عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض هذا الكتاب التحولات الكبرى التي اجتاحت العالم بعد الثورة الصناعية وأهمها بالطبع الثورة الفرنسية التي أعادت صياغة الحكم والسياسة في العالم الحديث على قواعد جديدة مختلفة جذريا عن الحقب السابقة.

الكتاب: عصر الثورة.. أوروبا (1789 – 1848)
-
المؤلف:  إيريك هوبزباوم
-
ترجمة: فايز الصياغ
-
الصفحات: 639
الناشر المنظمة العربية للترجمة, بيروت
-
الطبعة:  الأولى/2007

 

بالإضافة إلى التحولات الأخرى في الحرب والدبلوماسية، والطبقات الاجتماعية، والعلوم والفلسفة والدين والآداب، ويشكل الكتاب جزءا من منظومة رباعية للمؤلف، مشهورة في الفكر والفلسفة، وهي عصر الثورة 1789 - 1848، عصر رأس المال 1848 - 1875، عصر الإمبراطورية 1875 - 1914، عصر التطرف 1914- 1991، وبالتأكيد فإن التحولات الكبرى التي يمر بها العالم اليوم تجعل لاستدعاء التحولات السابقة أهمية كبيرة.

ويعمل المؤلف -الذي يعد من أهم أساتذة التاريخ الاجتماعي- رئيسا لكلية بيريك بجامعة لندن وأستاذا زائرا في عدد من كبريات الجامعات الأوروبية والأميركية والآسيوية.

التطورات
يعرض المؤلف المشهد العالمي في ثمانينيات القرن الثامن عشر، وأهم مكونات هذا المشهد على الإطلاق الثورة الصناعية والثورة الفرنسية، ثم تشكلت حولهما وبعدهما منظومة جديدة من الحروب والسلام والثورات والقوميات.

وكان نصيب العالم الإسلامي من هذه التحولات كبيرا، فقد تعرضت أجزاء واسعة منه للاحتلال، مثل الهند والجزائر واستقلت دول وأقطار عدة لتعود إلى الحظيرة الأوروبية مثل اليونان.

ثم هبت على العالم الإسلامي موجات من الإصلاح الفكري والسياسي، مثل الإصلاح الدستوري الذي أجري على أنظمة الدولة العثمانية في عهد السلطان سليم الثالث (1789 – 1807) وبرنامج "التنظيمات" في عهد محمود الثاني (1807 – 1839)، وتجربة محمد على في مصر في التحديث والتعليم، والدعوات والتيارات الفكرية والسياسية الجديدة والإصلاحية في العالم الإسلامي، وبالطبع فقد كانت حركة مصطفى كمال أتاتورك في إلغاء الخلافة الإسلامية وإقامة جمهورية تركية علمانية تمثل ذروة الاستيعاب للتحولات الجارية في الغرب.

يصف المؤلف حالة العالم عندما حل عليه القرن الثامن عشر، فلم يكن معروفا منه (للغرب) سوى أجزاء قليلة، آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والأنهار والبحار والمحيطات والجزر والصحارى والأصقاع والجبال والغابات لم تكن معروفة سوى لقلة من المغامرين والمستكشفين.

وربما كان عدد سكان أوروبا نحو 187 مليونا مقابل ستمئة مليون اليوم، وكان ثلثا سكان العالم يقيمون في آسيا، وكانت أجزاء واسعة من أوروبا مهجورة، ثم استوطنها عدد قليل من الرعاة والصيادين، وبعامة فقد كان العالم ريفي الطابع.

وفي بلدان مثل روسيا والبلقان وإسكندنافيا كان الريف يشكل فيها 90 – 97% من السكان، ولم يزد سكان الحضر على الريف في بريطانيا إلا في عام 1851، وكان السكان يخضعون لحالة مزرية من الإقطاع والسخرة والأقنان.

وكانت حركة التنوير التي ظهرت في ذلك الوقت حركة أيديولوجية ثورية اجتماعية ولكنها معتدلة وحذرة سياسيا، وكان روادها يؤمنون بالملكية المطلقة المستنيرة.

"
الثورة الصناعية كانت في ثمانينيات القرن الثامن عشر والتي بلغت ذروتها عام 1830 إطلاقا للقوة الإنتاجية للمجتمعات البشرية، وربما كان هذا الحدث هو الأهم في التاريخ العالمي بعد الزراعة ونشوء المدن
"

ولم يكن متوقعا من الأنظمة القديمة أن تلغي نفسها بنفسها طوعا، وكان ثمة نزاع كامن سرعان ما تحول إلى صراع علني بين القوى القديمة والقوى الجديدة في المجتمع، "البورجوازي" الجديد، ولم يكن ممكنا تخفيف حدة التوتر في إطار الأنظمة السياسية القائمة إلا إذا انتصرت بالطبع دول أصبحت برجوازية بالفعل.

وأما بعيدا عن أوروبا فقد كانت الإمبراطورية الصينية في قمة فاعليتها تحت حكم أسرة مانشو (تشينغ)، وكانت التيارات الثقافية تتوجه من الشرق إلى الغرب، والفلاسفة الأوروبيون يتعلمون الدروس من هذه الحضارة الراقية.

وكانت الدول الإسلامية أيضا في حالة قوة، وظلت أفريقيا بعيدة عن الاختراق العسكري الأوروبي سوى بعض الموانئ والسواحل الضيقة، ولكن ذلك كان نهاية المشهد، فقد بدأت بريطانيا والدول الأوروبية في عمليات غزو واستيطان واسعة في أفريقيا والهند.

كانت الثورة الصناعية في ثمانينيات القرن الثامن عشر والتي بلغت ذروتها عام 1830 إطلاقا للقوة الإنتاجية للمجتمعات البشرية، وربما كان هذا الحدث هو الأهم في التاريخ العالمي بعد الزراعة ونشوء المدن.

وقد تولت بريطانيا دور المبادرة في هذا المجال، ويمكن أن نتخيل التداعيات الهائلة والشاملة للصناعات والنقل والقوة العسكرية بعد تلك الثورة، فقد انطلقت صناعات النسيج والبناء والنقل العملاق عبر البحار وقطارات سكة الحديد، وانقلب رأسا على عقب شكل المدن والطرق والبيوت والحياة والتجارة والإنتاج والعمل والمهن والتعليم.

وكانت الثورة الفرنسية عام 1789 تعبيرا عن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي صاحبت الثورة الصناعية، وابتدأت الأنظمة الجمهورية في الحكم والتي كانت تبدو فكرة متطرفة أقرب إلى الخيال.

وصعدت الطبقة الوسطى إلى واجهة الإصلاح والتأثير بعدما كانت المجتمعات مقسومة بين أغلبية فقيرة من الفلاحين والحرفيين ونخبة متسلطة من النبلاء والإقطاعيين.

وأخذت الحرب أبعادا جديدة، فقد انتشرت في كل مكان وعلى نحو متصل، وغيرت الانتصارات والهزائم خريطة العالم، وأعيد رسم خريطة أوروبا دون إبداء أي اهتمام بتطلعات شعوبها، وامتد الاحتلال (الاستعمار) إلى جميع أنحاء العالم، وأخذت الحرب أبعادا سياسية وتحررية بالإضافة إلى كونها –أساسا- صراعا بين الدول والقوى.

فبدأت تسقط أنظمة الإقطاع والاستبداد، وتندلع الثورات السياسية والتحررية، فقد نالت بلجيكا استقلالها (1830) عن هولندا، وسيطرت الليبرالية على سويسرا، وبدأت في إسبانيا والبرتغال حرب أهلية بين الليبراليين ورجال الكنيسة، وأثيرت القلاقل في ألمانيا وإيطاليا، واستقلت إيرلندا عن بريطانيا.

النتائج
يعرض المؤلف في القسم الثاني من الكتاب النتائج التي ترتبت على الثورة المزدوجة (الصناعية والسياسية الفرنسية بخاصة) على الدول والأرض والاقتصاد والسياسة والطبقات والدين والأدب والفنون والعلوم.

بدأ الإقطاع يتجه إلى الانحسار والأفول لتنشأ طبقة جديدة من العصاميين التجار والمزارعين والمهنيين، أو بتعبير آخر بدأ المجتمع البرجوازي يحل محل المجتمع الإقطاعي، وبدأ مفهوم القوى العاملة يحتل مكانة واسعة في السياسية والاقتصاد.

وبدأ الاقتصاد الصناعي يأخذ مكانة هامة متنامية ليقود الاقتصاد بدلا من الزراعة ويهيمن على الاقتصاد العالمي لفترة لاحقة طويلة، فبدأت المعابر المائية الصناعية والطبيعية وسكة الحديد تشكل شبكة وشريانا من النقل وتبادل السلع والخدمات، وبدأت السفن البخارية تعبر البحار والمحيطات لتنشئ شبكة عالمية من الاقتصاد والهيمنة والتبادل الثقافي والتجاري، ثم بدأت موجة واسعة من الهجرة من الريف إلى المدن والمراكز الحضارية أو بين الأقطار والدول في العالم القديم أو باتجاه العالم الجديد.

"
فرنسا قادت الثورة الصناعية رغم أنها بريطانية المنشأ، فقد أنشأت فرنسا نظاما اجتماعيا وثقافيا وتجاريا جديدا يقود العالم كالمتاجر الواسعة الضخمة والدعاية التجارية والتصوير والتغليف والخبرات الرأسمالية والمصرفية والتمويل والغاز والطاقة وسكة الحديد
"

كانت فرنسا تقود هذه المرحلة بامتياز برغم أن الثورة الصناعية كانت بريطانية المنشأ، ولكن فرنسا أنشأت نظاما اجتماعيا وثقافيا وتجاريا جديدا يقود العالم، المتاجر الواسعة الضخمة التي تعرض شتى المنتوجات والبضائع، والدعاية التجارية، والتصوير، والتغليف، والخبرات الرأسمالية والمصرفية، والتمويل، والغاز والطاقة، وسكة الحديد.

وبدأت المهن تأخذ مكانة مهمة في الاقتصاد والحياة الاجتماعية والسياسية لتنشئ طبقات جديدة تحل مكان الأرستقراطية البائدة، وظهر مصطلح الطبقة الوسطى للمرة الأولى عام 1812، كانت طبقة جديدة من العصاميين والمناضلين والمهنيين والمثقفين الذين واجهوا الحكم الارستقراطي والكنيسة والبروليتاريا أيضا.

وكانوا يزدادون ثراء وثقة بالنفس عاما بعد عام، أو كما يقول المؤلف اجتمعت العناية الإلهية والعلم والتاريخ لتجعل الأرض لقمة سائغة لهم.

فكان الإنجاز الأكبر للثورتين الصناعية والفرنسية أنهما مهدتا السبيل أمام المواهب، أو على الأقل أمام ذوي الطاقة والدهاء والمجدين والجشعين على حد سواء.

وتوقفت حالة أنه ليس أمام الأبناء سوى العمل في صنعة آبائهم، بل كان أمامهم فرص جديدة ليعملوا في التجارة والتعليم (الذي سيؤدي بدوره إلى أعمال جديدة في الحكومة والمهن والسياسة) والفنون والحرب، وارتفعت المكانة الاجتماعية للمسرح، ونشأت ظاهرة معبود الجماهير من المغنين والموسيقيين والممثلين والجميلات.

وتحول الفقراء والكادحون الذين لم يستفيدوا من التحولات إلى ثوار ومتمردين، وبعضهم تعرض لكوارث اجتماعية واقتصادية بسبب عجزهم عن مواكبة واستيعاب التقدم الصناعي والتقني الذي زاد من بطالتهم وقلل من أهميتهم في الاقتصاد والعمل.

فانتشر إدمان الكحول الجماعي ليصبح ملازما لعمليات التصنيع والتحضر المتهورة، وأصبح الإغراق في الخمر وباء اكتسح أوروبا من أقصاها إلى أقصاها، وانتشرت الدعارة والانتحار والجريمة والتشرد، وعادت بسبب الإهمال والزحام أوبئة الكوليرا والتيفوس.

ولكن ذلك لم يكن المشهد كله، فقد امتدت التحولات إلى الأفكار والمعتقدات والآداب والفنون لتصعد العلمانية التي تقلل من دور الدين في الحياة والسياسة، بل وتشجع على الإلحاد، وكذلك ظهرت أيديولوجيات التقدم والنهضة.

فكانت الرؤى والنظريات الماركسية والليبرالية، وظهر مفكرون مازالوا يقودون التفكير والنظريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مثل إميل دوركهايم، وماكس فيبر وأوغست كونت، وآدم سميث.

وقد ازدهرت حركة الفنون والآداب ازدهارا خارقا للعادة، ومازالت الأسماء التي ظهرت في هذه المرحلة تقود الأدب والفن والفلسفة، مثل نيتشة، وديكنز، ودستويفسكي، وموتزارت، وبوشكين، وبلزاك، بل إن المؤلف يصف نصف القرن هذا الذي يغطيه الكتاب بأنه لا تضاهيه حقبة زمنية بالطول نفسه في أية مرحلة أخرى من تاريخ العالم.

ويعرض المؤلف قطاعا عرضيا من الإبداعات في تلك الأيام، الأهازيج الغنائية للشاعرين ووردزورث وكوليريدج، ومعزوفات الخلق وفصولا لبيتهوفن، وصورة مدام ريكامييه للرسام ج.ل دافيد، وأعمال غوته وشيللر وجان بول، وروايات لأمثال والتر سكوت، وفيكتور هوغو، وأليساندرو مانزوني، وقصائد لشعراء مثل ليوباردي وألفريد دوفيني.

وظهرت مسرحيات خالدة لبوشكين، ورواية بلزاك "الأب غوريو" وأعمال لامارتين، وألكسندر دوماس، وبوخنر في ألمانيا، وفي النمسا ظهرت الشاعرة فرانز غريلبارزر، وفي الدانمارك حكايات هانز أندرسون، وسلسلة أخرى طويلة من الروايات والأعمال الموسيقية والمسرحية والمتنوعة.

وأخضع الدين والتاريخ لدراسات نقدية منهجية، فكان كتاب "حياة يسوع من تأليف ديفد شتراوس في ألمانيا التي أنشأ فيها فريدريك كارل فون سافيني المدرسة التاريخية لفلسفة التشريع، وظهر فيها أيضا كارل ماركس، وكتب ودراسات شارلز دارون عن أصل الأنواع والتاريخ الطبيعي للإنسان.

محصلة الثورة أو العالم في منتصف القرن 19
في خاتمة الكتاب يعرض المؤلف الحالة التي وصل إليها العالم عام 1848 كما وصف في بداية الكتاب العالم عام 1789، ففي أثناء نصف القرن هذا تقدم العالم في المجالات الاقتصادية والعلمية والسياسية ليكون عالما آخر مختلفا اختلافا كبيرا عن ما كان عليه قبل عقود قليلة من الزمان.

فقد تقدم العلم واتسعت آفاق المعرفة، واطلع الناس على ما يجري من تطورات، وظهرت اختراعات مذهلة حولت حياة الناس، المصانع والمختبرات، واستخدام الغاز والطاقة والكهرباء، وسكة الحديد والآلة البخارية والمحركات.

وصحب ذلك تحول الأنظمة السياسية وظهور الجمهوريات وأنظمة الحكم الديمقراطية، وصعود الطبقات الوسطى، وظهور الاتحادات والنقابات المهنية.

ولكن في الشوارع الخلفية من هذه الحضارة الجديدة المبهرة كانت حالات جديدة من البؤس والجريمة والفقر والتشرد، وكان عدد العبيد في أفريقيا نحو مليونين ونصف المليون شخص، وإن كان نظام السخرة والرق قد بدأ بعد ذلك بقليل يدخل مرحلة النهاية والأفول.

"
العلم تقدم في منتصف القرن الـ19 واتسعت آفاق المعرفة، واطلع الناس على ما يجري من تطورات، وظهرت اختراعات مذهلة, ولكن في الشوارع الخلفية من هذه الحضارة الجديدة المبهرة كانت حالات جديدة من البؤس والجريمة والفقر والتشرد
"

وبدأ للمرة الأولى سكان المدن والحضر يتجاوزون سكان الريف لتنشأ المدن العملاقة، وتنمو مداخيل الطبقة الوسطى من سكان المدن ومؤسسيها وقادتها الجدد، وفي نهاية هذه المرحلة كانت القوة الأوروبية هي المهيمنة على العالم، فقد تهاوت أو بدأت بالتهاوي الإمبراطوريات الهندية والصينية والتركية العثمانية.

وقد اندلعت في عام 1848 ثورة اجتماعية كانت مقدمة للثورة الشيوعية بعد ذلك بأكثر من ستين سنة، فقد كانت هذه الثورة انتفاضة للكادحين والعمال.

وحشدت الطبقات الاجتماعية في العواصم في وسط وغرب أوروبا، وعندما هدأت العاصفة وقف العمال ليطالبوا بالإضافة إلى الخبز والعمل بإقامة مجتمعات ودول جديدة،

وأدركت أنظمة الحكم المطلقة في أوروبا أن التاريخ يقف ضدها، فتداعت بسهولة عندما هبت الثورة، وقد كتب فيكتور هوغو عام 1831 إنه يسمع هدير الثورة يتصاعد من أعمق أعماق الأرض بعد أن انطلقت من فوهات المناجم واندفعت تشق طريقها ليحدث الانفجار عام 1848، ثورة الفلاحين في أنحاء واسعة، وانتخاب بابا ليبرالي في السنة نفسها، وحرب أهلية في سويسرا حسمت لصالح الراديكاليين، وانتفاضة في صقلية تطالب بالحكم الذاتي.

 ولم تكن هذه أحداثا عابرة، بل كانت مقدمة لحدث كبير ينتظره جميع الناس ويدركونه ويتناقلون أنباءه عبر التلغراف الكهربائي.

 

 

المصدر : الجزيرة