تكنولوجيا بناء المحطات النووية خلال السنوات الخمس الأخيرة إنجازا مدهشا, جعل تكلفة الإنشاء والتشغيل للمحطات النووية أقل في حسابها الاقتصادي من المحطات الحرارية, مع تحسين معدلات الأمان وضماناتها.

كما ضاعفت العمر الافتراضي للمحطة النووية من 40 إلى 60 عاما, وزادت طاقة إنتاجها بنسبة تصل إلى 40%, وهذا بالطبع يلزم مصر بإعادة النظر في سياستها الراهنة حول قضية الطاقة النووية.

ويرد مؤلف الكتاب على المخاوف التي تثار في هذا المجال, وأولها أنه يفتح الباب أمام التدخل الدولي المتزايد في شؤون الوطن, بدعوى الرقابة على الأنشطة النووية, أو بدعوى ضمانات التمويل التي يحتاجها مشروع ضخم تصل فيه تكلفة المحطة الواحدة إلى ما يزيد عن ملياري دولار... إلخ.

ويقول إن الظروف التي دفعت مصر إلى تعليق برنامجها النووي إثر حادث تفجير مفاعل "تشرنوبل" قد تغيرت على نحو شامل بظهور الجيل الثالث من المفاعلات النووية, الذي تتوفر فيه نظم متتابعة من أحزمة الأمان تعمل على نحو ذاتي ودون تدخل بشري لإغلاق المفاعل لحظة الخطر, بحيث أصبح احتمال تكرار ما حدث في "تشرنوبل" يدخل في نطاق المستحيل.

ويقلل المؤلف من مخاوف التدخل الدولي المتزايد بالتأكيد على أن سجل مصر في احترام الاتفاقات الدولية يعطيها مصداقية عالية لالتزامها بأن يكون برنامجها شفافاً يخضع لكل صور التفتيش والرقابة الدولية, بالإضافة إلى أحقيتها في الاستفادة من الحوافز الدولية التي تمنح للدول الكاملة العضوية في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية, مما يقلل من أعباء التكلفة المالية.

"
تكنولوجيا بناء المحطات النووية حققت في السنوات الخمس الأخيرة إنجازا مدهشا جعل كلفة الإنشاء والتشغيل للمحطات النووية أقل في حسابها الاقتصادي من المحطات الحرارية مع تحسين معدلات الأمان وضماناتها
"
ويشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط سوف تشهد خلال العقدين القادمين عددا من البرامج النووية الطموحة لعدد من دول المنطقة أبرزها إيران, التي يستهدف برنامجها النووي إنشاء 12 محطة نووية رغم احتياطياتها الضخمة من البترول والغاز.

وكذلك تركيا التي تستعد لبناء عدد مماثل من المحطات, فضلاً عن إسرائيل "التي تخطط لبناء محطة نووية في منطقة شفتا على الحدود المصرية لاستخدامها في الطاقة وتحلية المياه, إضافة إلى امتلاكها لترسانة أسلحة نووية.

وبالتالي فإن مصر يجب أن تعيد النظر في قرارها السياسي, لبدء مشروع الطاقة النووية.

مشكلتان
ويثير المؤلف مشكلتين يرى أن على المجتمع الدولي العمل على حلهما: الأولى هي المعايير المزدوجة التي كرستها معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية التي انتقصت من عالمية المعاهدة, وجعلت منها أسوأ المعاهدات العالمية قاطبة, لأنها وضعت دول العالم غير النووية التي وقعت على المعاهدات, وأقرت بنودها طوعاً, تحت سيف التعرض لعقوبات قاسية تصل إلى حد التدخل العسكري كما حدث في العراق تحت ذريعة عدم الشفافية.

وذلك في الوقت الذي تركت العنان للدول الأخرى التي لم توقع على المعاهدة لبناء قدراتها العسكرية النووية دون رقيب أو حسيب, وهذا هو حال إسرائيل مع العالم العربي ودول الشرق الأوسط.

والثانية: تتعلق بقضية تدبير الوقود النووي اللازم لتشغيل هذه المحطات في ضوء المقترحات المطروحة على الساحة الدولية بوقف بناء أية منشآت جديدة لتخصيب اليورانيوم وفصل البلوتونيوم لمدة خمس سنوات, مع ضمانات دولية بتدبير احتياجات المحطات النووية من الوقود من خلال نظام دولي جديد تقوم عليه بنوك دولية وإقليمية, توفر الوقود اللازم للمحطات وتستعيده مرة أخرى بعد دورة تشغيله, دون أن تتطرق هذه التدابير المقترحة إلى وضعية المنشآت القائمة بالفعل بحكم الأمر الواقع أو وضع سقف زمني للتخلص منها, وهو ما يمثل تكريساً للوضع التمييزي الراهن الذي تتفوق فيه إسرائيل على غيرها من دول المنطقة.

الملف النووي الإيراني
في الفصل الثاني يتحدث المؤلف عن ضرورة استفادة المصريين والعرب من قضية الملف النووي الإيراني, التي تتجسد في وجود تحالف غربي أميركي يسعى إلى تجريد الدول الأعضاء في اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية من حقوقهم في تنمية وبحث الطاقة النووية لأهداف سلمية.

ويرى أن أزمة الملف النووي الإيراني تكشف عن مخاطر ضخمة تتعلق بمصير معاهدة الحظر التي يمتنع فيها الكبار عن تنفيذ واجباتهم التي نصت عليها المعاهدة, بينما يصرون على عقاب الآخرين على انتهاكات محدودة أقل خطراً.

"
أزمة الملف النووي الإيراني تكشف عن مخاطر ضخمة تتعلق بمصير معاهدة الحظر التي يمتنع فيها الكبار عن تنفيذ واجباتهم التي نصت عليها المعاهدة, بينما يصرون على عقاب الآخرين على انتهاكات محدودة أقل خطراً
"
ويدعو إلى تطبيق أكثر عدلاً أو تعديل اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية, ويستعرض تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن أهم الأنشطة النووية في إيران, وما ترى أنه انتهاكات للمعاهدة, في الوقت الذي لا تساوي هذه الانتهاكات -كما يقول المؤلف- شيئاً إزاء الانتهاكات الصارخة التي تمارسها إسرائيل التي ترفض الانضمام إلى المعاهدة وتحتفظ بترسانة نووية تضم أكثر من 200 رأس نووي تم تصنيعها من خلال برنامج يتسم بالغموض, تواطأت قوى الغرب على فرض ستار من الكتمان الشديد حوله.

ويقول المؤلف إنه مهما تكن أسباب المخاوف العربية من سلاح نووي إيراني ثبتت حتى الآن صعوبة الوصول إليه, في ضوء تقارير الوكالة الدولية عن البرنامج النووي الإيراني, فإن جوهر القضية بالنسبة للعالم العربي يبقى في حق الدول الموقعة على اتفاقية الحظر في إنماء وبحث وإنتاج واستخدام الطاقة النووية لأهداف سلمية.

ويبقى كذلك في ضرورة أن تظل أزمة الملف النووي في إطار كونها مشكلة فنية تختص الوكالة الدولية بنظرها ويمكن أن تجد حلها بالتفاوض والحوار وليس من خلال عمل عسكري يصعب حصار آثاره, أو فرض عقوبات قد تؤدي إلى الصدام العسكري.

كما يبقى من صالح العالم العربي أن تتكاتف وتتكامل جهوده في مجالات بحث وإنتاج الطاقة النووية التي تعزز تقدمه.

ويعزو المؤلف أسباب نجاح البرنامج النووي الإسرائيلي إلى تصميم الإرادة السياسية على تحقيق الهدف منذ فترة مبكرة, والتزام حكومات إسرائيل المتتابعة بتنفيذه باعتباره مصلحة إسرائيلية عليا, ثم العلاقات المتشابكة بين دوائر إسرائيل العلمية والدوائر العلمية الغربية, والسخاء الشديد في إنفاقها على البرنامج مع الدعم المتزايد لفريق العمل من دوائر السلطة العليا, والتواطؤ الفرنسي الإسرائيلي انتقاما من مساندة مصر لثورة الجزائر.

يضاف إلى ذلك الصمت الأميركي المتعمد لإحاطة البرنامج النووي الإسرائيلي بمزيد من الغموض, ويكاد يكون افتقاد هذه الأسباب ذاتها هو سبب الإخفاق الذي أصاب برامج ثلاث دول عربية كرست اهتماماً زائداً بقضية التكنولوجيا النووية هي مصر والعراق وليبيا.

دورة الوقود النووي
في الفصلين الثالث والرابع وهما فصلان صغيران, يلخص المؤلف جوهر الصراع بين إيران والتحالف الغربي في إصرار طهران على أن تمتلك المعرفة الكاملة بدورة الوقود النووي اللازم لتشغيل المحطات النووية, باعتباره حقاً أساسياً تكفله المادة الرابعة من الاتفاقية الدولية.

"
"القنبلة الإسلامية" تعبير صكه الغرب للتحذير من وجودها والبحث عن عدو جديد, وبحكم الواقع العملي فإن القنبلة النووية الباكستانية تخدم المصالح الباكستانية العليا ولا تخدم أهدافا إسلامية, والشيء نفسه يقال عن القنبلة الإيرانية إن وجدت!
"
على حين يصر التحالف الغربي الأميركي على ضرورة أن توقف طهران كل عمليات تخصيب اليورانيوم استناداً إلى أن برنامج إيران النووي يخفي وراءه برنامجاً عسكرياً لصنع سلاح نووي.

ويؤيد المؤلف اقتراح هانز بليكس الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة النووية في إقامة بنوك عالمية وإقليمية للوقود النووي, تنظم العرض مع الطلب, وتساعد على إقرار سعر عادل في صالح الطرفين, وتوفر الضمانات لتكافؤ العلاقة بين المنتجين والمستهلكين, بعيداً عن الابتزاز السياسي وضغوط الاحتكارات وسيطرة التحالفات الكبرى.

القنبلة الإسلامية
يقرر المؤلف في نهاية الكتاب أنه ليس هناك ما يمكن أن نسميه "قنبلة إسلامية" لأن القنبلة الإسلامية تعنى وجود عالم إسلامي تحكمه إرادة سياسية غالبة, وتتوحد مصالحه وتربطه وحدة الهدف أو وحدة الصف وليس -مع الأسف- هكذا حال عالمنا الإسلامي الذي يزيد عدد سكانه عن مليار ونصف موزعين على دول عديدة أغلبها يعاني مشاكل التخلف والفقر وغياب الديمقراطية.

ويعتقد المؤلف أن "القنبلة الإسلامية" تعبير اخترعه الغرب للتحذير من وجودها, وللبحث عن عدو جديد. وبحكم الواقع العملي فإن القنبلة النووية الباكستانية تخدم المصالح الباكستانية العليا, وليست لخدمة أهداف إسلامية, والشيء نفسه يقال عن القنبلة الإيرانية إن وجدت!

المصدر : الجزيرة