عرض/زياد منى
بعد مرور عقدين من الزمن على إطلاق كمال الصليبي موضوعته عن "أرض التوراة" في عسير، تنهض مجددا، لكن هذه المرة في شكل رواية، بوليسية مثيرة، بقلم الكاتب الأميركي المعروف ستيف بِري.

فمن المعروف أن كمال الصليبي، أستاذ التاريخ الحديث في الجامعة الأميركية ببيروت المتقاعد حاليا، طرح موضوعته المثيرة للجدل في كتاب "التوراة جاءت من جزيرة العرب" الذي صدرت ترجمته العربية ببيروت عام 1985.

- الكتاب: الحلقة السكندرية
- المؤلف: ستيف بري
- عدد الصفحات: 462
- الناشر: بلانتينز بوكس، نيويورك
- الطبعة: الأولى/2007

ملخص الموضوعة، التي كانت صدرت أولا بالألمانية، في مجلة "دير شبيغل" الألمانية المرموقة حينئذ، تحت عنوان "الكتاب المقدس جاء من عسير"، ثم صدرت كتابا، باللغة الألمانية، وبعدها باللغة الإنجليزية، وأخيرا بالعربية، هي أن "العهد القديم" تسجيل لتجربة بني إسرائيل التاريخية، ليس في فلسطين وجوارها، وإنما في جنوب غربي جزيرة العرب، أي بلاد عسير الممتدة من جنوب مدينة الطائف إلى اليمن.

الموضوعة أثارت في حينها زلزالا علميا على الصعيد العالمي، وعاصفة إعلامية لم تندثر، مما يعكس برأي البعض آثارها السياسية المعاصرة.

"علماء التوراة" الغربيون رفضوا الموضوعة، لكنهم لم يتمكنوا من دحضها علميا. وكتاب عرب كثر، لا يحمل أي منهم مؤهلا أكاديميا للتعامل معها على أسس علمية رفضوها، من نفس منطلق الحكومة السعودية التي شنت حملة شعواء عليها وعلى مؤلفها.

المنطلق هو أن هذه الموضوعة تمنح أرضية "شرعية" لليهود للمطالبة بأراضي غربي جزيرة العرب.

كمال الصليبي وغيره رفضوا ذلك المنطق من باب أنه يضفي شرعية تاريخية ودينية على اغتصاب اليهود لفلسطين. لكن كتابا عربا آخرين "ثمّنوا" الموضوعة، ولكن وبكل أسف، من الموقع السياسي ذاته، بينما ثمة حاجة ماسة للتعامل مع التاريخ على أسس علمية محض.

لم ينشر عن المسألة أي عمل علمي متزن يدحضها، بأي لغة كانت، وصاحبها كمال الصليبي لم ينظر بعين إيجابية إلى ما نشر عنها باستثناء مؤلفَين: أولهما بالعربية والثاني نشر أخيرا باللغة الإنجليزية.

وكمال الصليبي الذي عاد أخيرا إلى بيروت حيث يعيش الآن بعد انتهائه من عمله مديرا للمعهد الملكي للدراسات الدينية في العاصمة الأردنية، لم يتوقف عن الكتابة عن موضوعته، حيث نشر بعدها كتبا أخرى عنها بالعربية وبغير العربية. وقريبا سيصدر له كتاب جديد باللغة العربية عن المسألة.

المؤلف
ستيف بري روائي أميركي معروف سبق له نشر روايات عدة مثيرة تجمع التاريخ بالحاضر، منها على سبيل المثال "السر الثالث" و"نبوءة رومانوف" و"غرفة الكهرمان" و"إرث فرسان المعبد" التي دخلت قائمة أفضل المبيعات لصحيفة نيويورك تايمز، وهي كما نعرف صهيونية الهوى بامتياز.

"
الموضوعة هي أن العهد القديم تسجيل لتجربة بني إسرائيل التاريخية، ليس في فلسطين وجوارها، وإنما في جنوب غربي جزيرة العرب، أي بلاد عسير الممتدة من جنوب مدينة الطائف إلى اليمن
"
العنوان
المقصود بعنوان الرواية "مكتبة الإسكندرية" التاريخية الشهيرة التي تأسست في القرن الثاني قبل الميلاد بأمر الحاكم الإغريقي بطليموس الثاني. وقد عرفت بعض المعلومات عنها، مع أن كثيرا من الوقائع التاريخية، وكما هو متوقع، امتزجت بالخيال.

لكن لا شك في أنها كانت الحاضنة العلمية الأولى في تلك العصور حيث ضمت، على ما يقال، سبعمائة ألف كتاب منها أعمال هوميروس ومكتبة أرسطو. كما روي أن بطليموس الثاني أمر بنسخ كل كتاب يعثر عليه في أي سفينة تمر بمدينة الإسكندرية ووضعه فيها.

المكتبة هذه اختفت من الوجود، وثمة العديد من الروايات عن مصيرها المبهم. أقدم الروايات هي احتراقها إبان المعارك التي اندلعت بين القوات الرومانية بقيادة يوليوس قيصر وحاكم مصر الإغريقي بطليموس الثالث عشر في عام 48 ق م.

والرواية الثانية تلقي باللوم في حرقها على قدماء المسيحيين في عام 272 أول مرة، وللمرة الثانية عام 391، بهدف تخليص البلاد من المواد "الملحدة".

والرواية الثالثة، وهي الأكثر انتشارا في الغرب تدعي أن العرب المسلمين الفاتحين أحرقوها بأمر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث استخدموا المخطوطات لتدفئة الحمامات. وهذه الرواية لا تصمد أمام النقد لأن جلد الغزال الذي كان يستخدم لكتابة المخطوطات لا يولد طاقة كافية لتسخين أي شيء.

الاحتمال الأقوى هو أنها تعرضت للدمار المرافق للحروب والنزاعات والكوارث الكثيرة التي ألمت بالمنطقة إلى أن فقدت أهميتها وأهملها الحكام. وربما ساعدت الزلازل والكوارث الطبيعية التي فتكت بالمدينة في القضاء على كل أثر لها، من دون انتفاء إمكانية العثور على آثارها في البحر قبالة مدينة الإسكندرية.

"اختفاء" ذلك الصرح العلمي الإنساني العظيم قاد إلى ظهور روايات عديدة خيالية، ومنها روايتنا هذه.

الرواية
المؤلف لا يخفي أبدا أن الشخص الرئيس في الرواية ومركزها هما كل من كمال الصليبي وموضوعته عن "أرض التوراة" في عسير.

تبدأ الأحداث في فلسطين عشية النكبة 1948 برجل غامض يبحث عن "مُتَسَلِّم للسر" اسمه كمال حداد، اختارته إحدى الأخويات السرية لتسلمه معلومات سرية، ملخصها أن العرب ليسوا بحاجة إلى السلاح لهزيمة إسرائيل.

بعد ذلك تنتقل الأحداث الغامضة والدموية بعض الشيء إلى العاصمة الدانماركية كوبنهاغن في أيامنا هذه حيث يعيش بطل الرواية الأميركي كتن مالون الذي يدير مكتبته المختصة بالكتب النادرة بعد تقاعده من عمله في وزارة العدل الأميركية حيث كان يعمل في برنامج سري للحكومة الأميركية.

يفاجأ كتن بزيارة مطلقته التي تبلغه عبر البريد الإلكتروني أن ابنهما مخطوف وأن لديه 72 ساعة فقط لمقايضته بمعلومة عن "الحلقة".

يتوجه كتن إلى صديقه هنرِك ثرفالدسن طالبا مساعدته في الأزمة التي ألمت به، ويلاحظ أن شخصا غامضا اسمه دومنيك سابر يراقب تحركاته كلها.

كما يتصل كتن برفيقته السابقة في العمل، ستيفاني التي تحاول هي ورئيسها، عبر لَري ديلي الذي على اتصال مباشر بالبيت الأبيض، مساعدته، لكنها تكتشف أيضا أن ثمة خرقا لسرية برنامج كانا يعملان فيه إبان عملهما المشترك في وزارة العدل الأميركية، ويحوي المعلومات التي يطالب بها الخاطفون.

"
كل ما حصل في الرواية  من خطف وتحرير وقتل خطط له تكتل صناعي سري أوروبي مقره النمسا اسمه "أخوية الصوف الذهبي"، يهدف إلى السيطرة على الشرق الأوسط ونفطه
"
لكن ستيفاني ورئيسها وكتن يكتشفون أن العثور على "الحلقة" ما هو إلا محطة، من وجهة نظر البيت الأبيض، في الصراع للسيطرة على الشرق الأوسط.

تعمل ستيفاني على الاتصال بكتُن عبر عميل في الدانمارك، لكنه يُقتل قبل أن يتمكن من مساعدته. وفي نهاية المطاف، يتمكن كتن من ملاحقة الخاطفين وقتلهم وتحرير ابنه.

في الوقت نفسه، يكتشف كتن أن كل ما حصل من خطف وتحرير وقتل خطط له تكتل صناعي سري أوروبي مقره النمسا، اسمه "أخوية الصوف الذهبي" يهدف إلى السيطرة على الشرق الأوسط ونفطه.

بعدها يتوجه كتن إلى أكسفورد للقاء جورج حداد الذي يخطره بأن ترجمات "العهد القديم" المعمول بها غير دقيقة وأنه يعمل على إعادة ترجمته، وتحديد جغرافيتها الصحيحة.

وهنا تدخل الاستخبارات الإسرائيلية على الخط وتبدأ بملاحقة كتن وجورج حداد في بريطانيا، وكذلك ستيفاني بواشنطن.

وهنا تظهر لبطل القصة أن ثمة جهات تحاول معرفة محتوى "الحلْقة"، والترجمة الدقيقة للعهد القديم، اعتمادا على كتب في "مكتبة الإسكندرية" المفقودة وصل إليها جورج حداد، بينما تحاول جهات أخرى منع آخرين من الوصول إلى تلك المعرفة.

عندها تبدأ مختلف جوانب الرواية في التداخل لتتحول، كما في سابقاتها التي ألفها ستيف بِري، إلى سرد يحوي كل مكونات الإثارة، من تنظيمات وأخويات سرية، وتجمعات تآمر وخطط ومؤامرات، محبوكة على نحو محكم، ضمن سياق ينتهل، ككل رواياته السابقة، من التاريخ ملهما للأحداث.

والمؤلف يمتلك أدوات هذا النمط من الكتابة وهو ما أهله ليتبوأ مركزا مهما في عالم الرواية الإثارية البوليسية حيث ترجمت مؤلفاته السابقة إلى 35 لغة.

ردود الفعل
القارئ يذكر ربما رواية دان براون "شفرة دافنشي" التي أثارت احتجاجات الكنيسة والمتدينين، حين رأى البعض أنها تمس بأسس المعتقد المسيحي، بل إن دولة الفاتيكان خصصت موقعا خاصا على الإنترنت للرد على ما يرد فيها من فرضيات وادعاءات.

وقد كان من الممكن أن يمر نشر تلك الرواية بكل هدوء لولا أن مؤلفها طرح موضوعاته على أنها حقائق تاريخية، وأيضا لولا انفعال الكنيسة الزائد.

وإذ تمكن أهل الاختصاص لاحقا من دحض ما طرحته من حقائق وأعادوها إلى حجمها الحقيقي، فإن الضجة التي أثارتها ردود الفعل بالدرجة الأولى كانت كبيرة، وحققت للمؤلف المزيد من الشهرة، وأخرجت قصته لاحقا فيلما.

رواية ستيف بري تنتمي إلى النمط ذاته من الجنس الروائي الذي يجمع أحداثا تاريخية بالخيال، إضافة إلى فن السرد البوليسي والغموض.

لكنه، وعلى عكس دان براون، لا يقدم موضوعة كمال الصليبي على أنها حقيقة غير قابلة للنقض، بل ضمن إطار فن السرد الروائي المثير.

"
من المعروف وغير المثير للاستغراب أنه من المسموح به في الغرب للمرء التشكيك في كل الأمور وحتى في وجود الذات الإلهية، لكن من غير المغفور له إطلاقا التعرض بأي كلمة سلبية للصهيونية وأفعالها ضمن أي سياق حتى لو كان رواية خيالية
"
مع ذلك، أثارت الرواية هذه منذ صدورها في مطلع هذا العام ردود فعل عصبية حيث اتهم مؤلفها بالتهم إياها، أي العنصرية ومعاداة اليهود والسامية، حتى إن بعض غلاة التعصب اليهودي والصهيوني أطلقوا عليها مختلف النعوت، ومنهم من ذهب إلى حد عدها الشر بحد ذاته.

سبب ردود الفعل الانفعالية هذه ربما ليس لأن الرواية تذكر موضوعة كمال الصليبي على نحو إيجابي، وإنما بكل تأكيد لأنها تحوي معلومات تاريخية موثقة.

فعلى سبيل المثال، يتحدث المؤلف، في سياق السرد الروائي عن النكبة وعن مذابح الصهيونية بحق الفلسطينيين وطردهم من أراضيهم وقراهم التي عاشوا فيها مئات السنين، وتآمر الاحتلال البريطاني مع الحركة الصهيونية عليهم.

باختصار، المؤلف يتحدث عن "النكبة" ويذكرها باسمها العربي، مرددا مرات عديدة الأحداث التاريخية بالخصوص، وهو يكون بذلك قد اقترب من "المحرمات" في عالم الغرب المعاصر.

ومن المعروف وغير المثير للاستغراب حقا أنه من المسموح به في الغرب للمرء التشكيك في كل الأمور، وحتى في وجود الذات الإلهية، لكن من غير المغفور له إطلاقا التعرض بأي كلمة سلبية للصهيونية وأفعالها، ضمن أي سياق، حتى لو كان رواية خيالية.

وبينما لم يتمكن بعض غلاة الصهاينة المهووسين من السكوت عنها، فقد اتبعت الغالبية العظمى أسلوب "القتل" الأنجع، وهو الصمت. فقد تعلموا سابقا من أزمة رواية "شفرة دافنشي" فقرروا أن أفضل أسلوب لمحاربتها هو تجاهلها، مع أنها تحوي كما كبيرا من عناصر الإثارة الإعلامية وعلى رأسها التعرض للمحرمات الحداثية.

لم نشأ سؤال المؤلف عن ردة فعله على تجاهل معظم وسائل الإعلام الغربية لروايته هذه، لكننا عرفنا منه أنه لم يزر مكتبة الإسكندرية الجديدة ولا أي بلد عربي.

وعندما سألنا كمال الصليبي عن رأيه في الرواية التي تدور حوله وحول موضوعته "التوراتية"، أجابنا بأنه استمتع بقراءتها، لكن أمرا واحدا لم يعجبه فيها، على القارئ اكتشافه.

المصدر : الجزيرة