عرض /كمال حبيب
يقدم الكتاب شهادة موثقة عن حرب الشيشان الأولى (1994-1996) من أجل الاستقلال عن روسيا، فالكاتب كان مراسلا لوكالة الأنباء الفرنسية إبان هذه الحرب، كما أنه تعمق في معرفة تاريخ منطقة القوقاز وأحوالها الإثنية والثقافية والاجتماعية عبر مجموعة من أهم المصادر التي أشار إليها.

من تلك المصادر كتاب روبرت كونكويست "قتلة الأمة"، وبحث موش غامير عن عهد الإمام شامل "المقاومة الإسلامية للقيصر"، وأعمال تولستوي "حاج مراد والقوقازي".

وهكذا صار لدينا عمل مهم زاوج بطريقة متمكنة بين تاريخ المنطقة وحروبها وصراعاتها في العصور المختلفة منذ القياصرة إلى اللحظة الراهنة (حتى عام 2005)، بلغة سهلة اعتمدت وصف الأحداث الجارية بشكل أساسي، لكنها لم تهمل الغوص في التعرف على نفسية شعوب القوقاز، وطبيعة عالمها الجغرافي والديمغرافي والإنساني الذي يوثق للمعلومات والأحداث بشكل دقيق دون استثناء للخرائط التوضيحية والاستشهاد بالنصوص الأدبية.

جاء ذلك في فصول ستة هي المنطقة المتشابكة ونيران الحرية والمنطقة المتشابكة المجزأة والذئب الشيشاني والغضب والبحث عن الفردوس فضلا عن مقدمة وتمهيد.

- الكتاب: جبال الله
- المؤلف: سيباستيان سميث
- المترجم: مروان سعد الدين
- عدد الصفحات: 423
- الناشر: الدار العربية للعلوم، بيروت
- الطبعة: الأولى/2007

مقولات الكتاب الرئيسية
هناك فجوة بين الحقيقة ووجهة النظر الرسمية لحرب الشيشان المعاصرة، إذ هناك وصف لأكاذيب تخدم جيشا إمبراطوريا بطريقة مؤثرة كما ذكر ليون تولستوي قبل مائة سنة في حكايته القصيرة عن "حاج مراد".

فعندما أمر بوريس يلتسين بإحكام السيطرة على الشيشان واستعادة النظام الدستوري في الحرب الأولى (1994-1996)، وحين أرسل فلاديمير بوتين الجيش في الحرب الثانية الحالية منذ 1999 وحتى اليوم، بهدف حماية روسيا من الإرهاب كانت هناك أهداف رسمية متغطرسة وراء الحربين أتت بنتائج معاكسة تماما.

وعوضا عن أن تكون مكانا للنظام الدستوري أو أي نظام آخر تحولت الشيشان لتصبح غيتو مغلقا غير خاضع لسيطرة القانون.

ويعاني الشيشانيون كما أظهرت دراسة حديثة قامت بها منظمة أطباء بلا حدود من بعض أعلى معدلات الأذى النفسي في العالم، إذ إنه بين كل عشرة أشخاص هناك تسعة فقدوا عزيزا في الحرب.

كما أن واحدا من كل ستة شاهد موت قريب له، و80% شاهدوا أشخاصا يتعرضون للإصابة، وقال ثلثا السكان إنهم لا يشعرون بالأمان أبدا.

وتعرض كل من جرى استطلاع رأيه تقريبا إما لقصف جوي بالقنابل أو لإطلاق نار إرهابي، ووفقا لتقديرات موثوقة لقي ما يزيد عن 100 ألف شيشاني مصرعهم منذ عام 1994 إلى غاية 2005، علما بأن عدد السكان لا يتجاوز مليون نسمة.

وتحولت غروزني التي وصل عدد سكانها إلى 450 ألفا، والتي كانت واحدة من المراكز الرئيسية لمصافي البترول إلى أنقاض مخيفة.

وفي تقديرات واقعية غير رسمية قتل أكثر من 20 ألفا من الجنود الروس. ورغم ذلك تظهر الشيشان على التلفزة الروسية التي يسيطر عليها الكرملين بزعامة بوتين مكانا هادئا ومسالما، ومن النادر الإشارة إلى المقاومة التي تعترض القوات الروسية فيها.

ويصف المؤلف غروزني التي زارها عام 2004 فيقول: "لم يبق فيها حجر على حجر، أصبحت منطقة غسق، تعاريف الحرب والسلام فيها مبهمة، وكل الولاءات مشكوك فيها، والمتقاتلون لا يملكون أهدافا واضحة، فهي أثر حي ليس فقط للقوة التدميرية للجيش الروسي، بل عن عجز الدولة الروسية عن إعادة بناء السلام".

"
حرب الشيشان منحت بوتين ونخبته فرصة الاستحواذ على سلطات استثنائية وتحويل الأنظار عن مشاكل البلاد الحقيقية من أجل الحفاظ على الأمن، فهي صنعت بوتين واستخدم هو الحرب لإعادة صنع روسيا
"
فكروا في المدن التي دمرت في اليوم التالي لميلاد السيد المسيح سنة 2004 عندما ضرب تسونامي المحيط الهندي وستتخيلون غروزني مع فارق أن الطبيعة سببت تلك الكارثة في دقائق، بينما الكارثة الأخرى كانت بفعل وتخطيط وإصرار الإنسان على مدى 10 سنوات.

هناك جيل جديد غير معروف من المقاتلين الشيشان لا يزال يقاتل القوات الروسية بعيدا عن أعين الشهود، وهو ما يعني عدم كفاءة وفساد القوات الروسية من ناحية وإصرار الثوار وقوة تنظيمهم في جمع المعلومات وشبكة من المؤيدين واسعة الانتشار من ناحية أخرى.

ويقدم الكاتب تفسيرين لاستحواذ الشيشان على تفكير الكرملين في عام 1994 ثم عام 1999، وهو ما قاد إلى غرق القوات الروسية في مستنقع عسكري وسياسي.

ويرتبط أحد هذين التفسيرين بالأمن القومي والاعتبارات الجيو إستراتيجية المتمثلة في أهمية الموقع الجغرافي لمنطقة القوقاز بين آسيا وأوروبا وحماية خطوط النفط والمصالح المرتبطة به، ومنع انتشار ثورة الانفصال الشيشانية لتشمل باقي المنطقة وصولا إلى تترستان في قلب روسيا مع عدم إغفال العامل الإسلامي المتمثل في ظهور حركات إسلامية في داغستان المجاورة للشيشان.

أما ثانيهما فيرتبط بنخبة الحكم التي اتخذت قرار الحرب على الشيشان في المرة الأولى والثانية، ففي المرة الأولى حاولت هذه النخبة المحيطة بالرئيس يلتسين أن تبدو متشددة في مواجهة القوميين والشيوعيين، فاتخذت قرار الحرب دون أن تدرك عواقبه.

وفي المرة الثانية التي رافقت مجيء الرئيس بوتين للسلطة منحت الرئيس الجديد ونخبته الركوب على متنها والاستحواذ على سلطات استثنائية وتحويل الأنظار عن مشاكل البلاد الحقيقية من أجل الحفاظ على الأمن، فحرب الشيشان صنعت بوتين واستخدم هو الحرب لإعادة صنع روسيا.

الشيشان ليس لها أي صلة بظاهرة القاعدة التي استحوذت على تفكير العالم بعد 11/9، ومن ثم فمزاعم الكرملين عن مقاتلته للإرهاب العالمي في الشيشان ليست صحيحة، ولا يوجد دليل مؤكد على تورط ملحوظ للشيشانيين في قتال القوات الأميركية في العراق أو أفغانستان من أي مصدر مستقل.

وللتاريخ -يؤكد المؤلف- أنه ليس بين المواطنين الروس الثمانية المحتجزين في معتقل غوانتانامو أي شيشاني. ولكنه يعود فيقول إن هناك احتمالا مرعبا وهو هيمنة المتطرفين على المقاومة المسلحة بعد قتل الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف المنتخب الوحيد في مارس عام 2005، ويراه احتمالا كارثيا للبلدين معا.

ويرجح أن البلاد تمثل منطقة تحتوي على كل الشروط الواجبة لانتشار التطرف الديني والسياسي.

"
صمود الشيشانيين أمام أكبر جيش تقليدي في العالم أكد أن قضية الشيشان قضية شعب يسعى للحرية وليست قضية مجرد عصابات كما وصفها قادة موسكو
"
المنطقة المتشابكة المجزأة
يتعرض هذا الجزء من الكتاب للطبيعة المجزأة المتشابكة لمنطقة القوقاز. فشعوب المنطقة تقدس الحرية، ويعتبر الشيشانيون أنفسهم أحرارا كالذئاب ولا يخضعون لأي سيد سوى العائلة والعشيرة.

ويتمسك سكان المنطقة بلغاتهم رغم قرن من الروسنة (فرض الروسية)، ويمثل الإسلام السني بوتقة صهر لسكان الجمهوريات السبع التي تتمتع بالحكم الذاتي، كما أن رابطة الانتساب للجبال كورتسي تشكل جزءا مهما من الأنساب.

ويتراجع عدد السكان الروس في المنطقة بشكل ملحوظ وفقا للإحصائيات، وشهدت المنطقة صراعا بين روسيا وتركيا للفوز بولاء القبائل. وبحلول عام 1580 أصبح الإسلام هو الدين المهيمن.

ومع محاولات التمدد الروسي في المنطقة منذ نهاية القرن الثامن عشر ظهرت مقاومة دينية ذات طابع صوفي نقشبندي وقادري رموزها الإمام منصور وغازي محمد والشيخ شامل الذي قاوم الإمبراطورية الروسية ثلاثة عقود.

وشهدت المنطقة تطهيرا عرقيا تكرر بعد 80 سنة في عهد جوزيف ستالين لاتهامه أربعة من شعوب المنطقة بالتعاون مع النازيين دون أي دليل ملموس، سوى التعبير عن جنون العظمة وهذيان الطغاة الذي عادة ما يفضي لنتائج كارثية.

ومع انهيار الاتحاد السوفياتي وحصول العديد من الدول القوقازية المسلمة على استقلالها بدأ تراجع النفوذ الروسي لحساب الإسلام واقتحام تركيا لهذا العالم الذي يبلغ تعداده 120 مليون مسلم ينتشرون من إسطنبول إلى ألما آتا في الخاصرة الجنوبية لروسيا.

ومع غياب سياسة روسية واضحة تحول البحث الفوضوي والدموي عن إستراتيجية معينة إلى سياسة خارجية عدوانية خاصة أن تقديرات مخزون النفط في المنطقة تراوحت بين 25 و100 مليار برميل، وحيث إن الحرب الدبلوماسية حول مسار تصديره لم تحسم فإن القوقاز كان مهددا بالمزيد من الحروب الطاحنة.

واكب انهيار الإمبراطورية السوفياتية ما أسماه المؤلف اكتشاف الهوية، فالناس بدا كما لو أنهم ينظرون للمرآة للمرة الأولى وهو ما مثل صدمة لهم، وبعضهم وجد المرآة متسخة والضوء متقطعا ولا يمكن جمع أجزاء الصورة المتباعدة إلا ببطء، وهو ما تسبب في إعلان الصراع الديني والثقافي والتاريخي مع روسيا.

وبدت العودة إلى الإسلام مدهشة في المساجد والمدارس، ولكن وجود الإسلام الدائم بشكل سري فيما عرف باسم الإسلام الموازي يبدد هذه الاندهاش.

وحاولت روسيا احتواء احتمالات تمرد الجمهوريات الإسلامية في القوقاز مثل أنغوشيا ولكن الذئب الشيشاني الذي أعلن استقلاله عام 1991 كان عصيا على الإذعان.

"
المشكلة ليست عصية على الحل، غير أنه لم يبذل لها سوى القليل جدا من الموارد لإحلال السلام مقارنة بأيرلندا الشمالية أو يوغسلافيا السابقة
"
الذئب الشيشاني
شعار الاستقلال "الشيشان ليست ملكا لروسيا، إنها ملك لله". وكان يلتسين قد قال جملته الشهيرة عام 1990: "احصلوا على أكبر قدر من السلطة تستطيعون الحصول عليه"، وهو ما جعل جوهر دوداييف يوقع إعلان الاستقلال بعد تنظيم انتخابات فاز فيها بأغلبية ساحقة في 27 أكتوبر/تشرين الأول عام 1991، وهو ما جعل يلتسين يعلن حالة الطوارئ في 8 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1991.

واندفع الجنود الروس نحو غروزني، ورفض البرلمان الروسي التصديق على إعلان حالة الطوارئ فألغاها يلتسين حقنا للدماء، وظلت العلاقات بين البلدين لمدة ثلاث سنوات تتراوح بين الركود وسوء الفهم حتى وصلت إلى ذروتها بالحرب التي وصفها المؤلف بأنها زائفة.

وكان ذلك أكبر انتشار قتالي للقوات المسلحة الروسية منذ الحرب السوفياتية على أفغانستان، كما كان من أسوأ هزائم الجيش الروسي، وكان أسوأ من المعارك في أفغانستان.

وكما يقول المؤلف "سيسجل ما حدث في غروزني على أنه هزيمة تاريخية، ليس بنسبة الخسائر المادية والبشرية وحسب، وإنما بسبب الفشل الكبير على مستوى القيادة والتدريب من المجندين وحتى الجنرالات".

وكان صمود الشيشانيين أمام أكبر جيش تقليدي في العالم (1.7 مليون جندي) تأكيدا على أنها قضية شعب يسعى للحرية وليست مجرد عصابات كما وصفها قادة موسكو.

ورغم أن المؤلف ينهي كتابه بما أسماه البحث عن الفردوس (يقصد السلام في الشيشان) فإنه يري أن المشكلة ليست عصية على الحل، غير أنه لم يبذل لها سوى القليل جدا من الموارد لإحلال السلام مقارنة بأيرلندا الشمالية أو يوغوسلافيا السابقة.

ويؤكد أن أي محاولة للتفاوض مع المقاومة المسلحة لم تجر منذ الحرب الثانية عام 1999 في عهد الرئيس الحالي بوتين.

المصدر : الجزيرة