عرض/بلال التليدي

لعل كثيرا من المتابعين للمكتبة الإسلامية يتصورون أن ما كتب حول الشورى كثير، وأنه قد وصل حد الإشباع بحيث لم يعد هناك من مبرر للكتابة في هذا الموضوع.

ولأن معاودة الكتابة لا بد وأن تجد لها داعيا منطقيا مثل ملء بعض الفراغات التي لم يتفطن لها الذين كتبوا من قبل في الموضوع، أو التأصيل لبعض القضايا التي وردت على سبيل التأمل الفكري، أو الاستدراك والتعقيب على مجموعة من الأفكار التي وردت على سبيل القناعة الفكرية لكن تبين أنها لا تستقيم مع الخطوط العامة لتصور الإسلامي في هذا الموضوع، فإن رجلا في حجم ووزن الريسوني لا يمكن أن يكتب إلا إذا كان الأمر يستدعي إغناء المكتبة الإسلامية وملء فراغ واضح في الموضوع.

-الكتاب: الشورى في معركة البناء
-المؤلف: أحمد الريسوني
-
الصفحات: 184
-الناشر:
المعهد العالمي للفكر الإسلامي, طبع بدار الرازي, عمان
-
الطبعة: الأولى/2007
ولذلك فكتابه الجديد حول "الشورى في معركة البناء" تحاشى تكرار ما قيل، بل إن البعض قد نظر إلى هذا التحاشي وكأنه منقصة علمية في الكتاب، ولكن الرجل -انسجاما مع المنهج الذي التزمه- فضل في كثير من الأحيان عدم الإشارة لبعض الكتب التي تعتبر من الأمهات في هذا الموضوع مثل كتاب الشورى والاستشارة لتوفيق الشاوي.

ولعل هذا السلوك من الدكتور الريسوني كان قاصدا، توخى من ورائه المؤلف عدم الارتهان إلى القديم وتحري الجديد المفيد.

يقول الريسوني في مقدمة كتابه "إن ما تناولته في هذا البحث هو إما قضايا جديدة أو زوايا جديدة أو خبايا جديدة وما سوى هذه الأصناف الثلاثة فلا أرض له إلا على سبيل التذكير الموجز أو للبناء عليه والعبور منه إلى غيره أو لأجل ما يحتاجه من استدراك وتصحيح أو توضيح".

ما يميز الكتاب إذن، ومنذ الوهلة الأولى هو سعيه لإثبات الجديد، وما ذكر فيه من جهود سابقة لم يكن القصد إثباته في الأصل ولكن تم إيراده لأن الجديد اقتضى البناء عليه.

تحاشى الريسوني الوقوف عند التعريفات اللغوية والاصطلاحية، وأعرض عن المباحث اللغوية والبدهية، وقطع مع أسلوب المقدمات الممهدة والاستطرادات المكملة، وتوجه قصده مباشرة إلى القضايا الرئيسة والجديدة التي تخدم موضوع الشورى وتخدم الجهود المبذولة في معركة البناء.

يمكن القول بدون تردد: إن ما يميز الكتاب عن سائر ما سبقه من جهود في هذا الموضوع هو الحضور الكثيف للتأصيل.

فقد غاص الريسوني في عدد من آيات القرآن الكريم، واستقرأ وقائع كثيرة من السنة النبوية ومن سنة الخلفاء الراشدين وبدا الحشد الكثيف للمفاهيم والآليات الأصولية في التحليل والبناء والتركيب بشكل لا نجد نظيرا له في الكتب التي تناولت موضوع الشورى والتأصيل لها.

الشورى في البناء الإسلامي
ففي الفصل الأول من كتابه، والذي عنونه بمكانة الشورى في البناء الإسلامي، فصل الريسوني في أهمية الشورى وساق آيات وأحاديث تأصيلية قل ما ينتبه إلى صلتها بموضوع الشورى.

وبذلك حرر الاستدلال الفقهي في هذا الموضوع من الاقتصار على آيتين شهيرتين في الموضوع، وفتح المجال واسعا للنظر في نصوص شرعية كثيرة والتأسيس من خلالها للشورى في الحياة الفردية وفي الزواج والعلاقات الزوجية وعلاقة الأبناء والآباء وفي مجالات الطلاق والشقاق.

وكان من تميز الكتاب تعريجه في المبحث الثاني من الفصل الأول على بيان سعة الشورى من خلال مجالاتها، حيث أصل الريسوني لشمول الشورى للأمور الدينية والدنيوية والفردية والجماعية.

"
المؤلف فصّل بنحو غير مسبوق في مقاصد الشورى وفوائدها وتجاوز بذلك الكتابات التي اعتادت حصر مقاصد الشورى في استخراج الرأي الصواب بحيث نوّع من هذه المقاصد حتى أوصلها إلى عشرة
"
وكان من كمال هذا المبحث أن فصل الريسوني بنحو غير مسبوق في مقاصد الشورى وفوائدها وتجاوز بذلك الكتابات التي اعتادت حصر مقاصد الشورى في استخراج الرأي الصواب بحيث نوع من هذه المقاصد حتى أوصلها إلى عشرة مقاصد.

ولعل مجرد حديثه عن مقصد منع الاستبداد والطغيان، وكذا إشاعة جو الحرية والمبادرة وتنمية القدرة على التفكير والتدبير يعتبر إضافة نوعية في هذا المجال.

وبعد جهد التأصيل، وبيان أهمية الشورى ومجالاتها ومقاصدها شرع الريسوني في الإجابة على الأسئلة الشائكة المتعلقة بالشورى في الشؤون العامة من قبيل: لمن الشورى؟ ومن هم المعنيون بها؟ ومن المخاطبون بها؟

لقد كان التوجه العام الذي أطر مجمل الإجابات هو السعي نحو التعميم والتوسيع، وأن نصوص الشرع في الأصل تدعم هذا التوجه، وأن ما خرج عن القاعدة إنما يخرج استثناء لوجود عسر أو تعذر أو لتحقق الكفاية ببعض دون بعض أو لوجود قضايا تخصصية لا يصلح لها ولا ينفع فيها إلا أهلها.

وكان أنه تناول في هذا الفصل موضوع المرأة والشورى معتبرا أن أصل العموم هو الحاكم في هذا الموضوع، وأن الرجل والمرأة في الشورى سواء، وأن موقع المرأة في خطاب الشورى لا يختلف في شيء عن خطاب الرجال.

وتناول الريسوني قضية ولاية المرأة العامة، وناقش النصوص التي تأولها المعترضون، وخلص إلى توجيه فقهي قال فيه "فأما أن المرأة لا يجوز لها أن تتحمل أي ولاية عامة، فهذا لا سند له بهذا العموم -يقصد الحديث الذي استند إليه أصحاب هذا الرأي- وهذا الإطلاق".

ووجه الريسوني دليل المعترض بتحقيق قال فيه "وعلى كل حال فالحديث -بالنظر إلى سياقه وسبب وردوده- (يقصد حديث لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) يتناول الرئاسة السياسية والعسكرية للدولة، أي رئاسة ما يسمى اليوم "السلطة التنفيذية".

أما مجالس الشورى فهي مجالس رأي وفكر ومجالس تحليل وتقويم ومجالس اجتهادات وقرارات نظرية أيا كان موضوعها ومجالها، فإذا أراد أحد أن يصف مثل هذه المجالس بأنها ولاية عامة فلا مشاحة في الاصطلاح، لكن على أساس أن لا نخلط بينها وبين الولاية التنفيذية والسلطة الحقيقية".

عضوية مجالس الشورى
ثم عرج الريسوني في المبحث الثاني من الفصل الثاني على عضوية مجالس الشورى، وخاصة تلك التي لها حق النظر في مستوى رئاسة الدولة واختصاصاتها، وحاول أن يجيب في الكتاب عن أسئلة أخرى إشكالية تتعلق بهوية المستشارين الكبار وصفاتهم وطريقة اختيارهم.

وبعد تفصيله في الصفات التي تحدث عنها العلماء في الموضوع ومناقشتها انتهى الريسوني إلى أنها تؤول إلى ثلاث صفات أرجعها إلى الأمانة والعلم والخبرة.

وبخصوص أسلوب اختيار المستشارين الكبار، فقد تحدث الريسوني عن طريقة الانتخاب وطريقة التعيين، ورأى ضرورة المزاوجة بين الطريقتين على أساس إعطاء الأولوية للانتخاب، وقد استدل على ذلك بما ثبت من أدلة الشرع وبما استقر من أحكام العقل.

"
الخصائص الشورية تتلخص في: الحضور القوي والمؤثر للممارسة الشورية والحرية الكاملة في التفكير والتعبير والمبادرة والصدق والصراحة والنزاهة والثقة ثم البساطة والمرونة التنظيمية في ممارسة الشورى
"
ولم يفت الريسوني أن يعرض في كتابه لقضية الإلزام والإعلام في الشورى، إذ أفضى منها إلى موضوع الأغلبية في المجالس والقرارات الشورية.

وقد فضل الريسوني أن يبسط هذه القضية للنقاش الفقهي والأصولي بحيث أطال فيها العبارة وبسط أدلتها وناقش القائلين بالإعلام وفند آراءهم ومذاهبهم من خلال النظر في نصوص القرآن والسيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين ومن خلال قواعد الفقهاء والأصوليين وعلماء الحديث.

وقد فضل الريسوني أن يتناول التجربة الشورية بالتأمل والتقويم للبحث عن ملامحها العامة ودروسها وعبرها، وحصر التجربة المدروسة في العهد النبوي والخلافة الراشدة.

وانتهى منها إلى استخلاص الخصائص الشورية والتي لخصها في: الحضور القوي والمؤثر للممارسة الشورية، والحرية الكاملة في التفكير والتعبير والمبادرة والصدق والصراحة والنزاهة والثقة ثم البساطة والمرونة التنظيمية في ممارسة االشورى.

وقد انتقل الريسوني من تأمل التجربة إلى النظر في مآلها التاريخي، وخلص إلى أن الشورى بعد الخلافة الراشدة قد عرفت ضمورا أو تعطيلا كبيرين.

وعدد لذلك أسبابا كثيرة، لكنه عزا سببها الرئيس إلى غياب تنظيم للشورى وضبط لها إلا في حالات استثنائية محدودة.

ومما لاحظه الريسوني في هذا الصدد هو أن الدولة الإسلامية في مسارها التاريخي طورت العديد من المؤسسات والأنظمة في كافة مرافق الحياة إلا أن حظ الشورى لم ينل نفس التنظيم والضبط، إذ لم تحرص التجارب الحاكمة داخل الدولة الإسلامية عبر مسارها الطويل على وضع آليات لتنظيم الشورى وضبطها مما أدى إلى ضمورها وتعطيلها.

ولم يقتصر الريسوني على مجرد تأمل التجربة الشورية في العهد النبوي وفي عهد الخلافة الراشدة، كما أنه لم يبق حبيس النظرة العدمية التي تتحدث عن غياب الشورى دون أن تجتهد لطرح سؤال البناء والتركيب.

البناء ونشدان الشورى
لقد خصص الدكتور الريسوني الفصل الرابع من كتابه لموضوع البناء ونشدان الشورى ومسالك ذلك، ولعل أهم ما التفت إليه الريسوني في هذا الفصل هو ضرورة استدراك الثغرة الخطيرة التي كانت برأيه سببا في غياب الشورى وتعطيلها وهي الفراغ التنظيمي الذي لا يترك مجالا لمأسسة الممارسة الشورية وضبطها.

وقد اقترح الريسوني في هذا الفصل الاستعانة لبناء الممارسة الشورية بأربعة أصول وقواعد تشريعية يمكن استلهامها بسعتها وشمولها لكافة القضايا الاجتهادية المتعلقة بالتطورات والمستجدات.

"
المؤلف: نحتاج الديمقراطية في اقتباسات وتجارب شكلية وتنظيمية وإجرائية، بينما الديمقراطية بحاجة إلينا لمعالجة بعض آفاتها البنيوية وأدوائها الجوهرية
"
ويتعلق الأمر بـ:
• تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور.
• سد الذرائع.
• المصالح المرسلة.
• الاقتباس من الغير لما فيه مصلحة وخير.

وحاول الريسوني أن يركز على القاعدة الرابعة ليخلص منها إلى ضرورة بناء الإطار التنظيمي للشورى ووضع الشورى في السكة، وخلص من خلال هذا المبحث إلى ضرورة الاعتماد على النظم الديمقراطية الغربية الحديثة والاقتباس منها ومن تجاربها وأساليبها.

وقد بين الريسوني مشروعية ذلك ومدى الحاجة إليه، كما بين أن الاقتباس سنة جارية بشهادة القرآن ودلالة السنة النبوية وسيرة الخلفاء الراشددين وكسب السلف الصالح.

ومن طريف ما ساقه الريسوني في هذا الفصل الأخير من كتابه، هو حاجة الديمقراطية إلى الأمة الإسلامية حيث يقول الريسوني في هذا الصدد "إنما نحتاجها في اقتباسات وتجارب شكلية وتنظيمية وإجرائية، بينما الديمقراطية بحاجة إلينا لمعالجة بعض آفاتها البنيوية وأدوائها الجوهرية".

وقد ختم الريسوني بحثه الفريد بتنبيه مهم، بين فيه محدودية المراهنة على الشورى دون الالتفات إلى بقية الأجزاء الأخرى التي تنتظمها المنظومة الإسلامية.

فالشورى باعتبارها جزءا من المنظومة الإسلامية، إنما تنجح وتثمر، وتستمر وتزدهر، بقدر ما تشتغل معها وحولها أجزاء أخرى من هذه المنظومة.

المصدر : الجزيرة