عرض/عبد الجبار سعيد
مؤلف الكتاب خبير في العلاقات السياسية الدولية بالأهرام، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، وهو يتناول في كتابه فكرة اختفاء المواقف العدائية الأوروبية تجاه السياسات الأميركية في الشرق ألأوسط، لتحل محلها تسويات ومقاربات أميركية أوروبية مشتركة في ضوء الاتفاق على تقاسم الأدوار والغنائم وفق سايكس بيكو جديد يحكم المنطقة العربية.

يقع الكتاب في مقدمة وسبعة فصول وخاتمة، حيث أشار في مقدمته إلى إجمالي التحولات التي حصلت في المواقف الأوروبية بعد 11 سبتمبر/أيلول، بحيث دخلت أوروبا بيت الطاعة الأميركي وأصبحت المواقف في ما بينهما متناغمة واختفت حالة التنافس.

الهيمنة الأميركية

-الكتاب: أميركا/أوروبا.. سايكس بيكو جديد في الشرق الأوسط، ملامح أولية لوفاق دولي جديد
-المؤلف: سعيد اللاوندي
-عدد الصفحات: 258
-الناشر: دار نهضة مصر، القاهرة
-الطبعة: الأولى/2006
جاء الفصل الأول بعنوان "أميركا: في البدء كانت الهيمنة"، حيث بين الكاتب أن الهيمنة الأميركية أصبحت مؤكدة اليوم ومفروضة كواقع، وإذا كانت هذه الهيمنة مشكوكا في أمرها في عام 1945 فهي اليوم ليست كذلك.

كما أن أميركا اليوم سيد يريد الاحتفاظ بهيمنته وسيطرته على مرؤوسيه، مع جعلهم يدفعون ثمن هذه القيادة.

كما يشير الباحث إلى أن النموذج الأميركي غدا الأكثر إبهارا في العالم. سواء على صعيد النهوض الاقتصادي وتوظيف العولمة أو على الصعيد الثقافي.

كما توقف المؤلف أمام دبلوماسية التجويع التي اعتادتها أميركا لأنها أيقنت منذ وقت مبكر أنها لن تتمكن من لعب دور أساسي في العالم، ما لم تتمكن من فرض هيمنة إنتاجها الضخم.

وقد استعرض المؤلف الإجراءات التي اتخذتها أميركا لتحقيق ذلك، وتحت عنوان منطق الزعامة واحتكار القرار تحدث المؤلف عن مجموعة من الأحداث في مسيرة أوروبا والعالم، مهدت لترسيخ الهيمنة الأميركية السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، بدءا من سقوط جدار برلين إلى ظهور ما يسمى الإرهاب الإسلامي وغير ذلك من العوامل.

كما بين بطلان مقولة فقدان حلف الناتو لمبرر وجوده، وتحدث عن الإستراتيجية الجديدة للناتو القائمة على التوسع، واستيعاب مزيد من دول أوروبا الشرقية.

وتحت عنوان الناتو: سياسة البطش وبطش السياسة، تحدث عن محاور تأسست عليها هذه العقيدة الجديدة تتمثل في مصادر التهديد الجديدة، والمسرح الجديد للعمليات، والمرجعية السياسية لاتخاذ القرار.

نصف قرن من الأحلام 

"
العلاقة التنافسية بين أميركا وأوروبا تجسدت في الثنائية الفرنسية الألمانية في مواجهة محاولة تفرد أميركا بزعامة العالم عبر قيادة حلف الأطلسي، أو قرارات الحرب على العراق، أو حتى دخول أفريقيا حلبة التنافس الأميركي الأوروبي
"
كما استعرض في الفصل الثاني أحلام قادة أوروبا باتجاه أوروبا العظمى، وأن هذا الحلم عمره أكثر من نصف قرن، كما تحدث المؤلف عن فوائد توسيع الاتحاد الأوروبي، وعن أهمية العلاقة بين الاتحاد الأوروبي واتحاد دول غرب أوروبا، وما ستحتاجه أوروبا من أجل عملية التوسيع للاتحاد، سعيا للوصول إلى قارة أوروبا الموحدة، سواء على صعيد استيعاب الدول الجديدة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بما يتضمنه ذلك من معالجة مشكلات الفقر والبطالة.

وقد أشار المؤلف إلى أهمية نجاح اليورو في مواجهة الدولار على خطى الوحدة الأوروبية، وبعض التذبذبات التي تعرض لها اليورو وانعكاسات ذلك على الوحدة الأوروبية.

وأشار المؤلف إلى توجهات الأوربة في مواجهة الأمركة في مراحل التسعينيات، والتنافس بين الجانبين الذي كان يتجسد في الجانب الأوروبي في الثنائية الفرنسية الألمانية، في مواجهة محاولة تفرد أميركا بزعامة العالم، من خلال قيادة حلف الأطلسي، أو قرارات الحرب على العراق، أو حتى دخول أفريقيا حلبة التنافس الأميركي الأوروبي.

الإستراتيجية الأميركية تجاه أوروبا
وفي الفصل الثالث أشار إلى الإستراتيجية الأميركية تجاه أوروبا المتمثلة في "لا لأوروبا القوية"، التي تتعارض مع الهيمنة الأميركية، بحيث تقف أميركا في وجه أي تطوير للنظام الإستراتيجي الأوروبي في مواجهة النظام الأميركي.

وقد تحدث عن عدد من النقاط الإستراتيجية التي تتبعها الإدارة الأميركية لتحقيق هذا الهدف ومن ذلك: اعتماد مبدأ التدخل الإنساني غطاء للتدخل في الكثير من المناطق في العالم وهذا ما كان في كوسوفو.

بالإضافة إلى حرص أميركا على إثارة الانقسام في البلقان، والدفع بالظاهرة الإسلامية لتكون الشوكة في الخاصرة الأوروبية، والضغط على الاتحاد الأوروبي لقبول انضمام تركيا لقطار الوحدة الأوروبية.

وقد أشار المؤلف إلى طبيعة السياسة الفرنسية في مواجهة السياسة الأميركية، كما تحدث المؤلف عن توظيف الولايات المتحدة للعامل الاقتصادي في الضغط على أوروبا فيما أسماه بالرؤوس النووية الاقتصادية، وحرب الموز والجبنة وطائرات الإيرباص، والرسوم الضريبية والجمركية.

وتحدث عن أبرز نظريات المثقفين الأميركيين في التعامل مع العالم، وهما نظرية صراع الحضارات لهنتنغتون ونظرية نهاية التاريخ لفوكوياما، حيث يرى هنتنغتون أن الصدمة بين الغرب المتأمرك وباقي العالم ومنه العالم الإسلامي، ستكون أول صدمة تأتي في إطار العولمة، كما يتحدث نفر من رجال الإستراتيجية عن حرب باردة مجتمعية بين الغرب والإسلام تكون أوروبا مسرحا لها.

ندوب على وجه أميركا 

"
القرن الحادي والعشرون سيكون متعدد القطبية، وسيطرة أميركا على العالم في هذا القرن وهم يصدقه ضعاف النفوس، وستكون الدول الأوروبية بالنسبة لأميركا خصوما لا حلفاء
"
تحت هذا العنوان جاء الفصل الرابع بعنوان, وتحدث فيه المؤلف عن ثقوب في الثوب الأميركي إشارة إلى كون الظاهرة الأميركية تعتريها أوجه خلل متعددة، فثمة فارق كبير بين أميركا الشعارات وأميركا الممارسة والتطبيق، إن على صعيد الحريات أو غيرها من التحديات التي تواجه المجتمع الأميركي، مثل: مشكلة التعددية والتنوع وانخفاض الإنتاجية وانتشار العنف والمخدرات.

ويرى المؤلف ضمن حديثه عن أوهام الهيمنة أن القرن الحادي والعشرين سيكون متعدد القطبية، وأن سيطرة أميركا على العالم في هذا القرن وهم يصدقه ضعاف النفوس، ورأى أن أوروبا والدول الأوروبية بالنسبة لأميركا في حقيقتها خصوم لا حلفاء.

وقد أشار المؤلف إلى محاولات أميركا إيجاد فتق في العلاقة الألمانية الفرنسية، وقد عقد المؤلف ضمن تصوره للرفض الأوروبي للهيمنة الأميركية عنوانا قال فيه "أنا أوروبي إذن أنا أكره أميركا".(طبعا هذا مرحلي كما سنرى مع نهاية الكتاب).

كما تحدث المؤلف عن وجود عدد من المظاهر المؤشرة على وجود منافسين لأميركا وتفردها بالهيمنة على العالم كالصين مثلا.

مواجهة أوروبية لأميركا
وفي الفصل الخامس استعرض بعض المواقف الأوروبية الساعية إلى مواجهة أميركا، فتحدث عن سعي أوروبا لإيجاد سياسة نووية أوروبية موحدة، بحيث أدركت القارة الأوروبية خطورة الإشعاعات النووية، في ضوء الإصرار الأميركي على عدم التوقيع على بعض معاهدات الحد من الانتشار النووي، وسعيها إلى صوت واحد في الخارجية والدفاع، حيث تم تعيين السيد سولانا ممثلا للسياسة الخارجية الأوروبية، بالإضافة إلى سعي أوروبا لمواجهة تغول العولمة الأميركية عبر عولمة أوروبية مضادة بدأت تروج لأفكار ثقافية أكثر إنسانية.

كما تحدث المؤلف عن الآمال التي تعلقها أوروبا على الديبلوماسية الفرنسية واستشعار فرنسا لأهمية ذلك والرؤى التي سعت لرسمها لمستقبل الوحدة الأوروبية وبناء المؤسسات الأوروبية وتفعيلها على طريق الوحدة.

وأشار المؤلف إلى النموذج الإسباني الذي اختار رئيسا جديدا لوزراء إسبانيا (ثاباتيرو) دفعا باتجاه الابتعاد بإسبانيا عن العباءة الأميركية باتجاه أوروبي.

أوروبا في بيت الطاعة

"
التراجع في الموقف الأوروبي وانصياعه للإرادة الأميركية يبدو عبر المبادرة الأوروبية تجاه الشرق الأوسط وتعامل أوروبا مع العراق فيما بعد وانخفاض سقف المطالب الأوروبية لتتلاءم مع المطالب الأميركية ومبادرتها تجاه الشرق الأوسط
"
وجاء الفصل السادس بعنوان أوروبا تعود إلى بيت الطاعة الأميركي، حيث استعرض المؤلف جملة من المواقف التي تدل على تحول في المواقف الأوروبية باتجاه التوافق مع أميركا، فما نسمعه في بروكسل جعجعة دون أن نرى طحنا.

والسبب كما يقول المؤلف هو أن جسور الثقة والمصداقية التي سعت أوروبا وأميركا إلى تشييدها منذ سقوط حائط برلين كادت تندثر مع الأزمة العراقية، وهي أول أزمة تتعارض فيها الإرادتان والمصلحتان.

وقد استعرض تطور الأزمة بين الطرفين، ورأى أن القزم السياسي الأوروبي خسر الرهان، وأن الضربة الأميركية لأوروبا تمثلت في مساندة ثماني دول أوروبية للموقف الأميركي، حتى تشكل محور بلير أزنار برلسكوني في مواجهة ألمانيا وفرنسا، وهو ما وجه ضربة قاصمة لفكرة السياسة الخارجية الأوروبية المحددة، ومازال التناقض قائما بين ما هو وطني وما هو اتحادي.

كما يرى المؤلف أن الثوب الأوروبي لم يكن في الأصل ناصع البياض، وقد أشار إلى ما ألم بالمؤسسة الأوروبية نتيجة لبعض فضائح الفساد، وأثر التصويت الفرنسي ضد الدستور الأوروبي الموحد.

وقد دلل المؤلف على هذا التراجع في الموقف الأوروبي وانصياعه للإرادة الأميركية، بالمبادرة الأوروبية تجاه الشرق الأوسط وتعامل أوروبا مع العراق فيما بعد، وانخفاض سقف المطالب الأوروبية لتتلاءم مع المطالب الأميركية، ومبادرتها تجاه الشرق الأوسط، وتجاه التعامل مع مفردات الأزمة العراقية فيما بعد.

تقارب أوروبي أميركي
أما الفصل السابع فقد تحدث فيه المؤلف عن بعض النماذج التي قدمت فيها أوروبا تنازلات تدل على مدى التقارب الذي حصل في المواقف الأوروبية الأميركية.

ومن تلك النماذج انتحار سياسة الحوار النقدي مع إيران ويقصد بذلك تهاوي فكرة الحوار الذي دعت إليه أوروبا في التعامل مع أزمة ملف إيران النووي، أمام سياسة العصا الغليظة التي أعلنها الرئيس الأميركي، وتسلسل الأزمة حتى وصلت إلى مجلس الأمن وبات واضحا أن أميركا تمسك بالملف النووي الإيراني وأن دعوة أوروبا إلى الحوار ليست إلا شكلا من أشكال الديكور الخارجي.

ومثل ذلك يمكن أن يقال في تحول الموقف الأوروبي بشكل مفاجئ خاصة الفرنسي تجاه سوريا، واعتراف الرئيس الأميركي بدور الرئيس شيراك في استصدار قرار مجلس الأمن ضد الوجود السوري في لبنان.

وقد كان المتوقع أن تكون فرنسا حاضنة سوريا التي تسعى للدفاع عنها، مما وضع سوريا بين مطرقة أميركا وسندان أوروبا وبات صوت سوريا غير مسموع في الدفاع عن نفسها رغم تلبيتها لكل المطالب الدولية في محاولة منع التسلل إلى العراق وفي الانسحاب من الأراضي اللبنانية.

أما الضغط الأميركي على أوروبا فيما يخص انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، فأوضح من أن يحتاج إلى تفصيل، حتى عدت فرنسا ذلك من قبيل التدخل في الشؤون الداخلية الأوروبية في مرحلة من المراحل، وكانت توضع الشروط من هنا وهناك ثم لم تلبث المواقف أن تحولت وبدأ التفاوض على انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، واختفى كثير من الشروط التعجيزية الساعية لعرقلة هذا الانضمام.

"
فضيحة السجون السرية الأميركية في أوروبا دلت على توافق بين الطرفين، بل رضا الديمقراطية الأوروبية بتجاوز الضوابط الأخلاقية الإنسانية والسماح للاستخبارات الأميركية بفعل ما لم تسمح به الديمقراطية الأميركية
"
ولا يقل شأنا عن ذلك ما أسفرت عنه فضيحة السجون السرية الأميركية في أوروبا، وما دلت عليه من توافق بين الطرفين، بل رضا الديمقراطية الأوروبية بتجاوز الضوابط الأخلاقية الإنسانية، والسماح للاستخبارات الأميركية بفعل ما لم تسمح به الديمقراطية الأميركية.

وكذلك طبيعة الدور الذي قامت به وزيرة خارجية أميركا، لتضليل الرأي العام الأوروبي وإقناعه بتلافي تضخيم الأزمة، وعدم قبول انعكاسها على الدفء الذي دب في العلاقات الأطلسية، والذي لم يعد مسموحا معه بالرجوع إلى الوراء أو حدوث الأخطاء كما قالت.

ولعل أبرز ما يدل على التحول الأوروبي هو توجه الرئيس شيراك بالتهنئة للرئيس الأميركي وللدول الغربية بانتصار ما أسماه القيم الديمقراطية الأميركية والغربية في العراق، بعدما كان رافضا لتلك الحرب.

وقد عرض المؤلف في نهاية هذا الفصل ما أسماه شهادات ووثائق، وهي مقالات لكتاب أوروبيين وأميركيين تؤكد ما ذهب إليه في طبيعة العلاقة الأميركية الأوروبية، كما عرض في الخاتمة ملامح أولية لاتفاق دولي جديد يقوم على الشراكة الأطلسية.

المصدر : الجزيرة